صحيفة عبرية: أين ترى إسرائيل نفسها أمام خارطة الأخطار العالمية وتداعياتها؟

حجم الخط
1

أزمة كورونا زادت الوعي حول أخطار الطبيعة، ووضعتها على رأس سلم المخاطر العالمية. قرر المنتدى الدولي الاقتصادي في دافوس (كانون الثاني 2021) أن الأمراض المعدية هي الخطر الأكبر من ناحية تأثيرها على العالم في السنة المقبلة. التداعيات الاقتصادية –الاجتماعية لوباء كورونا هي أخطار رائدة حتى على المدى المتوسط، وحتى بعد تلاشي الوباء. وأكد المنتدى أيضاً على الأخطار الأخرى للطبيعة، بما في ذلك تغير كبير في المناخ وأضرار بيئية فعلية على أيدي الإنسان.

يعرض المنتدى الاقتصادي العالمي، (“منتدى دافوس”)، في كانون الثاني من كل سنة، عرضاً موسعاً لخارطة الأخطار العالمية للسنة القريبة القادمة ويصنفها طبقاً لتنبؤات الخبراء. تبلور التقرير بالتعاون مع أضخم شركات التأمين وإدارة الأخطار، “مارش آند ماكلينان”، ومع 700 خبير ومتخذ قرار من القطاع الخاص والعام في أرجاء العالم. يعرض التقرير تسلسل الأخطار حسب مستوى تأثيرها (أضرارها) واحتمالية حدوثها في الفترات الزمنية المختلفة.

وهذه المكونات تعطي فكرة حول توقع الضرر من الأخطار. واستهدف هذا التصنيف تمكين رؤساء الدول ومتخذي القرارات والمديرين في مجالات مختلفة من تخطيط برامج سياستهم، طبقاً لمستوى الأخطار في البيئة الدولية.

يضع المنتدى في كل سنة “موضوعاً رئيسياً” لبحثه. وفي هذه السنة، تم اختيار “إعادة إنعاش الاقتصاد العالمي”، في أعقاب تأثيرات أزمة كورونا التي اعتبرت تهديداً رئيسياً للنظام العالمي في السنوات القادمة.

وكان هدف النقاشات مساعدة القاعدة من القطاعين العام والخاص في الدول المتقدمة على بلورة حلول للأزمة الحالية ووضع برامج لمستقبل أفضل. أعلن كلاوس شفاب، مؤسس ورئيس منتدى دافوس، عن إعادة الإنعاش كـ “سياسة اقتصادية يجب على العالم تبنيها فيما يتعلق باللقاء الحتمي مع الأخطار المتوقعة وانعكاسها على الأجندة الاقتصادية – الاجتماعية. وحسب قوله، في العهد الذي سيعقب كورونا يجب علينا أن نتجاوز الليبرالية الجديدة. هذه رسالة تختلف جوهرياً عن الرسائل التي أسمعها المنتدى في السابق، والتي أيدت رأسمالية متحررة من القيود ومن أي تدخل حكومي قليل.

أزمة كورونا أوجدت واقعاً يكون التدخل الحكومي فيه ضرورياً، سواء من أجل مكافحة الوباء وتداعياته أو لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع. إضافة إلى ذلك، وفي هذا الإطار الجديد، يمكن أن تتغير الشركات وتظهر مسؤولية اجتماعية أكبر، وتجري تعاوناً مع الحكومات في مجالاتها، ثم تمنح الأقليات خلال ذلك صوتاً وتأثيراً في عملية اتخاذ القرارات.

