جولة اللقاءات التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، ربما تنتهي هذا الأسبوع بحدث تحت عنوان “قمة القاهرة” المخطط لعقدها اليوم أو غداً. في هذه الأثناء، تبدو القمة مثل رزمة مفاجآت. حتى الآن، لا يقين بأنها ستعقد، وإذا عقدت فهل سيصل إليها وفد حماس، وماذا ستكون تشكيلة وفد إسرائيل؟ على خلفية التناقضات في أقوال رئيس الحكومة حول محور فيلادلفيا وممر نتساريم، مشكوك فيه أنه بقي للطرفين ما يتحدثون حوله، إلا إذا تم تحقيق انعطافة في اليومين القادمين.
مصر تواصل جهودها بلا كلل لضمان عقد هذه القمة. وحسب تقارير في وسائل الإعلام العربية، ربما تضع خطة ترضي إسرائيل. وإشارة ذلك نجدها في تقرير صحيفة “الأخبار” اللبنانية المقربة من حزب الله. هذه الصحيفة اقتبست مصادر في مصر، قالت إن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، همس لبلينكن بانتقاد حول تصريحات نتنياهو، الذي قال إنه “حتى لو كان نتنياهو ينوي التوصل إلى تفاهمات مؤقتة مع مصر، لما كان عليه فعل ذلك علناً وبهذه الصورة”. يبدو أن عبد العاطي قصد التقارير التي لم تنفها القاهرة حول عدم تصميم مصر على جدول زمني متشدد لانسحاب الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفيا، وربما أيضاً الموافقة على وجود “مؤقت” ومقلص لقوات الجيش الإسرائيلي.
مصر أقل مرونة بخصوص معبر رفح؛ فهي مصممة على أن تكون السلطة الفلسطينية هي الجسم الذي سيدير المعبر في الطرف الغزي تحت رقابة ممثلي الاتحاد الأوروبي، كما نص على ذلك اتفاق المعابر من العام 2005. ولكن إسرائيل ترفض هذا العرض حتى الآن، بما في ذلك فكرة مصر القائلة بأن قوات دولية، بالأساس أمريكية، هي التي ستتحمل الرقابة في محور فيلادلفيا. في حين أن في الجانب المصري على الحدود، تقوم مصر بتعزيز قوات الدورية وتطور آليات الكشف والإنذار على طول الجدار بين غزة وشبه جزيرة سيناء لمنع انتقال الأشخاص والسلاح بين جانبي الحدود. وهي أيضاً تحاول العثور على حل لإدارة فلسطينية في معبر رفح، وأمس نشر موقع “القدس العربي”، بأن وزير الخارجية المصري التقى الأربعاء مع الأمين العام للجنة المركزية في حركة فتح، جبريل الرجوب، على هامش مؤتمر حركة الكشافة المنعقد في القاهرة. حسب التقرير، تم في هذا اللقاء فحص احتمالية تنظيم لقاء بين ممثلي فتح وممثلي حماس في الفترة القريبة للتوصل إلى تفاهمات حول مسألة إدارة المعبر.
في موازاة ذلك، أبلغ رئيس الحكومة الفلسطينية محمد مصطفى، الثلاثاء، عن إعدادات لزيارة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى غزة، التي أعلن عنها في زيارته لتركيا الخميس الماضي. وتحدث مصطفى عن “خطة المراحل” التي سيتم فيها دمج الأجهزة الحكومية في الضفة والقطاع للقيام بدورها في إدارة المنظومة المدنية، وترميم شبكات المياه والكهرباء، والتعليم والصحة، وترتيبات لتوفير المساعدات الإنسانية وإزالة الأنقاض، وإقامة مبان مؤقتة للسكن والإعداد لإعادة إعمار القطاع. ولكنها خطة عمل نظرية في هذه الأثناء؛ لأن إسرائيل أوضحت بأنها لن تسمح لعباس بالوصول إلى غزة. في المقابل، حتى الآن لم يُسمع موقف أمريكي واضح بشأن زيارة عباس وترتيبات إدارة معبر رفح والتواجد العسكري في محور فيلادلفيا. هذا هدوء يثير الريبة، بالذات من ناحية واشنطن، التي طرحت للمرة الأولى في تشرين الثاني إمكانية تولي السلطة الفلسطينية المسؤولية عن إدارة القطاع بعد تنفيذ الإصلاحات. في كل الأحوال، لم يعد بإمكان الولايات المتحدة الادعاء بأنه لا يوجد “طرف فلسطيني” مشروع، باستثناء حماس، يمكنه ويريد إدارة القطاع.
