قدر رئيس الحكومة نفتالي بينيت، بأنه يستطيع الغمز بعينه لليمين، وحث بناء رمزي في المستوطنات. فقد بادر إلى خطة مقلصة نسبياً للمصادقة على آلاف الوحدات السكنية، وغلف هذه العملية ببادرة حسن نية للفلسطينيين، تضمنت إعطاءهم 1300 رخصة بناء للمرة الأولى منذ عقد. وقد أمل أن تقوم أحزاب اليسار في الحكومة بدور الدرع وتشجع المجتمع الدولي على استيعاب هذه الخطوة. وقد أعطي لها وللأمريكيين إشارات بأن الأمر يتعلق بضريبة استهدفت تعزيز جناح اليمين في الائتلاف وليس بإعطاء زخم جديد لمشروع الاستيطان.
وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تحدث مع وزير الدفاع بني غانتس وحذر من الرد الأمريكي إذا ما تمت المصادقة على هذه الخطة.
الإدارة الأمريكية لم تتأثر، وسارعت إلى توجيه انتقاد شديد. فوزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تحدث مع وزير الدفاع بني غانتس وحذر من الرد الأمريكي إذا ما تمت المصادقة على هذه الخطة. وقد أرسل أيضاً المتحدث باسمه، نيد برايس، كي يعبر علناً عن معارضة الولايات المتحدة لهذه الخطوة. والمستشار الأمريكي للأمن القومي، جايك ساليبان، الذي يحظى بتقدير كبير في إسرائيل نقل مؤخراً رسائل شديدة لمكتب بينيت. وشمل الاحتجاج الأمريكي، ضمن أمور أخرى، نية البناء في المستوطنات الموجودة في عمق المناطق الفلسطينية.
يدير الأمريكيون المواجهة بنغمة عالية، لكنهم في القدس توقعوا مخاطرة محسوبة ويأملون أن تكون المواجهة الدراماتيكية الأولى بين بايدن وبينيت محدودة وتحت السيطرة، إذ لا أحد توقع مرور هذه الخطوة بصمت في أوساط كبار شخصيات الحزب الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، وبصورة غير مخطط لها، جرى نقاش علني آخر بين الدولتين حول تصنيف إسرائيل لست منظمات فلسطينية تعمل في مجال حقوق الإنسان أنها منظمات إرهابية، وهو أمر صب الزيت على النار.
من ناحية جوهرية، يدور الحديث عن احتكاك زائد يعكر العلاقة بين الدولتين. ولكن من ناحية بينيت، ثمة فائدة من انتقاد الولايات المتحدة، وهو انتقاد يخدمه بدرجة كبيرة ويوفر له مكاسب سياسية؛ فمن جهة، تزيد التصريحات الشديدة ضد البناء صورة الخطوة الصغيرة نسبياً التي اتخذها. ومن جهة أخرى، يدرك مكتب رئيس الحكومة أن من الصعب عليه الدفع قدماً بخطط مشابهة في المستقبل، بسبب الخوف على سلامة الائتلاف. والآن، يمكنهم إلقاء التهمة بذلك على الرئيس الأمريكي والمجتمع الدولي.
في آب الماضي، عشية لقاء بينه وبين الرئيس الأمريكي جو بايدن، أجرى بينيت مقابلة مطولة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، قال فيها إن “هذه الحكومة لن تضم (مناطق) ولن تقيم دولة فلسطينية. الجميع يعرفون ذلك”، شرح رئيس الحكومة الخطوط العريضة الواضح لائتلاف اليمين – يسار الذي شكله. تحول هذا التصريح إلى بطاقة زيارة للالتقاء مع زعماء العالم، وأيضاً إلى شبكة أمان أمام المجتمع الدولي، وعلى الرغم من تعهد بايدن بإعادة فتح القنصلية الأمريكيين للفلسطينيين في القدس إلا أنه تقرر تأجيل هذه المبادرة بضغط إسرائيلي. وحذر وزير الخارجية يئير لبيد، الأمريكيين أثناء زيارته لواشنطن من أن يؤدي تنفيذ هذه الخطوة قبل المصادقة على الميزانية إلى انسحاب أحزاب اليمين من الائتلاف وجر إسرائيل إلى حملة انتخابية أخرى.
لم يخفِ بينيت يوماً ما نيته البناء بصورة محدودة في المستوطنات. “سنواصل سياسة النمو الطبيعي”، أوضح في المقابلة مع “نيويورك تايمز”، التي سبقت زيارة ناجحة للبيت الأبيض. رسالة مشابهة أسمعها أيضاً كبار مكتبه في محادثات مع نظرائهم الأمريكيين، وأشاروا إلى أن أحزاب “راعم” و”ميرتس” و”العمل” سيحبطون أي خطوة مهمة لخرق الوضع الراهن.
تبدو المصادقة على الخطة، الأربعاء، باهتة مقابل خطط بناء دفع بها قدماً نتنياهو في ظل حكومة ترامب. أمس، صادقت الإدارة المدنية على بناء 3144 وحدة سكنية، وحصلت 1344 منها على المصادقة النهائية. ونشرت حركة “السلام الآن” قبل سنة بالضبط، بأن سنة 2020 كانت سنة الذروة في الدفع قدماً بخطط البناء في المستوطنات. فمنذ بداية السنة وعلى مدى عشرة أشهر، وصل عدد الوحدات السكنية المصادقة للبناء إلى 12159 وحدة. و91.2 في المئة منها كانت في مستوطنات منعزلة، مثل تلك التي ستضطر إسرائيل إلى إخلائها كجزء من اتفاق مستقبلي دائم. قدرت حركة “السلام الآن” في حينه، بأن الأمر يتعلق برقم قياسي خلال عقدين على الأقل.
مع ذلك، العقبات الكأداء في الساحة الدولية، التي سيصطدم بها بينيت، ستفيد المعارضة الآن. وسارع عضو الكنيست ميكي زوهر (الليكود) إلى التحذير من تداعيات المواجهة مع الأمريكيين حول مشروع الاستيطان. “إعلان إدارة بايدن ضد البناء في يهودا والسامرة يجب أن يقلقنا جميعاً، خصوصاً في وقت تستند فيه حكومة إسرائيل إلى أصوات اليسار والحركة الإسلامية”، كتب على صفحته في “تويتر”.
بقلم: يونتان ليس
هآرتس 28/10/2021