صحيح ان العالم قرية صغيرة لكنها منقسمة علي نفسها!

حجم الخط
0

تفاحة الفردوس: تساؤلات حول الثقافة المعاصرة لعيسي مخلوف:

بيروت ـ “القدس العربي”: تفّاحة الفردوس/ تساؤلات حول الثقافة المعاصرة عنوان كتاب جديد سيصدر في الأيام المقبلة للشاعر والكاتب اللبناني عيسي مخلوف عن المركز الثقافي العربي في بيروت. يحتوي هذا الكتاب علي دراسات ومحاضرات ومداخلات كُتبت في السنوات الأخيرة، وينقسم إلي ثلاثة أقسام أساسية: القسم الأول يُعني بتغيّر المعني الثقافي في العالم وينطلق من تساؤلات تطول الثقافة بعامّة، والثقافة العربية بخاصّة. القسم الثاني يتناول تجارب بعض أعلام الثقافة، شرقاً وغرباً، كما يتناول ظواهر ثقافية وفنية مختلفة. أما القسم الثالث والأخير فيلتفت إلي ملامح من الأدب والثقافة في القارة الأمريكية اللاتينية، ومن ضمنها الملمح العربي البعيد.

من الكتاب، هذا البحث وعنوانه: تحديات الثقافة في الغرب.

تحدّيات الثقافة في الغربإذا كان استهلاك الثقافة الموجهة إلي القطاع الجماهيري الأوسع يتمّ في صورة متشابهة ليس فقط في الدول الصناعية المتقدّمة وإنما أيضاً في مختلف أنحاء هذا الكوكب، فإنّ الأسئلة المطروحة اليوم علي الثقافة وتوجّهاتها ومستقبلها، تختلف بين عالم وآخر، بل إن بعض المجتمعات لا تشعر أصلاً بأنها معنية بالموضوع ولا تطرح علي نفسها السؤال.

نراقب ما يجري من حولنا لنتعرف إلي بعض العناصر التي يتألف منها المشهد الراهن: من الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلي الإرهاب المعولم، ومن حرب العراق إلي ما يجري في لبنان وسورية ومصر والجزائر، إلي جنوب إفريقيا، ومن وضع البيئة والكوارث الطبيعية إلي التلوث وطبقة الأوزون ـ هذا الفضاء المثقوب الذي يحمي رؤوسنا ـ إلي أحوال البورصة في نيويورك، إلي مسألة الأمية والفقر والبطالة، إلي تحرك مسبار علي سطح المريخ، إلي أخبار المشاهير والنجوم. عناصر كثيرة تتكون منها السيرة اليومية لكوكبنا، وهي العناصر التي تستأثر في الغالب، وإن في نسب متفاوتة، بالتغطية الإعلامية وباهتمام الرأي العام. لكن، في المقابل، ثمة نخب ثقافية في الغرب، لا يفوتها ما يجري من أحداث يومية، وترصد في الوقت نفسه الوجه الآخر لسيرة الكوكب، أي التحوّل العميق الذي يطرأ علي الثقافة في معناها الواسع. من العلامات الأساسية لهذا التحوّل ما بات يسمّي الواقع الافتراضي. وهذا الواقع بدأ فعلياً في الستينات، ويتبدي اليوم في وصفه تتويجاً للتقدم العلمي والتكنولوجي خصوصاً في مجال المعلوماتية، والمواصلات، والآلات الإلكترونية الحاسبة، والتقنيات الصورية الثلاثية البُعد. وهذا ما يمثل عالماً موازياً هو، هذه المرة، من ابتكار النواظم الآلية الحديثة التي تفتح أفقاً جديداً أمام التجربة الإنسانية.

