“إذا كنتم تريدون معرفة مستقبل دولة عربية ما، انظروا إلى حالة العملة المحلية إزاء الدولار، إذا كانت تتدهور فستعرفون بأن أحداً، غير المجانين، ليس قادراً على الاستثمار فيها. هذا هو المؤشر الحقيقي، وكل ما تبقى تفاصيل”.
هكذا، في موجة من السخرية، وصف المذيع فيصل القاسم الحالة البشعة للقاهرة. في شباط من العام الماضي نشبت الحرب في أوكرانيا، وهوى سعر الجنيه المصري إلى الدرك بسرعة شديدة. أسعار القمح في الأسواق الدولية ارتفعت، والحكم في القاهرة اضطر لتخصيص أموال طائلة لتمويل الخبز المدعوم حكومياً. والمعنى: عجز كبير في الميزانية، وغلاء البضائع غير المدعومة، وضعف الاقتصاد المصري. في نيسان، تلقت مصر ضربة أخرى. فالنزاع الذي نشب في السودان أحدث موجة من 42 ألف لاجئ إلى الحدود المصرية، وأصبح عبئاً على اقتصاد الدولة. في القاهرة التي بات سعر الخبز فيها مسألة حياة وموت للحكم، فإن ارتفاعه يبشر بالاحتجاج الذي يقف على الأبواب. في تشرين الثاني، تبلورت مبادرة للخروج إلى الشوارع سارعت أجهزة الأمن إلى قمعها في سلسلة اعتقالات.
حين يمر الرعد على كرسي السيسي، يقرر رحلات إلى الرياض وأبو ظبي، غير أنه يلتقي نظرة باردة من بن سلمان وبن زايد. الأمير السعودي والحاكم الإماراتي أوضحا للرئيس المصري بأن انتهى موسم الأعراس.
الخليج غير النغمة، فحكامه لم يعودوا رؤساء القبائل إياهم الذين يحررون الشيكات المفتوحة. من الآن فصاعداً هم في صيغة شرق أوسطية، لا يوزعون الأسماك بل يستثمرون في الصنانير. وعليه، فقد توجه السيسي لإدارة سياسة مخاطر أكثر تحرراً. على جدول الأعمال: التقرب من تركيا وإيران. بين القاهرة وطهران تدفق الكثير من الدم الفاسد منذ الثورة الإسلامية. مصر ساعدت صدام حسين، وفي السنوات الأخيرة تجندت للحرب في اليمن، حيث تحوز طهران أسهماً لدى المتمردين الحوثيين. إلى جانب لقاءات لوفود من الجانبين في بغداد، أعرب مسؤولون إيرانيون مؤخراً عن أملهم في إعادة فتح السفارتين، مما يساعد على تحسين العلاقات الاقتصادية بين الدولتين.
لطهران ما تبحث عنه في بلاد النيل، ولا يقتصر ذلك على الحنين الشيعي لسلالة الفاطميين. هذا التقرب ينبغي أن يقلق إسرائيل. القاهرة هي الوسيط غير المتنازع عليه بين إسرائيل ومنظمات الإرهاب في غزة. طهران من جهتها هي سيدة “الجهاد الإسلامي”. كون القاهرة مسؤولة عن بوابة رفح إلى العالم، فإن تحسين العلاقات يسمح لها بالدخول إلى القطاع من الباب الأمامي وليس من تحت الأرض.
شاحر كلايمن
إسرائيل اليوم 17/5/2023