كل من يدعي بأنه يفهم شيئاً ما في الاستراتيجية السياسية والعسكرية، عليه النظر لتدهور خطير لعلاقات إسرائيل – الولايات المتحدة. دولتان على مسار سريع للصدام قد تكون نتائجه محملة بالمصيبة لإسرائيل.
لا تنقص الشهادات على الوضع الصعب الذي علقت فيه العلاقات، كان آخرها ما قدمته نائبة الرئيس كامالا هاريس أول أمس، حين قالت إننا “نحتاج إلى وقف نار فوري” في غزة. تحدثت هاريس ظاهراً باسم ذاتها، لكن مشكوك أن تفعل ذلك دون تنسيق مع الرئيس. من هنا، يجب أن نرى في أقوالها بطاقة صفراء واضحة لإسرائيل، قد تعقبها حمراء في شكل طلب رئاسي لوقف القتال في غزة.
تتهم قيادة إسرائيل إدارة بايدن أنها لم تصمد أمام ضغوط اليسار في الحزب الديمقراطي وأنها قلصت التأييد للمعركة في غزة. هذه صورة جزئية للأمور: طوال أشهر، أعطى بايدن لإسرائيل ظهراً سياسياً وعسكرياً لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بين الدولتين. لولا تأييده، لتوقفت إسرائيل منذ زمن عن القتال في غزة بسبب نقص السلاح، وبالتوازي اضطرت للتصدي إلى قرارات (وربما حتى عقوبات) مجلس الأمن في الأمم المتحدة ضدها.
مقابل هذه المظلة الواسعة، طالب الأمريكيون إسرائيل بزيادة المساعدات الإنسانية لغزة، وتبحث معهم في “اليوم التالي” للحرب. وإسرائيل رفضت، خوفاً على مستقبل الحكومة في ضوء خوف من انسحاب المتطرفين اليمينيين. بايدن غضب، وادعى بأنه في الوقت الذي ينزف سياسياً في الولايات المتحدة من أجل إسرائيل، يرفض نتنياهو أن ينزف سياسياً لأجل بلاده هو. مسؤولون كبار في واشنطن حذروا من أن إسرائيل تجعل نفسها دولة منبوذة بالتدريج في التركيبة الحالية للحكومة وفي ضوء سياستها.
من الصعب التقليل من خطورة تداعيات التردي في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. سياسياً، هذه التداعيات تجد تعبيرها في الخطر على فيتو تلقائي بمجلس الأمن، وثمة علاقات مع دول أخرى وحتى مع دول عربية رأت في إسرائيل بطاقة دخول إلى واشنطن. أمنياً – عسكرياً، قد تثقل على مسيرات المشتريات والمساعدات، ولاحقاً على أوجه تعاون مختلفة. قانونياً، قد تورط إسرائيل في محافل دولية على خلفية مرسوم رئاسي جديد يشرك كل مساعدة أمريكية بطاعة القانون الدولي (كما تفسره الولايات المتحدة).
ما دامت إسرائيل تعمل مع الأمريكيين يداً بيد، فستظل آمنة بكل هذه الجبهات. اختيار نتنياهو لشركائه من اليمين بثمن التخلي عن السند الاستراتيجي بواشنطن ربما يغير سلباً الواقع كما عرفناه في العقود الخمسة الأخيرة، ودون أن يكون لإسرائيل بديل سياسي أو أمني أو قانوني أو اقتصادي.
ربما سمع غانتس أمس أقوالاً بهذه الروح في لقاءاته في واشنطن (ضمن آخرين مع هاريس وبلينكن)، وربما حاول تبريد الخواطر وخلق مجال عمل آخر لإسرائيل قبيل عملية في رفح وإمكانية توسيع المعركة في لبنان.
بهذا الاعتبار، فإن رحلته نعمة لإسرائيل. من لم يفهم هذا يعاني من عمى استراتيجي خطير. أولاً وقبل الجميع، وزير المالية سموتريتش الذي وصف غانتس “بالحلقة الضعيفة” وادعى بأن واشنطن تحاول دق إسفين في الحكومة، سموتريتش نفسه، شخصية غير مرغوب فيها لدى الإدارة، وشريك مخلص لبن غفير في قيادة المسيرة الخطيرة التي تتحول فيها إسرائيل بسرعة من نور للأغيار إلى ظلام لنفسها.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 5/3/2024