ثمة في الغرب اليوم فئة من الكتاب، بينهم عدد من الروائيين، يتصدّون لهذا الموضوع وهم منشغلون بمعرفة الأبعاد السياسية والاجتماعية والفلسفية والأخلاقية للتقدّم التكنولوجي. بل هناك ندوات ودراسات يقوم بها بحاثة ومتخصّصون بغية فهم أفضل لهذا الواقع الذي يشكّل بعداً جديداً في تكوين المجتمعات الحديثة، وسيكون تأثيره حاسماً علي مستوي العالم أجمع، في الآتي القريب. هذا الواقع ستنقلب معه أيضاً النظرة إلي الثقافة في صورة عامة، وإلي الآداب والفنون في صورة خاصة. وهناك من يعتبر (الباحث الروماني غيورغي ساسارمان الذي أفدنا كثيراً من نظرته إلي الواقع الافتراضي) أن الحديث عن ثنائية الواقع والخيال في أدب المرحلة المقبلة سيكون بلا جدوي. لن يعود هناك من فواصل بين الأدب في المطلق وأدب الخيال العلمي. سيتماهي الواحد مع الآخر، ويصبح الأدب ـ هذا إذا بقي هناك من أدب – صورة لمجتمع ممَكنَن ومصنَّع إلي أقصي حد. يطرح هذا الوضع الكثير من الأسئلة، منها: ماذا يحدث إذا تلاشت الفوارق بين عالم واقعي وعالم افتراضي؟ إلي أين يمضي عصر الاكتشافات، وأيّ عالم جديد ينبني علي أنقاض العالم القديم؟

كان بزوغ العصر الصناعي في الغرب وسيطرة الإنسان، أكثر فأكثر، علي موارد الطبيعة، مرادفين، في نظر بعض المفكّرين الغربيين، للتقدّم والازدهار. كان ثمة وعد بخلاص للبشرية بدأ يلوح منذ عصر الأنوار، وطالما تحدّث عنه مفكّرو ذلك العصر وفلاسفته. لكن الوعد لم يتحقق، والتطوّر التقني والتكنولوجي، في المرحلة الأخيرة من الثورة الصناعية، والذي أحدث تغيّرا جذرياً في مسار التجربة الإنسانية، لم يكن مصدر خلاص للإنسان، ولم يساعد في ابتكار أنظمة وأنساق جديدة توجّه علاقات البشر في ما بينهم علي أسس الحرية والعدالة. بخلاف ذلك، ظلّ شبح الحروب ماثلاً، بل ظلّت الحروب قائمة وزادت نسبة الفقر والتخلف في العالم الثالث، وكذلك التعصّب القومي والديني، علي خلفية من زيادة عدد السكان التي بلغت ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 1930 (بلغ عدد سكان عالم في عام ألفين 6.3 مليارات، بينهم 5 مليارات للدول النامية). هذا بالإضافة إلي أن توازن العوالم البيولوجية والثقافية بات مهدداً أكثر من أي وقت مضي.

يتضح إذاً أن المحرك الأساسي للاكتشافات وتطبيقاتها العلمية كان دائماً محكوماً بالرغبة في السيطرة. كذلك يتبيّن أن مردود العلم إنما يتكشف من خلال كيفيات استعماله. من هنا، فإن للعلم وجهين، الأوّل إيجابي، مفيد للبشرية، وقد أعطي نتائجه في مجالات مختلفة وفي مقدّمها الطب وتمكّنه من علم الوراثة والنسل، وأيضاً في مجال العلوم الاجتماعية والأنتروبولوجية وعلم التحليل النفسي. أمّا الوجه الثاني فهو سلبي ومدمِّر ومن أبشع أشكاله السلاح النووي.

بعدما سقطت فكرة خلاص البشرية من طريق التطوّر العلمي، يصاغ اليوم وعد جديد من فم مبشّر جديد. وتتكفل الترويج لهذا الوعد الحملاتُ الإعلامية المنظمة التي توحي للإنسان أن سعادته علي الأرض مرتبطة بقدرته علي الاستهلاك. ولا تنفكّ وسائل الإعلان تبيع صوراً تشي بالصحة والشباب الدائم والسعادة والحبّ. إنها بالأحري تبيع أحلاماً وتردّ علي استيهامات. وهذا أحد ملامح الثقافة الجديدة التي اصطلح علي تسميتها ثقافة الجماهير (Culture de mae) . في موازاة هذه الثقافة، أو بالأحري علي هامشها، هنالك ثقافة أخري لا تزال تسبح عكس التيار، لكنها تتقدّم في صعوبة، لأن الثقافة الجماهيرية تقف في وجه الثقافة التي تعارضها وتعمل علي تدجينها، بل تسعي إلي ابتلاع الثقافة في المعني الذي كان متعارفاً عليه حتي النصف الأول من القرن العشرين. ثمة ثقافة أخري نشأت في العقود الأخيرة في المجتمعات الصناعية، وهي تنمو يوماً بعد يوم، وتلقي بظلالها علي مجتمعات العالم أجمع.