مصر، التي تطرح سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفيا ومعبر رفح كـ “موضوع يتعلق بالأمن القومي المصري” وخرق لاتفاقات كامب ديفيد واتفاق المعابر من العام 2005 واتفاق انتشار القوات المصرية على طول الحدود من العام 2014، تعتبر نفسها الآن “مسؤولة” عن إجراء المفاوضات حول الترتيبات في محور فيلادلفيا وكأن الأمر يتعلق بنزاع سياسي وعسكري بين إسرائيل ومصر، مفصول عن صفقة التبادل والمطالبة بوقف شامل لإطلاق النار، وبعد ذلك انسحاب إسرائيل بشكل كامل من القطاع. النزاع قائم وبحق، وقد تسبب بإهانة غير مسبوقة للعلاقات بين الدولتين إلى درجة مواجهة سياسية مكشوفة. ولكن إذا تم التوصل إلى اتفاق مع مصر، فلن يزيح الحاجة إلى إيجاد حل لإدارة قطاع غزة.
السؤال الذي سيكون مطروحاً في حالة أي اتفاق مع مصر هو: هل ستوافق حماس على الاتفاق وتسير قدماً في تنفيذ الصفقة؟ يبدو أن الرافعة القوية والوحيدة التي في يد السنوار هي تحكمه بمصير المخطوفين فقط. ولكن هذا الأمر ينطوي على خلل بنيوي أساسي؛ فهو يعتمد على استعداد نتنياهو لإطلاق سراح المخطوفين. المحللون العرب، ومن بينهم الذين انفعلوا في الأشهر الأولى للحرب من جرأة السنوار وحماس بشكل عام، ووصفوا “الإنجاز التاريخي” بلون وردي، بدأوا في إعادة النظر بشأن الأهمية الحقيقية لهذا “الذخر”، المرهون في يد السنوار. أحد المحللين وهو كاتب المقالات الفلسطيني – السوري محمد كيال، الذي يكتب في عدة وسائل إعلام عربية، نشر في هذا الأسبوع مقالاً لاذعاً شرح فيه إخفاقات الحرب واعتبارات السنوار. وقد ذكر بأن “الانتفاضة الثانية كانت المواجهة الأكبر والأكثر قسوة بين إسرائيل والفلسطينيين قبل الهجوم في 7 تشرين الأول. ففي هذه الانتفاضة قتل حوالي 5 آلاف فلسطيني مقابل حوالي 1060 إسرائيلياً بدون تحقيق أي شيء. في المقابل، قتل منذ 7 تشرين الأول حوالي 50 ألف فلسطيني (من بينهم 10 آلاف مفقود)، عشرة أضعاف عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في سنوات الانتفاضة الأربع. وعدد الإسرائيليين الذين قتلوا هو 1800 جندي ومدني إسرائيلي، النسبة إسرائيلي واحد لكل 30 فلسطينياً”.
وبين كيال أيضاً أن استراتيجية السنوار واستراتيجية حماس بشكل عام، فشلت. وذلك بسبب عدد القتلى الكبير، ولأن السنوار لم ينجح في تجنيد تضامن الدول العربية، وبالأساس لأنه ظهر كمن عقد تحالفاً مع إيران، وأيضاً لم يتمكن من إحداث عصيان مدني في إسرائيل ضد الحكومة. و”المظاهرات لإطلاق سراح المخطوفين آخذة في الخفوت… من الغريب كيف أن دوائر “المقاومة” التي تبالغ في رهانها على الأزمة الداخلية في إسرائيل لا ترى، أو لا تريد رؤية، الواقع الفلسطيني المتدهور بدون حدود، وليس لديها أي فهم للحقائق الدولية والإقليمية التي تميل لصالح إسرائيل”. ولم يكتف كيال بذلك، وطرح سؤالاً على السنوار: “حتى لو أردت إبعاد الجيش الإسرائيلي من كل شبر في قطاع غزة، في أي واقع ستجد حماس نفسها؟ هي ستجد نفسها في داخل حصار أصعب من السابق، مع 70 في المئة من القطاع مدمر، ومليوني فلسطيني بدون موارد وأماكن عمل ومأوى وغذاء”. لم يكن كيال المحلل العربي الوحيد الذي أشار إلى أن السنوار عمل بدون “استراتيجية خروج” من الحرب، ولا توجد لديه استراتيجية كهذه حتى الآن.
السؤال الذي لا إجابة عليه هو: ما هي رؤية السنوار للواقع، وكيف ينوي إدارة المنظمة والحركة التي عينته لرئاستها، هذا إذا خرج على قيد الحياة من الحرب، وإذا انتهت صفقة المخطوفين بنجاح مع انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي.
لكن لا يجب على السنوار وحده الإجابة على هذا السؤال. فنتنياهو هو أيضاً بلا استراتيجية خروج، ولا يمكنه معرفة كيف سيكون وضعه ووضع الدولة عند انتهاء الحرب. يبدو أن السنوار ونتنياهو يتصرفان في هذه الأثناء وكأنهما يثقان بقدرتهما على السيطرة على الواقع، وكأن لكل منهما سلة خيارات لانهائية. مع هذا التبجح، مشكوك فيه وجود فائدة لقمة القاهرة. وثمة شك أكبر من ذلك، يتمثل في: هل سيكون بالإمكان إعطاء الأمل للمخطوفين؟
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 22/8/2024