صحوة الموت الأخيرة في ملامسة لعمل مسرحي صعب

حجم الخط
0

صحوة الموت الأخيرة في ملامسة لعمل مسرحي صعب

الأيام المخمورة لسعد الله ونوس علي صالة راميتا في دمشق:صحوة الموت الأخيرة في ملامسة لعمل مسرحي صعبدمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: فُتحت صالة راميتا بدمشق علي العرض الجديد للمخرج العراقي (باسم قهار)، وهو العرض الأول لفرقة مسرح (الأمس) بإنتاج المجموعة المتحدة للنشر والتسويق والإعلان (UG).حمل عرض قهار عنوان ومضمون النص الأخير للراحل السوري سعد الله ونوس، الأيام المخمورة الذي كتبه قبل وفاته بأشهر قليلة، عام 1997، وهو يأتي في سياق نصوص المرحلة الثانية من أعمال المرحوم ونوس مع كل من (الاغتصاب، طقوس الإشارات والتحولات، منمنمات تاريخية)، وإن كان لكل من هذه النصوص إحالاتها المختلفة إلي أبعاد وفضاءات إشكالية (الدين، التاريخ، الآخر/العدو) فقد أحال نص الأيام المخمورة إلي الماضي، وتوقف أمام إشكاليات السرد. ضمن عمل سعد الله علي مفهوم التغريب المنسجم منهجياً مع رؤيته الفكرية للمسرح المسيس، كان نجاحه الأبرز علي المستوي السردي في هذا النص، نصاً يقدم فعلاً درامياً مختلفاً برؤيته عنا، ولكنه يمسنا في الأعماق، حيث يخرجه من علاقة (هنا/ الآن) ليضعه في هذا الإطار السردي المركب المستويات مُبعداً إياه إلي الماضي المرتبط بإطاره التاريخي، بأفراد هذه العائلة التي يشرّحها ونوس أو يفقأ دُملتها بيد راويهِ /الحفيد ـ ابن الزمن الحالي ـ ليعيد بهذا تطهير الجرح وإغلاقه رغم ألم العملية. أفراد هذه العائلة مرتبطون بوعيهم وبخياراتهم الإنسانية وبشرطهم التاريخي، والدُملة أساساً تنشأ حين يخرج أحدهم وهو الأم عن واحد من شروط هذه اللحظة التاريخية التي تحكم المجتمع، أو التي يحكمها المجتمع بأعرافه وقوانينه الجاهزة. وتكبر دُملة العار والخطيئة، أمام عمل الجميع علي إلغاء الفرد وبقاء العائلة (الخلية الأولي في مجتمعنا البطريركي). لا تُقدم هذه العائلة في تصاعد سردي، وإنما علي العكس بشكل متقطع، عبر الحفيد الراوي وتعليقه علي الحدث،عبر فتح الشخصيات للستائر التي تخبيء خلفها أسرار العائلة وقيح الألم، هذه الستائر التي كانت مرايا تعكس بانوراما العائلة العربية في لحظة تاريخية ماضية /حاضرة. عبر أغنية محمد عبد الوهاب (من أد إيه كنا هنا… من شهر فات ولاّ سنة) قدم قهار بالتعاون مع موسيقي حسان طه هذا النص معتمداً علي كسر إيهام المتفرج، فليس هدف ونوس أو قهار إثارة الدموع، وإنما إبعادها نحو الأثر الأعمق، ملامسة الدُملة الموجودة في لا وعي كل منا بحكم انسجامنا مع قوانين مجتمعنا، والتأكيد علي وعي هذا المتفرج فهو البطل الإيجابي في نهاية هذه العملية من البوح والكشف عن المستور والممنوع من الفضح. يُبعد المتفرج ليتسني له الحكم بموضوعية إنسانية شفافة وواعية للراهن، وللزمن الماضي علي هذه اللوحة المهشمة، ثم يعيده في محاولة إعادة تركيب لوحة هذه العائلة، التي يلتقطها قهار، في صورة جميلة، هي محاولة إعادة تركيب ماضينا وتاريخنا المزيف المملوء بالفجوات، فليس المهم: ما الذي يحدث لأفراد هذه العائلة بقدر أهمية: لماذا يحدث. فالأم التي زُوجت صغيرة في السن، بعملية تجارية بحتة بين تجار دمشق وبيروت، لا تنجح في قمع ذاتها كفرد له أحاسيسه ورغباته، كفرد مستقل له خصوصيته الإنسانية، فتضعف أمام رغباتها وتهرب خارج القطيع، ولكن هـــــذه العائلة لا تستــطيع مغادرة القبيلة، فتبقي في أكذوبتها ظاهرياً وتنحل