في كتابه روح العصر اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران أن ثمة عصراً صناعياً آخر بدأ في القرن الماضي، وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية، ومهمته تصنيع الصور والأحلام. إن الإعلام الجماهيري (Ma Media) الموجّه إلي أوسع القطاعات، والذي يتصدره التلفزيون في الأخص، هو جزء من هذه الوسائط التي أحدثت ما سمّيناه الواقع الافتراضي، ونتج منها أيضاً ثقافة الكمّ والجماهير. إنه، بحسب موران، الاستعمار الثاني، العمودي هذه المرّة وليس الأفقي. يدخل الاحتياط الكبير الذي هو النفس البشرية. وهذه النفس هي مستعمَرة جديدة: إفريقيا جديدة وآسيا جديدة. شبكة هائلة من وسائل الاتصال تحكم العالم براً وبحراً وجواً. الأقمار الصناعية تطوّق الجهات الأربع، ومعها الموجات الإذاعية والقنوات التلفزيونية والسينما والصحف والمجلات، وأخيراً الإنترنت. لقد أصبح الهواء مأهولاً فعلاً بالصوت والصورة.

وهكذا فإن عملية تصنيع الكائن تسير جنباً إلي جنب مع التطوّر التقني والتكنولوجي. وهي لا تستأثر فقط بجسد الإنسان، وإنما أيضاً بروحه. تخترق مجاله الداخلي وتبيعه كل شيء حتي الأحاسيس بعد أن تكون قد حوّلتها بضاعة. الكتاب كان هو الآخر بضاعة وكذلك الصحيفة. لكن الثقافة والحياة الخاصة لم يدخلا أبداً قبل الآن، وبهذه النسبة الكبيرة، دورة الصناعة والتسليع.

وفقاً لهذه الدورة ومعاييرها تُنتج ثقافة الجماهير، وتوزّع علي المستوي الكوني عبر تقنيات التوزيع الخارقة المشار إليها أعلاه. هذه الثقافة قادرة أيضاً علي فبرَكة مغنين ليسوا مغنين، وموسيقيين ليسوا موسيقيين، ومفكرين ليسوا مفكرين، وفلاسفة ليسوا فلاسفة، وروائيين ليسوا روائيين. ويمكن هؤلاء وأولئك أن يبلغوا أعلي المنابر ويحصلوا علي أكبر الجوائز التقديرية العالمية: من جائزتَي غونكور و ثرفانتس إلي جوائز الأكاديمية الفرنسية و نوبل. ألا يقول الكاتب النمساوي كارل كراوس: عندما تنخفض شمس الثقافة عند مستوي الأفق، تصبح للأقزام ـ حتي للأقزام ـ ظلال كبيرة؟

