بنيامين نتنياهو، ترافقه حاشية كبيرة، طار الثلاثاء إلى عمان كضيف عند الملك عبد الله الثاني. كان شائقاً رؤية كيف كل طرف (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي من جهة والقصر الملكي الأردني من جهة أخرى) يبلغان الكلمات وما الذي يفضل روايته أو إخفاءه.
عمان متوترة من تركيبة الحكومة في إسرائيل، تتابع عن كثب ما يجري في السياسة الإسرائيلية، وتخشى من أن تدوسهم هم أيضاً مسيرة التطرف التي تمر بها، لأنها ستتسبب باشتعال واسع في الحرم أم ستتدحرج إلى تدمير السلطة الفلسطينية.
كان يود الملك أن يستقبل نتنياهو بأذرع مفتوحة، لكن الأجواء لا تسمح بذلك. ليس فقط في الشارع بل وأيضاً بين القصر نفسه وحكومات إسرائيل في السنوات الأخيرة. شيء هنا ليس شخصياً. مع أنه لم يستطب على نحو خاص سلفيه. فقد حجا إليه، الواحد تلو الآخر، لتلتقط لهم الصور على نحو جميل، لكنهما لم يوفرا هدوءاً لا في الحرم ولا في “المناطق” [الضفة الغربية].
لو كان الأمر منوطاً بالأردنيين لأبقوا اللقاء سرياً، لكنهم افترضوا أن أمر وجوده سيتسرب إلى نحو شبه مؤكد من إسرائيل، وعليه لم يكن أمامهم مفر من نشر بيان بروح مستهلكيهم. التقى الطرفان ساعتين ونصف ساعة، وبعد ان انتهى، توجه كل لجمهوره كي يفيد بشيء ما. بيان القصر الهاشمي لم يعن إلا بالموضوع الفلسطيني. أما بيان مكتب نتنياهو فلم يذكر الفلسطينيين حتى ولو بالتلميح. دعا الملك إلى وقف العنف في المناطق الفلسطينية. أما نتنياهو فروى أنه تحدث مع مضيفيه عن مسائل إقليمية. ذكر الملك أن بلاده تؤيد حل الدولتين بما في ذلك عودة إسرائيلية إلى خطوط 1967، أما نتنياهو فأثنى على الصداقة طويلة السنين بين الدولتين.
أفاد مستشارو نتنياهو الصحافيين بأن اللقاء دار في أجواء طيبة. قد نضيف ونقول بأنه حرر بعض التوترات التي كانت بينهما منذ استعاد الملك جيبي تسوفر ونهرايم [الباقورة والغمر]، ولكن، فإن الأجواء الطيبة داخل الغرفة هي بنت ساعتها في العلاقات الدبلوماسية.
غابت صور حديثة للقاء الرسمي الذي نشرته وزارة الأنباء الأردنية في البيان. وبذلك، سعى المضيفون للتلميح بأنهم لا يرون في اللقاء حفلة شاي، بل حديث عمل متكدر الوجه. أسبوع فقط مر منذ أوقف سفيرهم على أيدي شرطي في الحرم. زمن قصير جداً من أن يعطى الإسرائيليون جائزة إعلامية. فضلاً عن هذا، فإنهم ينتظرون رؤية كيف ستمر الأشهر القريبة القادمة وفي مركزها رمضان. وإذا مرت بسلام، قد نحصل على صور، وربما عناق ما.
مواجهات في الأقصى
منذ سنين وإسرائيل تقول لجيرانها العرب حين يأتون إليها صاخبين إنه ليس هناك ما يقلق، فهي ستحافظ على الوضع الراهن في الحرم. رغم هذا، يبقون بعدم ارتياح. لماذا لا يجدون الراحة؟
الجواب مشوق وأكثر ممن ذلك أنه يرتبط بقلب الصراع على المكان المقدس. “الستاتوس كو” هو تعبير باللاتينية معناه “الوضع الرهن”: في هذه الحالة “الستاتوس كو” يقرر بأن المسلمين وباقي الطوائف يتقاسمون فيما بينهم أجنحة الحرم. المجال الأعلى في الأقصى أعلن كمكان مقدس للمسلمين فقط. خصصت ساحة المبكى لعبادة اليهود. مثلما لا يصلي المسلمون في ساحة المبكى، هكذا يمتنع اليهود عن العبادة في المجال من فوقه. كل يهودي أو مسيحي أو آخر يحق له الحجيج إلى الحرم شريطة ألا يمارسوا الصلاة أو العبادة الدينية. إذا ما خرقوا هذه القاعدة يجب وقف هذا أو طردهم. المسؤول عن حفظ الانضباط هو من يحوز الحرم، أي اليهود.
