لندن – “القدس العربي”: حافظ الإنتر بقيادة مدربه الجديد أنطونيو كونتي على بدايته الواعدة في الدوري الإيطالي، بإضافة لاتسيو لقائمة ضحايا مساء الأربعاء الماضي، كإشارة واضحة إلى أن الوضع سيكون مختلفا في جنة كرة القدم هذا الموسم، وليس كما كان في جُل المواسم الثمانية السابقة، حيث كان يوفنتوس يفوز بكل سهولة وأريحية بالبطولة، لدرجة أنه أحيانا كان يقتل المنافسة على الاسكوديتو قبل فترة الراحة الشتوية.
واثق الخطى يمشي ملكا
بصرف النظر عن نتيجة مواجهة سامبدوريا التي تُلعب وقت كتابة التقرير، فالصورة التي بدا عليها فريق الأفاعي في أول 5 جولات من جنة كرة القدم، لم تكن مفاجئة لمن يعرف ملك الغرينتا منذ صعوده على الساحة العالمية مع يوفنتوس، حين دّشن بيديه مشروع عودة يوفنتوس لمنصات التتويج، بعد سنوات من التخبط عقب العودة من غياهب “السيريا بي” وتوابع فضيحة “كالتشيو بولي”، وكانت النتيجة، نجاحه في قيادة الفريق للفوز بالدوري الإيطالي في أول محاولة وبلا هزيمة، موسم 2011-2012، وذلك بعدما أنهى اليوفي موسم 2010-2011 في المركز السابع، حتى عندما خاض تجربته الإنكليزية الوحيدة مع تشلسي، سار على نهج أبناء جلدته الذين حققوا البريميرليغ في العشرية الأخيرة مثل روبرتو مانشيني وكارلو أنشيلوتي وكلاوديو رانييري، وقاد البلوز للفوز بالدوري الأكثر تنافسية في القارة العجوز، وفي وجود أباطرة مدربي العالم في مقدمتهم يورغن كلوب وبيب غوارديولا وجوزيه مورينيو، والمفارقة الحقيقية، أن وضع الإنتر في الوقت الراهن، لا يختلف كثيرا عن وضع البانكونيري عندما تولى كونتي إدارته في صيف 2011، فكما كان يبحث اليوفي عن استعادة أمجاده المحلي، الآن إدارة أصحاب “جوسيبي مياتزا”، هدفها الرئيس إنهاء السنوات العجاف منذ الفوز بثلاثية “سبيشال وان” التاريخية موسم 2009-2010، وكوبا إيطاليا في العام التالي، ولهذا السبب، جاء أستاذ لعبة “سرقة النقاط الثلاث” إلى الجزء الأزرق والأسود في ميلانو، ليصيب عصفورين بحجر واحد، منها تحقيق آمال وتطلعات الجماهير والإدارة باستعادة لقب السيريا آه الغائب منذ سنوات، ومنها أيضا كسر هيمنة كبير القوم ومنعه من احتكار اللقب للمرة التاسعة على التوالي، وهذا ما يتمناه كل خصوم اليوفي هذا الموسم، لتكون بداية لعهد جديد في كرة أسياد الدفاع بعودة التنافس بشكل حقيقي بين عدة أندية كما كان الوضع قبل فضيحة “كالتشيو بولي”، بدلا من ملل عدم تغير البطل كل عام، ومن الواضح أن كونتي يعمل بثقة وهدوء لتحويل ذلك إلى حقيقة مع نهاية الموسم.
الجودة والخبرة
النقطة السلبية الوحيدة مع إنتر كونتي، والتي لا تؤخذ عليه في الوقت ذاته، أن فريقه لم يظهر بالمستوى المنتظر في أول اختبار في دوري الأبطال، نفس أزمته السابقة مع يوفنتوس وتشلسي، لكن مقابل ذلك، أضاف العنصر الأهم أو بالأحرى مفتاح الحفاظ على الانتصارات في عطلة نهاية الأسبوع، الخبرة + الجودة، كما وضح تأثير روميلو لوكاكو في الهجوم والمخضرم الأوروغواني دييغو غودين، وظهرت قيمة الأخير بالذات في المباريات المعقدة التي خاضها الفريق في الجولات الخمس الأولى، منها موقعة الدربي وصدام لاتسيو، أثبت أنه القطعة المفقودة في دفاع النيراتزوري منذ حقبة ماتيرادزي وخافيير زانيتي، وجوده صنع الفارق في مثل هذه المباريات التي كانت تتسبب دائما في ابتعاد الفريق عن المنافسة، ومع الوقت سيظهر تأثيره أكثر سواء على المستوى الدفاعي أو الهجومي، عندما يأتي دوره في حسم مباراة برأسية في كرة ثابتة أو ركلة ركنية، نتحدث عن قلب دفاع من الصعب إبعاده عن أفضل خمسة في العالم في مركزه في السنوات الخمس الأخيرة، أضف إلى ذلك أن تحسن جودة الدفاع، ساهمت في عودة الحارس سمير هاندانوفيتش للمستوى المميز المعروف عنه، كواحد من نخبة حراس المرمى في الكالتشيو وأوروبا، وجسد ذلك في مباراة لاتسيو، بتصديات أقل ما يُقال عنها “هوليوودية”، منها 3 تصديات بـ3 أهداف في الشوط الأول، على غرار ما كان يفعله أليسون مع ليفربول الموسم الماضي، وهذه واحدة من أهم نقاط القوة اللازمة لأي فريق يبحث عن بطولة، وإلا ما قالوا “حارس المرمى نصف الفريق”، وإذا حافظ سمير على مستواه الحالي لنهاية الموسم، في الوقت الذي سيتزايد فيه الانسجام والتفاهم بين غودين وثنائي الدفاع الآخر ستيفان دي فري وميلان سكرينيار، فبنسبة كبيرة، لن يفلت لقب الدوري من كونتي بسهولة، ولو فعلها يوفنتوس أو نابولي أو فريق آخر، ستكون معجزة على طريقة ليفربول ومانشستر سيتي الموسم الماضي.
