حتى الآن ينظر الخليجيون وبالذات السعودية الجارة الكبرى لما يحدث باليمن كما لو كان أزمة سياسية، يختصر أطرافها بين الحاكم والمعارضة، في حين يقول الشعب اليمني انه يقوم بثورة، كما قام أجداده بالسابق بثورات مماثلة، فلما لا يريدون الفهم على هذا النحو.
تدخل الثورة اليوم شهرها الثالث، ومع ذلك التحق الأشقاء بدول الخليج بالركب متأخرين، لكن ليس على طريقة من يأتي متأخرا احسن من الا يأتي، ذلك أنهم تجاهلوا الواقع الذي يصنع ثورة تطالب برحيل النظام الاستبدادي برمته، ولم يخرج مطالبا بإصلاحات سياسية أو مطالب عمالية.
في العودة للماضي وبالتحديد إلى أزمة احتلال العراق للكويت وما تلاها من عقاب جماعي فرضته دول الخليج على الشعب اليمني وليس الرئيس ونظامه، الذي انحاز للنظام العراقي السابق، ومنذ ذلك الحين والعقوبات يدفع ثمنها الشعب ابتداء من التهجير الجماعي للمغتربين بالسعودية وما تلاها من حرمان اليمني من دخول بعض الدول واشتراط أخرى كفيلا (اقرب لنظام العبودية) لتشغيل اليمني عاملا أو نجارا بأجر زهيد، وصولا إلى إغلاق الأبواب في وجه عمالة مؤهلة ومدربة أفضل من القادمة من دول شرق آسيا، فيما أرصدة البنوك مفتوحة للرئيس متى شاء، وطلباته لا ترد حتى لو افتعل أزمة بغيه ابتزاز هذا الطرف أو ذاك.
الآن قدموا مبادرة تشترط تنحي الرئيس بعد ثلاثين يوما، يحصل قبلها على ضمانات بعدم ملاحقته قضائيا جزاء ما اقترفت يداه، ورفع الاعتصامات أو ما سمته المبادرة عوامل التوتر سياسيا وامنيا وثغرات أخرى.
ولهذا الخذلان الخليجي مبررات عدة، أولا رغم ان الرئيس راحل لا محالة كما يقول التاريخ في معادلته عندما يواجه الحاكم شعبه ينتصر الشعب في النهاية عاجلا أم آجلا، لكن الانصياع لابتزاز الرئيس ما زال حاضرا يتجلى في تغير صيغ المبادرات وحبكها لتناسب مقاسه، إلى جانب خوف بعض الدول كالسعودية من انتقال عدوى تغيير نظام الحكم باليمن عليها ووقوعها تحت تأثيره.
كنا نتمنى أن يكون التدخل لصالح الشعب الابقى والأقوى من حاكمه الراحل والزائل، علاوة على كونه تحرك من اجل ضمان واستقرار المنطقة برمتها، كون بقاء الرئيس ونظامه في الحكم يشكل اكبر خطر على أمنهم القومي ومصالحهم الحيوية، اكبر من أي خطر آخر. عندما خرج الشعب اليمني للساحات والميادين العامة من اجل المطالبة برحيل النظام، لم يكن يعول على احد، سوى عدالة مطلبه ومشروعية نهجه السلمي، ولم يكن ينتظر من الآخرين إلا ممارسة واجباتهم ومسؤولياتهم انطلاقا مما يمكن أن يشكله بقاء نظام كهذا، لان الشعب قدم مئات الشهداء والاف الجرحى وما زال مستعدا لدفع الثمن لتحقيق هدفه، ثم بعد ذلك سيكون مطلب المحاكمة للرئيس وأعوانه مطلبا مقترنا بالرحيل لا تنازل عنه أبدا.
السؤال هو لماذا ينظر للدم اليمني بهذه البساطة والرخص من قبل الآخرين، ولذلك ما لم يتم التعامل مع هذا الشعب الذي يصنع ثورة تأتي بنظام جديد ومنتخب ديمقراطيا، فان الرهان على الحاكم لم يعد مجديا بعد أن وضع مبارك وكل أركان نظامه خلف القضبان على سبيل المثال.
كنا قد قبلنا في ما مضى ثمن أخطاء النظام، لكن اليوم يجب التعامل مع اليمنيين بأسلوب مختلف ينطلق من كونه صاحب حضارة ضاربة جذورها في التاريخ، صنع أبناؤها مجدا لا تزال مآثره خالدة في الأندلس وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، وهو اليوم يعيد المجد والسعادة المسلوبة وتبوأ مكانته اللائقة بين الأمم، معتمدا على ثروته البشرية والطبيعية، متعاملا مع جيرانه والعالم بالاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. إن الثورة منتصرة لا جدال في ذلك، والنظام ذاهب إلى مصيره المحتوم بالخلع والمحاكمة ولا ضامن له بدماء الشهداء إلا أسرهم وذووهم، وعما قريب سيسدل الستار على حقبة زمنية سوداء لا يرغب اليمنيون في استمرار فصولها بعد تعميد الثورة بدماء الشهداء الزكية، ويشيد نظاما على أنقاض النظام السابق يعيش الجميع في ظله بالحرية والمساواة والعدالة والحكم للشعب فقط.
مأرب الورد – اليمن