لقد أصبحت الصناعة الثقافية طريقاً آخر نحو الذهب ولا مكان للمبدع الذي لا يدخل نسق الإنتاج السائد. ما يحكم هذا الإنتاج بصورة عامّة (ثمة دائماً استثناءات) ليس النوعية الجمالية ولا الذائقة الفنية ولا الحسّ النقدي، وإنما طابع التصنيع والقدرة علي تحويل البضاعة حاجة استهلاكية يومية. إنه منطق السوق والربح، وزمن سيطرة الإعلام علي المعرفة. هنا، نفتح قوساً ونشير إلي أن ثقافة الجماهير انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية في الثلاثينات، واستتبعت ملامحها بعد الحرب العالمية الثانية لتطول الدول الغربية كلّها عبر الأفلام السينمائية والتلفزيونية وعبر الإذاعة والصحافة المكتوبة. واليوم، فإن نظام التواصل هو نظام عالمي يتمكّن من بلوغ أكثر الأماكن بعداً في الأرض، متجاوزاً كل الفوارق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. من هذا الباب تدخل الثقافة مسار العولمة الناتج من التطور التقني ومن النمو الاقتصادي وما يسمّي اقتصاد المعرفة، ويحلّ الفولكلور الكوني محلّ الفولكلور المحلي. في هذا المجال يبدو منطق الصور هو المنطق المهيمن. إنه الأقوي والأكثر قدرة علي الوصول. وليس المقصود هنا فقط الصور المتحركة (سينما وتلفزيون)، بل كذلك الصور الجامدة (الفوتوغرافية) التي تغطي بعض الأحداث الساخنة، سياسياً وعاطفياً والتي أصبحت تجارة قائمة في ذاتها (راجع إله الابتذال يحكم قبضته علي العالم ). في الغرب وأمام تحولات الواقع الراهن، ثمة إعادة نظر دائمة في مفهوم الثقافة وفي الصراع القائم (وأين هو فعلاً اليوم؟)، بين الثقافة العليا والثقافة الدنيا، إذا جاز القول. بين بيكاسو من جهة، وخزعبلات الفنّ الحديث من جهة ثانية. بين بروست وجويس، والروائيين الذين ينبتون كالفطر في الغرب والذين لا يضاهيهم غرابة إلا تلك الحشود المقبلة علي كتابة الشعر في العالم العربي. لكن في الغرب، حتي الثقافة العليا معرّضة للنقد. والنقد الذاتي في الأخص جزء من حيويتها واستمرارها. النخبة (أو بالأحري، فئة منها) لا تنتقد ثقافة الجماهير فقط، بل تنتقد المعطيات الجديدة كلّها. في انتقادها ثقافة الجماهير، تنظر إليها في وصفها ظاهرة يجب أن تحلّل وتُدرس، لا عدواً يجب أن يُداس. عندنا، لا يزال النقد يعرّضك لتهمة الخيانة، ولا يزال يصطدم بمعوقات اجتماعية وأخلاقية ودينية صارمة. تحت وطأة المقدَّس وحمايته وتوظيفه، تصبح مياه الفكر آسنة ويتآكل الداخل من الداخل.

بالنسبة إلينا، حتي أولئك الذين هجروا بلادهم وخرجوا عن الطوق تجدهم، في غالبيتهم، يعيشون مأزقاً آخر. صحيح أن بعدهم عن أوطانهم الأصلية قد يكسبهم مسافة نقدية ويساعدهم في أن يكونوا بعيدين عن التأقلم، إلاّ أن النسبة الكبري منهم لا تزال تعيش التباساً بين النقد الذاتي والنقد الموضوعي. في أحيان كثيرة يتراجع نقدهم الذاتي أمام نقدهم الموضوعي. وحين يعملون علي نقد الذات، فسرعان ما يتحول الموضوع دفاعاً عن الذات. وهذا مأزق من مآزق الثقافة العربية منذ عصر النهضة حتي اليوم.

علي صعيد آخر، تتحرك الثقافة في الغرب في مدار بيروقراطي. أي أن التنظيم البيروقراطي يصفّي الإبداع. المنتج في هذه الحال، هو الذي يقرّر مصير الإنتاج الإبداعي، ومعه مصير الإنتاج المبدع. هناك اعتبارات تقف وراء اتخاذ هذا القرار أو ذاك. لكن الاعتبارات، مهما تعدّدت، تتمحور علي العموم حول مردود النتاج الإبداعي بالنسبة إلي المؤسسات الخاصة (دار نشر، مثلاً) وحول فائدته السياسية في حال كان الأمر يتعلق بدولة وبوزارة ثقافة. من هنا يمكن أن نفهم كيف أن تظاهرات ثقافية كثيرة، ومنها، علي سبيل المثال، تظاهرة الربيع الفلسطيني التي شهدتها باريس وبعض المدن الفرنسية، لم تكن مجرّد قرار ثقافي فحسب، رغم أهميتها الثقافية.