داخلياً. الأخت الكبري (سلمي) تنكسر لأنها لم تحب الإنكليز وقد سمحت لمشاعرها الفردية هذه بالسيطرة عليها، فتخسر بالتالي في لعبتها التجارية المحكومة بالعلاقات السياسية، وتبقي محافظة علي ارتباطها بالفرنسيين الذين ينسحبون بدورهم ويخلفونها وحيدة، في حين ينجح أخوها الرأسمالي (سرحان) في البقاء قوياً في عالم من الممنوعات القذرة،عالم لا يحكمه سوي قانونين أساسيين هما البقاء للأقوي، و الغاية تبرر الوسيلة ، لذلك يغدو كل شيء مباحاً له. فيما يبقي الأخ الأكبر (عدنان) ابن هذه المجتمع، بأخلاقياته الجميلة ضعيفاً دوماً وخاسراً دوماً حتي أمام نفسه ومجتمعه الذي يحكمه، بسبب التشتت بين قمع نفسه وكبح جماح رغباتها، وبين الانسياق وراء قوانين باردة قاسية، هذا التشتت يقود إلي وحشية تدمر الفرد وتلغي إنسانيته لصالح القبيلة. ليلي الوحيدة التي تحافظ علي جمالية روحها، فسرّها يمنعها من البوح، ويحفظها من قسوة الداخل، بينما (شامل السيروان) المناضل ينجح في خرق شرنقة الصمت هذه، ولكن إن استطعنا كأفراد الحفاظ علي جمالنا الداخلي، فإن الحياة لا ترحم وتعود الحرب والتاريخ لتكسر هذا السكون، وتُبعد (شامل) إلي غياهب الرحيل الأخير. شخصيات عميقة وغنية بعالمها الداخلي والذهني، يرسمها ونوس بكل دقة، رغباتها وفردانيتها أمام شرطها الواقعي، الأمل بالحب والثروة هي أشكال للجمال، كيف يقرأها كل واحد منهم، وكيف يصبو إليها، وحتي كيف تتحطم هذه الآمال. نجح القهار برسم صورة هذه اللوحة بأدق تفاصيلها، وانعكاساتها، في المجتمع، عبر ديكور نعمان جود البسيط، وموسيقي منتقاة بدقة وعناية وإضاءة تنوعت بتنوع فضاءات الشخوص والأماكن وعبر الستائر التي تميل إلي لعبة الزمن الحاضر والماضي، إلي الأماكن المختلفة التي سكنتها هذه الشخوص،إلي تلصلص الحفيد والمتفرج معه علي دُملة هذه الصورة، الستائر التي كسرت مع باقي العناصر من الأزياء والأغراض والموسيقي والإضاءة رتابة السرد ونوعت مستوياته، عبرت من فضاءاته ما بين بيروت ودمشق، ما بين السرير بمختلف الآلام والأحلام التي حملها هذا العالم المكشوف/ المخفي، وما بين عوالم أبطاله الداخلية، ما بين فضاء (سلمي) المتفرنس وفضاء (سرحان) الوحشي الباهر. لقد لعب المخرج علي المساحات والأعماق التي خلفتها له لعبة المرايا، واستفاد من الإكسسوارات البسيطة للسينوغرافيا محوّلاً إياها إلي فضاءات لعب بدورها. كما عمل علي دلالات الألوان في الكشف عن شخصيات كل فضاء، فلسلمي وسرحان الألوان الضاجة القوية، والإكسســــوارات الثقيلة، بينما ارتدت ليلي غـالباً أثواباً تتمايل ألوانها بين الأبيض السكري والبني العاجي، وقد ارتدت رغداء شعراني ما يتناسب والرمز الذي تمثله، فهي الغواية والخطيئة، وهي الجمال والمباح… فتراوح اللون ما بين الأسود والأحمر، وهكذا…وبرغم الأمانة العالية للنص التي حملها المخرج في بحثه عن الحلول الإخراجية الجديدة، فإنّ هذا لم يُعقــــــه عن محاولة تنفيذ واحدة من تقنـــــيات الشاشة السينمائية علي الخشبة العارية، إذ يتمكن عدنان من الوصول إلي معرفة مكان والدته، وعليه الآن تنفيذ واجبه وخياره بحماية شرف العــــائلة المهدور، ولحظة اللقاء هذه يُعيدها المخرج ثلاث مرّات وكل مرة بموسيقاها وأدائها، يخرج الممثل ويعود، وهو والأم ينطلقان من نفس التيمة الجسدية في المرات الثلاث، وقد أتت هذه المحاولة كحل إخراجي ممتاز يضمن شفافية النص، ويُنقذ المتلقي من الخطاب المباشر.