رغم هذه التفاهمات، درج اليهود طوال سنين على الحج للحرم كي يصلوا فيه. في الإعلان بأن “الستاتوس كو” سيحفظ، تقول حكومات إسرائيل إن التقسيم بين المسلمين والآخرين لن يتضرر، وكذا لن تتضرر الحيازة الروحية للمسلمين في الحرم. لكن العرب قلقون من ضم زاحف. في الماضي، حج بضع مئات في السنة إلى الحرم، بعد ذلك آلاف. اليوم يحج إليه عشرات آلاف المصلين اليهود في السنة. بل إن بعضهم يقيم فيه دروس توراة وصلاة جماعية. من يدري، ربما سيرغبون في المستقبل القريب حتى بتقسيمه والبناء عليه لكنيس معد على عجل. القلق المتزايد يحرك الاحتجاج الإسلامي سنوات طويلة. وفي ظلها ولد الشعار “الأقصى في خطر”.
صحيح أن إسرائيل تعبت من “الستاتوس كو” سيحفظ، لكنها لا تصد الآلاف من إقامة عبادة يهودية في الحرم. لماذا لا تمنعوا حجيج المصلين كلهم عن الحرم؟ هكذا صعب العرب الأمور المرة تلو الأخرى. الوضع الراهن سيحفظ، أجابهم الإسرائيليون. مثلما في الموضوع النووي، ففي الأقصى أيضاً تحافظ إسرائيل على الغموض. في الحالتين اللباب في أيادٍ طيبة لكن ثمة عاصفة تحوم في المحيط.
مفاوضات هادئة
قضت محكمة في عمان بتعويضات كبيرة لمواطن أردني أصيب بنار حارس إسرائيلي وبقي معوقاً. كان هذا هو الفصل الأخير في تلك الحادثة الشهيرة من تموز 2017. أحد المبعوثين الإسرائيليين دخل إلى شقة جديدة وتوجه لتأثيثها. وصل ناقلو الأثاث في ساعة طيبة، لكن أحدهم، فتى ابن 17، أمسك بمفك وسعى لمهاجمة الحارس. فخاف على حياته وفتح النار، فقتل الفتى وكذا رب البيت الذي كان فيه في تلك الدقائق. سائق سيارة النقل ماهر فارس محمد أصيب. احتجز الأردنيون الحارس وسرحوه بعد جهود وساطة هادئة.
بعد خمس سنوات ونصف من ذلك، قبلت المحكمة دعواه وقضت بأن تدفع له إسرائيل تعويضاً عن الإصابة بقدرته على العمل وضياع مصدر رزقه. المبلغ الذي تقرر هو 357 ألف دينار، أكثر بقليل من 1.7 مليون شيكل.
قرار المحكمة لا يلزم تلقائياً دولة أجنبية. يمكن لإسرائيل أن ترفض الدفع، لكنها ستقيم عليها احتجاجاً صاخباً، بإسناد سياسي واسع، ستثيره القضية من جديد. الحكم الأردني أيضاً معني بترك القضية بعيداً عن الأضواء. وليس صدفة أنه نشر بياناً بتواضع شديد. في حينه، أثارت القضية نقداً شديداً على القصر.
ستجتهد العاصمتان لإسكات القصة، وفي هذه الأثناء ستتفاوضان مع السائق المصاب. ستعمل إسرائيل على دفع مبلغ محترم له، والأردنيون سيمنحون ذلك التسويغ. وبذلك، يأمل الجميع بحل القضية. مليون شيكل من صندوقنا، بل اثنان، هما نفقات متواضعة. ليس مبلغاً يستحق بسببه تسخين الأجواء غير الهادئة على أي حال.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 27/1/2023