غير أن تطويع الثقافة عبر السلطة يختلف بين مكان وآخر ولا يمكن تشبيهه في أيّ حال بما يجري داخل الأنظمة الاستبدادية الكلّية المطلَقة التي تنصّب نفسها مرادفاً شرعياً لسلطة إلهية. كان شعار مهرجان المربد الشعري في بغداد: كل القصائد تغنّي لصدّام مُبدع الانتصارات.

في المجتمعات الديموقراطية، لا يمكن اختصار الألوان في لونين ثابتَين فقط، أسود وأبيض. هناك تدرّج في الألوان لا حصر له، حتي داخل اللون الواحد. تحتفل فرنسا مثلاً بمغنية الأوبرا ماريا كالاس في مناسبة ذكري وفاتها ولا يكون للاحتفال جانب تسويقي فقط (تمتلئ واجهات المكتبات ومحال الأسطوانات بصور الفنانة وأسطواناتها والكتب الصادرة عنها)، فالاهتمام بها يتجاوز المناسبة. وقد أعادت شركة EMI، إصدار اسطواناتها في صورة هي الأفضل والأنقي حتي اليوم. هنا لا يعود الجانب السياسي والبيروقراطي أو التجاري هو وحده المتحكّم بالنتاج. ثمة جانب آخر أيضاً يساهم في حسم المشهد هو الجانب التقني الذي يحدّد نوعية الصوت والصورة، ويتدخّل في معظم المجالات الإبداعية.

من جهة ثانية لا يزال يوجد في الغرب، بالإضافة إلي نُخَب ثقافية، متتبعون من النخبة. صوت ماريا كالاس لم يكن في حاجة إلي ذكري كي يتذكّره هؤلاء، فهو لا يزال حاضراً وبقوّة في عالم الغناء الأوبرالي. وهذا ما تعكسه أيضاً مبيعات أسطواناتها البالغة قرابة السبعمئة وخمسين ألف أسطوانة في العام الواحد، وذلك رغم تغيّر الأزمان.

في هذا السياق، تبقي باريس إحدي أكثر المدن في العالم اهتماماً بالثقافة، فأين هي المدينة حيال المتغيرات الراهنة؟ أين هو الخاصّ والعام فيها، الرسمي والمستقلّ؟ باريس الثقافة ليست فقط صروحاً. إنها أيضاً الروح التي تنفتح داخل هذه الصروح المشرّعة علي ثقافات الشعوب. العاصمة الفرنسية ليست فقط متاحف، ومسارح، ومكتبات عامة، ومؤسسات ومراكز وصروحاً كبري كمدينة الموسيقي، والأوبرا الوطنية، وبيت ثقافات العالم، ومسرح المدينة الذي تحوّل عبر السنين إلي مرجعية فنية تجلّي فيها فنّ الرقص والغناء والموسيقي.. إنها أيضاً مساحة لمختلف أنواع الفنون: من الفنون المشهدية والفنون التشكيلية، والهندسة المعمارية والتراث والوثائق، إلي الاستعراضات والتظاهرات والمهرجانات العالمية، كأنها في ذلك كله تقدّم خلاصة للتجربة الفنية والإنسانية الراهنة مهما تكن النواقص والاعتبارات التي سبق أن أشرنا إليها. وإذا كانت الثقافة وجهاً من أوجه باريس وهاجساً من هواجسها الأساسية، فلأن الذين تعاقبوا علي تسلّم المسؤوليات الثقافية فيها يعرفون أن الثقافة جزء من التنمية، وأنها ساهمت في بلورة صورة المدينة ومنحها جانباً مهماً من سحرها وجاذبيتها، ولأن الذين رعوا هذه الثقافة ومن موقع السلطة أيضاً، من أندره مالرو إلي جورج بومبيدو وفرنسوا ميتران، كانوا هم أنفسهم كتّاباً وعشّاق جمال. ويذكّرنا هؤلاء بأزمنة غابرة في الشرق يوم كان السلطان الخطّاط بيازيد الثاني يحمل في يده الدواة للخطاطين، وما كان ليحملها لو لم يكن هو نفسه خطّاطاً وعارفاً قيمة الخطّ.

هذا المشهد المتجلّي لمدينة باريس، قياساً بالعواصم العالمية الأخري، لا ينأي بالمدينة عن تغيّر المعني الثقافي، ولا يغيّب مواطن الضعف التي تضرب رياحها في كلّ مكان والتي سبق أن أتينا علي ذكرها، وتتمثّل في صعود ثقافة الاستهلاك وتصنيعها، والجوائز واعتباراتها، وسلطة الشاشة الصغيرة التي أصبحت أحد الشروط الأساسية لوجود المبدِع، ومن خلالها تطالعنا نجوم اللعبة الإعلامية: برنار هنري ليفي، ألن فنكلكروت، أندريه غلوكسمان وغيرهم. ولا شكّ في أن الموقف السياسي لهؤلاء الفلاسفة الجدد هو الذي يدفعهم إلي واجهة الحدث الإعلامي والثقافي لا القيمة الفلسفية لكلّ منهم. أما وجودهم في المشهد الفلسفي الفرنسي فهو أيضاً دليل علي المستوي الفكري والفلسفي الذي آلت إليه فرنسا اليوم، بعدما كانت فرنسا الستينات والسبعينات تجمع أسماء من طراز ميرلو بونتي وسارتر ودوبوفوار وفوكو وديريدا وبارت.

علي صعيد آخر، أن تتحدّث في الغرب عن وزارة ثقافة يعني أنك تتحدث عن جزء من الدولة. فهي مؤسسة وهيكلية وأجهزة وكادرات. وهي موازنة ضخمة. الثقافة في عهد ميتران حققت قفزة كبيرة واستجابت، إلي أقصي حدّ، لتحديات العصر. لكنها اتخذت، في جوانب منها، طابعاً استعراضياً. لقد جري في غضون أعوام تنفيذ عدد من المشاريع الضخمة، منها المكتبة الفرنسية الكبري التي تنافس كبريات المكتبات العالمية، وتجديد متحف اللوفر وتوسيعه ومنح واجهته الطابع الفرعوني بتشييد الأهرام الزجاجية، في محاولة لجعله الأكبر أيضاً علي المستوي العالمي. بالإضافة إلي ذلك، هناك لاغراند أرش كردّ حديث علي قوس النصر، ويقف هذا الصرح علي بُعد كيلومترات قليلة من القوس الشهيرة. قوسان للنصر، الواحدة مقابل الأخري. مرادفات ورموز للسلطة عبر الثقافة. لكنها مرادفات ورموز استعمل من أجل إنجازها أحدث التقنيات وأكثرها تطوراً. وهي تنطوي علي رؤي إبداعية وجمالية أكيدة. بل ان بعض هذه الرموز بلغ درجة عالية من الرهافة والجمال. ومنها في الأخص صرح لاغراند أرش الذي أتينا علي ذكره، وهو من تصميم المهندس الدانماركي اوتو فون سبركلسن، ويعتمد علي الشكل الهندسي الصافي. مكعَّب كبير بنيت واجهاته من رخام أبيض وجوانبه الداخلية والخارجية من الزجاج. نافذة ضخمة مفتوحة من الجهتَين وقادرة في حجمها أن تحتضن كاتدرائية نوتردام دو باري بأكملها. شكل منزَّه بخلاف قوس النصر المصوغة بأسلوب الكلاسيكية المحدثة لمطلع القرن التاسع عشر، والرازحة تحت ثقل تماثيله التي تمثل معارك وبطولات، المراد منها نقل رسالة سياسية بيّنة. علي عكس ذلك، تبدو لاغراند أرش مجردة ومصقولة، صفحة من رخام أبيض تشي ولا تروي. إنها إحدي آيات المعمار الحديث في الغرب، وهي، علي علوّها واتساعها وضخامتها تطلّ علي باريس برهافة وشفافية. ثابتة وتتأهب للطيران في آن واحد. وبالإضافة إلي أهميتها النفعية والجمالية، فهي تندرج في القطاع السياحي، كالكثير من الصروح والمواقع. ذلك أن من التحديات الأخري التي تواجه الثقافة في فرنسا، وفي الأخص في باريس، مجاراة القطاع السياحي. الثقافة، هنا وفي بعض المجالات، تمثل أحد أوجه السياحة، ومن المعروف أنّ فرنسا هي أكثر البلدان اجتذاباً للسياح في العالم.

تدخل فرنسا علي المستوي الثقافي أيضاً في منافسة مع بعض الدول الغربية، ليس فقط علي مستوي البني الثقافية، وإنما أيضاً في مجال المعلوماتية الذي تتصدره الولايات المتحدة الأمريكية. عندما جاء بيل غيتس، صاحب شركة ميكروسوفت الأمريكية إلي باريس، ليفتتح في متحف قصر اللوكسمبور المعرض المخصص لمخطوطة ليوناردو دافنشي التي كان قد اشتراها وأدخلها حقل المعلوماتية كاشفاً عن علاقة جديدة بين الفنّ وهذا الحقل، التقي الرئيس الفرنسي جاك شيراك وأطلعه علي موقفه من المعلوماتية ودورها في تقدّم المجتمعات الغربية. في اليوم التالي، صرّح شيراك بموقف هو امتداد لموقف بيل غيتس، وأكّد أهمية المعلوماتية في التعليم والمهن علي أنواعها، والتحدي الاقتصادي الذي تمثله. وهنا لا بد من الإشارة إلي أن تكنولوجيات الإعلام (كومبيوترات ونواظم معلوماتية مختلفة) تمثل تبادلاً تجارياً يقدّر بمئات مليارات الدولارات سنوياً.

استناداً إلي كلّ ما تقدّم، يمكن القول إنّ التقدم العلمي والتكنولوجي لم يواكبه تقدّم علي مستوي العلاقات الإنسانية، وعلي مستوي الحياة المعنوية والروحية. صحيح أن العالم أصبح قرية صغيرة كما يقال دائماً، بواسطة وسائل المعلومات الحديثة، لكن الصحيح أيضاً أن هذا العالم نفسه لا يزال منقسماً علي نفسه، ولا تزال المشكلات والمسائل المطروحة فيه تراوح مكانها، أي أن ثمة تفاوتاً في ذات البشرية بين تقدّم علمي متسارع وكيفيات استخدام هذا التقدم، وهي ليست دائماً لصالح البشر.

نحن في زمن إعادة طرح الأسئلة. زمن يعاد فيه النظر في قيَم المجتمعات وأحلامها وأساطيرها. والسؤال الأساسي المطروح هو، في المقام الأول، سؤال إنساني. إنه سؤال عن بناء إنسانيات جديدة، ذلك أن الأزمة الراهنة تطول كل شيء، وتهدّد الثقافة نفسها، في المعني الذي عرفناه لكلمة ثقافة منذ الرسوم التي خلّفها الإنسان القديم علي جدران مغارة لاسكو، وترقي إلي نحو خمسة عشر ألف عام، وحتي اليوم. ولأنّ الأزمة لا تنحصر في الثقافة فحسب، بل تندرج في سياق عام، وفي سيرورة سياسية واجتماعية واقتصادية، ولأنه من الصعب فصل الثقافة عن هذه السيرورة، بات البحث ملحّاً عن سياسة تدرس الظواهر الجديدة التي تطرأ، وفي سرعة فائقة، علي المجتمعات الصناعية، وتترك آثارها علي الكون كلّه.

هذه بعض الأسئلة الثقافية اليوم، فأين نحن منها والمسائل الثقافية الأساسية غير محسومة عندنا وفي مقدّمتها حرية الكاتب في قول ما يريد من دون أن يخشي الموت، كأن كاتبنا لا يكفيه أنه يكتب في مجتمعات يتجاوز عدد سكّانها الثلاثمئة مليون شخص والحاجة إلي القراءة فيها شبه معدومة؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية