الموت يبسط جناحيه علي غزة. ومهما يكن مأساويا فانه لم يتم في فراغ. إن من عنونوا الحادثة تحت عنوان مجزرة ونددوا باسرائيل من اجل ذلك، يتجاهلون عددا من الحقائق التي لا تُريحهم. احدي تلك الحقائق هي أنه عندما تقصف اسرائيل أهدافا في غزة، فانها توجه القصف الي مصادر اطلاق صواريخ القسام، التي تطلقها حماس علي اسرائيل في كل يوم. وحماس ليست كاسرائيل بحيث أنها لا تعتذر عندما تتسبب بموت مواطنين ولا تقيم تحقيقا لتفحص عما تشوش.
الضحايا الأولون لاطلاق صواريخ القسام، في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) 1984، اشتملوا علي طفل اسرائيلي في الرابعة يسمي أفيك زهافي، لقد قُتل عندما سقط صاروخ أطلقه الفلسطينيون بقرب روضته. وليست صواريخ القسام فقط موجهة الي السكان المدنيين، كما يبرهن التاريخ الطويل للعمليات الانتحارية. كلما بدا الفلسطينيون وأشياعهم متشوقين الي دولة تخصهم، يبعد قادتهم عن كونهم ساسة كبُعد الشرق عن الغرب. اذا كنا نحتاج الي برهان آخر علي سؤال أي طرف في النزاع هو العدواني وأيها الضحية، فيكفي أن نواجه بين الردود الاسرائيلية وتلك الفلسطينية علي ما يتصل بموت المواطنين. لم يتدفق اليهود في اسرائيل علي الشوارع وهم يطلقون طلقات الفرح ويوزعون الحلوي علي الاولاد، كما يحدث في الضفة الغربية وفي غزة بعد كل عملية انتحارية ناجحة. بدل ذلك نشرت حكومة اسرائيل اعلان أسف، وعرضت مساعدة طبية، وفي ضمنها علاج المصابين في مستشفيات اسرائيلية، وبادرت الي التحقيق في الحادثة.
من أين اقتُبست هذه العبارات؟ هل من صحيفة المستوطنين نكودا؟ هل من مكور ريشون؟ هل من تصريح لناطق وزير الخارجية؟ كل الاجوبة مخطوءة: انها اقتباس دقيق من مقالة تحرير صحيفة ذي استريليان ـ احدي الصحف الرائدة في استراليا. كتبت الصحيفة هذه الكلمات في أعقاب تهديدات حماس بأن هزة ارضية ستحدث في مدن الكيان الصهيوني وأنه لن يبقي لغوغاء المحتلين خيار سوي اعداد التوابيت أو الحقائب. كُتبت المقالة قبل أن يُنشر تحقيق الجيش الاسرائيلي الذي يقول إن مصدر الانفجار لغم دفنته حماس، عندما بحسب الأدلة الموجودة، كما تقول الصحيفة انحرفت قذيفة أطلقتها اسرائيل عن مسارها وأصابت مواطنين أبرياء.
بعد أن قرأت هذه الاقوال، بعيدا عن مكان حدوثها، شاهدت النشرة المسجلة لـ مباط، التي أبلغت عن مظاهرة جرت أمام منزل رئيس هيئة الاركان، رفع المشاركون فيها لافتة كبيرة تلقبه بلقب قاتل. نظرت ايضا في مقالات من الصحف الاسرائيلية نشرت في نشرات الانترنت. كنت محتاجا الي هذه المعلومات، لأنني كنت أوشك أن أُحاضر في الجامعة الوطنية في استراليا عن المكانة القانونية للانتفاضة. برغم أن الحادثة في غزة لم تمس موضوع محاضرتي مسا مباشرا، توقعت أن أُسأل عن ذلك. ولقد سُئلت. وجهت السائلة الي مقالة التحرير (الاسترالية لا الاسرائيلية). اقترحت عليها أن تستمر في القراءة حتي النهاية. ورد هناك: اليوم الذي تسلك فيه القيادة الفلسطينية نفس سلوك القيادة الاسرائيلية، سيكون يوما كبيرا للسلام في المنطقة.
البروفيسور أشير ماعوزمن كلية الحقوق في جامعة تل ابيب، واستاذ كرسي ضيف في جامعة مونش في مالبورن(يديعوت احرونوت) 20/6/2006