تخبط المنافس المباشر
صحيح البطل الدائم في السنوات الماضية، ما زال يُمارس هوايته القديمة، بتحقيق الفوز في أسوأ الظروف، فيما يُعرف من قبل أعداء النادي بـ”الفوز القبيح”، ومن المؤيدين “بشخصية البطل”، لكن المباريات الخمس الأولى، كشفت مساوئ بالجملة في تشكيلة ماوريسيو ساري، لعل أبرزها هشاشة الدفاع باستقباله 4 أهداف في أول 5 مباريات، والسبب يرجع في الأساس للمدافع الهولندي ماتياس دي ليخت، الذي ما زال يُحاول التأقلم على الكرة الإيطالية بُرمتها المختلفة تماما عن الهولندية، رغم أن الجميع كان ينتظر توهجه مع الفريق منذ اللحظة الأولى، نظرا للصورة التي كان عليها مع أياكس الموسم الماضي، لكن على أرض الواقع، يُنظر إليه الآن على أنه الحلقة الأضعف في دفاع الفريق، وإلى أن يصل لقمة مستواه الفني والبدني، قد يكون الثمن فقدان المزيد من النقاط، بوجه عام، من شاهد مباريات اليوفي الأولى خصوصا مباراة بريشيا بدون كريستيانو رونالدو، يعرف جيدا أن الخطوط ما زالت متباعدة، والمدرب برر ذلك، لعدم استيعاب اللاعبين لأفكاره حتى الآن، مشيرا إلى أن الأمر سيستغرق معه من 10 لـ15 مباراة، عكس قطار “جوسيبي مياتزا” السريع، الذي ظهرت بصماته سريعا في مشروعه الجديد، والفيصل في هذا الرهان، سيكون ابتعاد الإنتر بأكبر عدد من النقاط في فترة تخبط المنافس المباشر، إلى أن تُجبره الظروف على التركيز مع الأبطال على حساب الاسكوديتو مع بداية الأدوار الإقصائية في فبراير/شباط، بينما كونتي، معروف ومُحدد هدفه منذ البداية، بوضع الأولوية للدوري على حساب أي بطولة أخرى بما فيها دوري الأبطال والكأس المحلية.
شخصية المدرب
يقولون “عادة الانطباع الأول يدوم دائما”، والانطباع العام عن إنتر كونتي، أنه فريق بشخصية وروح مختلفة تماما في السنوات الثماني الماضية، منذ رحيل جوزيه مورينيو لم تظهر نسخة للأفاعي بهذه الحدة والشراسة والرغبة في الانتصار، على سبيل المثال أمام ميلان، فرغم تقدمه بهدفين نظيفين أمام مؤيدين بأعداد أكبر من عدو المدينة، ظل لوكاكو ورفاقه يبحثون عن الثالث وكأن النتيجة 0-0 ولا تتبق سوى لحظات ويُطلق الحكم صافرة النهاية، وهذه بالكاد شخصية المدرب التي يزرعها في لاعبيه، ولا ننسى أنه أعاد أسماء كانت في طي النسيان الموسم الماضي، مثل صاحب هدف الفوز على لاتسيو دي أمبروزيو وأيضا كاندريفا، بنفس الطريقة التي أعاد بها اكتشاف لاعبين مثل فيكتور موزيس وسيزار أثبيليكويتا في تجربته السابقة مع تشلسي، بجانب ذلك، هناك تنوع في طريقة التسجيل، أسلوب الضغط العالي ومحاولة ضرب المنافس بأقل عدد تمريرات في الثلث الأخير من الملعب، يُعطي فرصة للاعبي الوسط للتسجيل، بوضعهم في أماكن مثالية للتصويب كما حدث مع كاندريفا وبروزوفيتش، والأخير بالذات تطور مستواه بشكل غير مسبوق في مبارياته الأولى مع كونتي، كلاعب صانع ألعاب كاذب كما يُريد المدرب، بعمل ربط بين الوسط ولوكاكو باستغلال مثالي لقدرته على الاحتفاظ بالكرة بين الخطوط مع حُسن تصرف بالكرة باتخاذ القرار المناسب للتمرير والمراوغة، هذا ولم يأت دور أليكسيس سانشيز بعد، لحاجته لمزيد من التدريبات والدقائق لينافس على مكان في التشكيلة الأساسية، وعندما يتعافى بنسبة 100%، سيعطي المدرب خيارات أكثر في الهجوم، وبالتبعية ستكون المحصلة أفضل من البداية النارية، التي أسفرت عن نتائج مبشرة، منها تسجيل 9 أهداف واستقبال هدف وحيد في أول 5 مباريات، كأقوى خط دفاع في الدوري، وللمرة الأولى التي ينجح خلالها أي مدرب يتولى الدفة الفنية للإنتر في تحقيق العلامة الكاملة في أول 5 جولات في الكالتشيو… فهل هي عزيزي القارئ مؤشرات نهاية زمن سيطرة اليوفي على لقب الدوري الإيطالي وعلى يد مؤسس الطفرة الأخيرة؟ دعونا نستمتع بالمنافسة المختلفة على جنة كرة القدم هذا الموسم وننتظر في النهاية.