ولكن، وفي مقابل كل هذه العناية بالتفاصيل ابتعد المخرج عن العناية بممثليه، فقد بدا واضحاً لدي الكثير منهم أن قراءتهم للشخصية هي قراءة سريعة وتوقفت تقريباً عند مستواها الأول، في حين أنها شخصيات إشكالية تحتمل الكثير من القراءات كان من الممكن للأداء المتمكن أن يعكسها بشكل أفضل. إذ أن معظم هذه الشخصيات تحمل في داخلها تناقضاتها الخاصة، ومستوياتها المتعددة، ولكننا كمشاهدين لم نحظ بفرصة اكتشاف هذه الأعماق، فشخصية سرحان لم تكن تمثل أكثر من شخص استغلالي، انتهازي، أما عدنان فشخصيته لا تمثل الإنسان الضعيف منزوع الإرادة، وإن انفعل بلحظة غضب لا أكثر… في حين تمثل شخصية ليلي الجمال والتوازن الداخلي لكننا لا نري سوي جمال (صبا مبارك) وصمت هذه الشخصية وهكذا دواليك. لقد افتقر العرض حقاً إلي جهد يحمل غني وضعف هذه الشخصيات كما حملت الموسيقي والسينوغرافيا المكان بفضاءاته المتنوعة. وثمة مأخذ آخر علي العرض إذ عمد المخرج الي تحميل العرض بعضاً من الإحالات الساخرة التي لا يحتملها النص، ففي أحيان كثيرة كانت اللقطة الكوميدية التي تمر بكل لطف هي السائدة. صحيح أن هذا يداعب الجمهور ويعيد إليه نشاطه وتفاعله ولكن ليس هنا، فالمشهد الذي قُدم عن عالم سرحان ، عالم التجارة السفلي، كان ساخراً بشكل من أشكال الأداء الأقرب إلي (الفارْسْ)، وحين حاول المخرج إبراز التفتت العالي لأفراد هذه العائلة بلمسة من الكوميديا السوداء، أضاع شكل الأداء سخرية ومرارة هذه اللمسة لتبقي لمحة الكوميديا.والنص بالمستوي الإنساني العميق الذي يتعامل معه، تاريخنا، وحتي بُنانا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، لم يكن يحتمل لمسات ساخرة من هذا النوع، وإن نجحت في استرضاء قسم كبير من الجمهور. المشهود لهذا العرض بهِ هو نص قوي لا يخسر جمهوره، فمفردات العرض (الأغنية ـ رقصة الفلامينغو ـ الأضواء ـ وتنوّع الملابس ـ الكادر الضخم من أسماء الممثلين…) وجرأة لطيفة في التعامل مع مشاهد النص الضرورية في بُنيته الحكائية، ولكن التي قد لا يتقبلها الجمهور، كالمشهد الذي يَعرض طبيعة العلاقة التي تحكم هذا الرجل (أب العائلة البطركي) وزوجته (العار الهارب).في النهاية يبقي هذا العرض مُلامسة حقيقية لنص صعب، مَشغول بتركيبيّة عالية، يُقدم لنا في وقت نحن جميعاً امتلأت دملاتنا فيه الي حد الانفجار، ولكننا ما زلنا نتحمل آلامها خوفاً من فضيحة العار. وتبقي كلمة ونوس الأشهر (إننا محكومون بالأمل) هي حلمنا بأن نستطيع كشف آلامنا، وتنظيف جراحنا، وإلا فإنها ستزداد التهاباً يوماً بعدَ يوم. ويبقي العرض لمسة أخري جميلة في سياق هذه العملية، وإن اختلفنا حول المدي الذي نجح في حفرهِ في أعماقنا!فهل تنجح صحوة ونوس الأخيرة في جعلنا نصحو من سُباتنا العميق؟ أم أننا سنسير إلي الموت مُغمضي الأعين؟!بطاقة العرض:العنوان: الأيام المخمورة.تأليف : سعد الله ونوس.إخراج: باسم قهار.ـ إنتاج: المجموعة المتحدة للنشر والتسويق والإعلان (UG)، بالتعاون مع فرقة مسرح الأمس .ـ الإشراف العام: فايزة الشاويش.ـ الديكور: د. نعمان جود.ـ الإضاءة: نصر سفرـ بسام حميدي.ـ الموسيقي: حسان طه.ـ الأزياء: سُهي حيدر.ـ مُدير الإنتاج: بسام الطويل.ـ الممثلون:محمد خير الجرّاح ـ عامر علي ـ صبا مبارك ـ زينة ظروف ـ سليم شريقي ـ رغداء شعراني ـ رباب مرهج ـ عايدة اليوسف ـ مروان أبو شاهين ـ مازن عباس ـ سيف أبو اسعد ـ كفاح الخوص ـ محمد مُصطفي ـ حنان شقير ـ نجاح سكفوني….0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية