من يشاهد ويستمع لوسائل الإعلام الإسرائيلية يحصل على فكرة هزيلة عما يجري في غزة. فالصحافيون يتغذون أساساً من الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، ومن جهاز الأمن ومحافل حكم إسرائيلية. وبما يتناسب مع ذلك، فإن الصور التي تبث من غزة هي في الغالب صور بعيدة لأعمدة الدخان، صور لقصف أهداف تلتقطتها أجهزة تصوير متطورة على الطائرات الحربية لسلاح الجو، أو مشاهد مخيفة لدمار مبان منهارة في داخل نفسها واعتراضات منظومة القبة الحديدية تلمع في الليالي في سماء غزة – إسرائيل.
في التقارير الإسرائيلية القليل جداً من الصور القريبة وأصوات الناس من الميدان. لا مجال للحديث – هذه هي الحرب الأكثر نقاء التي رأيناها حتى اليوم. موضعية فائقة تكاد تكون بلا قطرة دم ودمع.
الصحافة الإسرائيلية في معظمها مجندة طوعاً وتثرثر بالرواية الإسرائيلية. ناهيك عن المحللين الذين يشجعون الجيش الإسرائيلي على مواصلة الهجوم وعدم التوقف قبل أن تتحقق أهداف الحملة كما رسموها هم أنفسهم.
على نحو ثابت، تمتلئ الاستديوهات ومواقع البث بالمحللين المتحمسين. فالصحافة الإسرائيلية في معظمها مجندة طوعاً وتثرثر بالرواية الإسرائيلية. ناهيك عن المحللين الذين يشجعون الجيش الإسرائيلي على مواصلة الهجوم وعدم التوقف قبل أن تتحقق أهداف الحملة كما رسموها هم أنفسهم. في هذه الظروف، من الصعب أن نشاهد بثاً متوازناً. من الطبيعي البث من زاوية نظر إسرائيلية ذاتية، ولكن التجاهل الفظ لما يجري في الطرف الآخر يقوض مهنة الصحافة.
وسائل الإعلام، على لسان الناطق العسكري، تبلغ عن تصفيات لقادة ومقاتلين من حماس (صغار بشكل عام) وبقدر أقل تعنى بالمدنيين الذين قتلوا، بمن فيهم عشرات الأطفال. ناهيك عن الجرحى وعن عشرات الآلاف الذين تبقوا بلا مأوى. لا احد يقص قصتهم. وباللغة العسكرية التي تبناها العديد من الصحافيين، فإن مواطني غزة “غير المشاركين” ممن أصيبوا بقصف سلاح الجو هم بالإجمال “ضرر جانبي”. إن اختيار هذه التعابير المغسولة يحرر وسائل الإعلام الإسرائيلية من الانشغال بخراب غزة ومصيبة نحو مليوني نسمة يعيشون فيها بفقر مدقع تحت نظام إرهابي عنيف لا يعتد بهم ويستخدمهم لأغراضه. إسرائيل غير مذنبة في ذلك، ولكن لها دوراً في المأساة الإنسانية التي تجري خلف الجدار. حتى لو لم تكن هذه الحرب ضرورة لا غنى عنها، فمحظور أن نتجاهل الثمن الذي تجبيه القذائف الذكية لسلاح الجو وصدمة مواطني العدو. فليس للطفل في غزة غرفة أمنية، ولا ملجأ، ولا خدمة نفسية يمكنه أن يستعين بها لتبديد التوترات. لا يمكنه أن يذهب إلى أي مكان حتى لو راق له ألا يبقى.
من المبالغ به أن نفكر في أن يبث الصحافي الإسرائيلي من غزة، ولكن كان من الصواب على وسائل الإعلام الإسرائيلية أن تتعاون مع صحافيين أجانب أو فلسطينيين يبثون من هناك، مثلما فعلت في الماضي. هذا لم يحصل هذه المرة، وعلى هذه الخلفية لا غرو أن إسقاط برج الإعلام في غزة استقبل هنا بهزة كتف. ما الذي كسبته إسرائيل من تدميره؟ يقول الجيش الإسرائيلي إن حماس استخدمت البرج لجمع المعلومات، ولإنتاج السلاح وتخزين العتاد الرامي إلى تشويش عمل الجيش. يحتمل. ولكن المؤكد أن تدمير وسائل بث مركزية لا يخدم إسرائيل في المعركة على الوعي الدولي.
لا يوجد تماثل بين الدولة ومنظمة إرهابية، ووسائل الإعلام الإسرائيلية ليست من الأمم المتحدة، ورغم ذلك فإن عليها أن توفر معلومات مصداقة وشاملة بقدر الإمكان كي يحصل مستهلكو الإعلام على صورة واسعة وعاقلة عما يجري وليس فقط “صورة نصر”: مطلوب معلومات عن مدى تعاون الغزيين مع حماس، وحجم البنى التحتية التي بنوها لإقامة منظوماتهم الصاروخية، والمال الذي استثمروه في بناء “المترو” والمدينة التحتية لغزة (برعاية حكومة إسرائيل التي سمحت للمال القطري بدخول غزة) على حساب بنى تحتية مدنية من تحت أنف إسرائيل. بقدر ما كانت المعلومات، فليس واضحاً لماذا سمحت القيادة السياسية لحماس بتعاظم القوى، ولماذا لم تتخذ إجراءات مثلما حصل (حسب مصادر أجنبية) ضد تموضع إيران في سوريا، بدلاً من تحصين أنفسنا حتى الجنون.
فضلاً عن ذلك، وعلى فرض أن إسرائيل أضرت بقدرات حماس هذه المرة أيضاً ولكنها لم تصف دوافعها، فهل تدمير البنى التحتية وتحويل عشرات آلاف الفلسطينيين إلى لاجئين سيجدي نفعاً ويعلمهم درساً؟ كيف نستخلص الاستنتاج أو الفهم دون أن نسمع الفلسطينيين. هذه ليست مطالبة بتماثل زائف، بل هي حاجة واجبة من أجل قراءة الواقع على نحو صحيح. بهذا المفهوم، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية ستوفر لنا صورة حرب ناقصة.
بقلم: اوريت لفي نسيئيل
معاريف 20/5/2021