قبل شهرين صعد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى طائرة هبطت به في طهران. لم تكن الزيارة عادية. فعلى مدى ما لا يقل عن عشرين سنة، لم يصل مسؤول أردني إلى إيران. الصفدي، المقرب ورجل سر الملك عبد الله الثاني والوزير الأقدم في الحكومة، لا يحب إسرائيل؛ فهو لم يفوت فرصة للتهجم على إسرائيل ونتنياهو. أرسل هذه المرة ليلتقي نظيره الإيراني عباس عراقجي، ليبلغ بكلمات وبشكل حاد وجلي بأن “الأردن لن يحتمل عملاً عسكرياً إيرانياً في مجالات المملكة”.
كان في خلفية اللقاء هجوم الطائرات الإيرانية في نيسان، وحيث النية الوصول إلى إسرائيل والتسبب بموت مئات المواطنين. غير أن طائرات أمريكية وسعودية وبريطانية وأردنية أفشلت المؤامرة، واضطر الإيرانيون للفرار، وفشل الهجوم. لكن إيران لا تعتزم التنازل. طاقم تحقيق أردني تشكل فوراً بعد العملية الإجرامية في جسر اللنبي التي قتل فيها ثلاثة إسرائيليين على أيدي سائق شاحنة إرهابي أردني؛ لفحص مؤشرات على دور إيراني. السائق، ابن عشيرة بدوية كبيرة في منطقة معان، مشبوه الآن بأنه تلقى وعداً بأموال كثيرة من “فيلق القدس” الإيراني.
الأردن هدف يفضله الإيرانيون بسبب موقعه وحدوده الطويلة (308 كيلومترات) مع إسرائيل. إذا ما نجحت إيران في إخضاع الأردن والسيطرة عليه، فستغلق دائرة الرعب من حول إسرائيل – العراق، سوريا، الحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان.
سيطرح الموضوع هذه الأيام في المحادثات الأمنية بين الأردن وإسرائيل. وعملية جسر اللنبي التي نفذها بدوي من عشيرة الحويطات القديمة في الأردن، تهز القصر الملكي وقيادة أجهزة الأمن والمخابرات.
توقع إسرائيليون أن يعبر الملك عبد الله عن مواساته لعائلات القتلى أو يشجب القتل علناً. حتى اليوم لا ننسى زيارة المواساة التي أجراها والده، الملك حسين، لأهالي سبع تلميذات قتلن في “نهرايم” [الباقورة]. إن وضع الملك عبد الله الذي غلفه الصمت، يختلف تماماً عن وضع أبيه في حينه. الملك اليوم عالق بين مظاهرات الشارع الجماهيرية ضد إسرائيل وأعضاء البرلمان الذين أيدوا القاتل بل ووزعوا الحلوى، وبين قوات الأمن الأردنية التي تعمل بتعاون مع إسرائيل. إضافة إلى أن الأردن غارق في أزمة اقتصادية عميقة، تتعزز البصمة الإيرانية في أراضيه. لا غرو أن نتنياهو وفر كلمات قاسية عن الأسرة المالكة، وامتنع عن ذكر إخفاق طاقم الفحص في محطات العبور الأردنية. فقد اختار نتنياهو التشديد، وليس لأول مرة، وليس صدفة، على الخطر الإيراني.
تعمل إسرائيل سراً ولكن بنشاط. و”عصبة الأردن” – اللواء احتياط عاموس جلعاد، رئيس الموساد الأسبق افرايم هليفي، العميد احتياط باروخ شبيغل، الوزير السابق أفرايم سنيه ومسؤولون سابقون آخرون غيرهم، يحذرون ويشددون على أهمية علاقات الأردن وإسرائيل. كما أن نفتالي بينيت ويئير لبيد وقفا على أهمية العلاقات، وكرسا اهتماماً خاصاً للموضوع الأردني، وهكذا فعل غانتس وآيزنكوت. وجاء بعدهم رئيس الوزراء نتنياهو، ومنذ بداية طريقه تقريباً بدأت تنشأ صدوع في منظومة العلاقات المركبة. أفشى الملك عبد الله في إحدى المناسبات كل ما في قلبه لصحيفة بريطانية، حين أعلن بأن “أصعب الأيام هي التي تمر عليه مع نتنياهو”.
لن نحمل الذنب في كل شيء؛ فالقيادة الأردنية هي أيضاً تدير علاقات مركبة مع إسرائيل. وزير الخارجية الصفدي لا يفوت فرصة لانتقادنا، وكذا رانيا ملكة الأردن التي لا تبدي تعاطفها إلا مع الجانب الفلسطيني فقط وتتجاهل مذبحة 7 أكتوبر. فهي لم تسمع، كما شهدت في مقابلة مع السي.ان.ان، عن الفظائع التي ارتكبتها حماس في كيبوتسات الغلاف. مذهل أن نكتشف مدى أثر اليأس الاقتصادي في المملكة على المزاج السياسي. فما لا يقل عن 21 في المئة من أصل 11.3 مليوناً من مواطني المملكة عاطلون عن العمل. السياحة التي تعيل عشرات آلاف العائلات توقفت، كما توقف التصدير المدر للمداخيل. أما رواتب المعلمين في المدارس الابتدائية والثانوية فقد انخفضت جداً، وخرجوا للتظاهر الآن.
في هذه الأثناء، احتل اللاجئون القادمون من العراق والفارون من سوريا، أحياء كاملة في العاصمة عمان. هنا مستعدون للعمل بثلث المبلغ.
ستجرى اليوم الانتخابات البرلمانية في الأردن. ظاهراً، مؤسسة غير مهمة تنتج الكثير من الدراما اللفظية. لكنها المرة الأولى التي يصوت فيها الأردنيون للأحزاب في تاريخ الانتخابات.
أحد أصدقائي القدامى في المملكة، الذي لم يسارع إلى قطع العلاقات مع “الإسرائيلية”، يعود ويحذر من أن “الأسوأ لا يزال أمامنا”. فهل يقصد محاولة عملية أخرى، لتخطيط ومبادرة إيران؟ هل يحذر من محاولات لإسقاط حكم الملك عبد الله؟ أم أنه يلمح بنوايا لإلغاء أو تجميد اتفاقات السلام؟
“عصبة الأردن” الإسرائيلية واعية للمخاوف، منصتة للأقوال القاسية التي تسمع في الجانب الآخر. توصيتهم الآن هي توسيع مظاهر التعاون الاقتصادي، والاستثمار في مستقبل العلاقات، وحماية التعاون مع قوات الأمن والجيش. والأساس: عدم التوقف عن التفكير في أي كابوس رهيب سيكون إذا ما قرر الأردن -أو جُرّ- للانتقال إلى المعسكر الثاني.
سمدار بيري
يديعوت أحرونوت 10/9/2024