مجموعة الأمراض المعدية وتداعياتها ظهرت دائمًا كعامل مخاطرة بارز في التقرير. في السنة الماضية، تم تصنيف هذه المخاطرة في المكان العاشر، بعد أخطار تتعلق بأزمة المناخ. في أعقاب أزمة كورونا، احتلت المكان الأول، سواء في فئة الأخطار حسب درجة تأثيرها الواسع، أو في فئة الأخطار الفورية للسنتين القادمتين. وفي أعقابها، تم عرض الأخطار المتوقعة، ومنها أحداث مناخية شديدة، وعدم مساواة رقمية، وإخفاقات حماية سبرانية. ويشار إلى أن الحروب والإرهاب لم يتم عدها بصورة صريحة في الأخطار العشرة الأكثر احتمالية. مع ذلك، تم طرح خطر الأزمات بين الدول (التي يمكن أن تنزلق إلى أعمال عنف) في المكان الثامن.

يؤكد التقرير أن القضايا البيئية هي الأكثر خطورة على مستقبل البشرية. وخلال ذلك، أشار التقرير إلى أن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لوباء كورونا، التي تهدد بإحداث عدم استقرار اجتماعي نتيجة لاتساع عدم المساواة، وفجوات رقمية وتآكل في التماسك الاجتماعي وانقسام سياسي وتوترات جيوسياسية، كل ذلك سيقيد نجاعة الردود على الأخطار العالمية، وهكذا ستهدد بالمس بمناعة الدول. تطرق التقرير أيضاً إلى السياسات المالية والنقدية الواسعة التي اتخذتها الحكومات من أجل التعامل مع تداعيات أزمة كورونا التي قد تتسبب بأخطار اقتصادية واسعة النطاق خلال السنوات القريبة القادمة.

وهذه يمكن أن تتميز بفقاعات الأصول (زيادات مبالغ فيها في أسعار العقارات والأسهم والأصول الأخرى، بصورة منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي)، وعدم استقرار للأسعار وأزمات ديون واسعة ستتطور في أعقاب العجز في الميزانيات الحكومية، التي استهدفت أيضاً تغطية أضرار الوباء.
يتوقع كاتبو التقرير أنه نتيجة لأزمة كورونا فإن أربعة من بين الخمسة أخطار في المدى المتوسط (3 – 5 سنوات) ستكون اقتصادية في جوهرها. وعلى المدى البعيد (10 سنوات) ستكون الأخطار ذات التداعيات الأوسع (لكن ليست من بين الأخطار الأكثر احتمالية)، هي انتشار سلاح الدمار الشامل، وهذا بعد الأخطار البيئية، بما في ذلك أزمات الموارد الطبيعية وفقدان التنوع الحيوي والفشل في التعامل مع أزمة المناخ. في الآماد الثلاثة (الزمنية) التي عرضها التقرير، فإن المسائل الأمنية التي تأخذ وزناً كبيراً في الخطاب الإسرائيلي، تحظى بتطرق مقلص جداً من قبل المنتدى. تحتل مقدمة المسرح قضايا اقتصادية وبيئية وصحية عالمية. لذلك، من المهم فحص مكونات الأخطار الرئيسية التي ظهرت في التقرير مقارنة بمكونات الأخطار الرئيسية في دولة إسرائيل.

إن ارتفاع وزن الأخطار أمام الطبيعة في تصنيف الأخطار العالمية من شأنه أن يخلق فرصة للتعاون العالمي برئاسة إدارة جو بايدن، بالأساس في مجال تغير المناخ.

تداعيات وتوصيات لإسرائيل

في حين تقف على رأس الاهتمام العالمي أخطار مصدرها الطبيعة وتداعياتها بصورة واضحة، ومنها الأوبئة والاحتباس الحراري ومشاكل اللاجئين ومشاكل الغذاء، وهي المواضيع البارزة أيضاً على رأس أجندة إدارة بايدن، فإن الذي يقف على رأس أجندة إسرائيل بشكل عام مواضيع أمنية في أساسها، أما وباء كورونا فهو استثناء. السؤال هو: إلى أي درجة ستتبنى إسرائيل الأولويات التي تنبع من التوقعات العالمية، والتي تتعامل معها إدارة بايدن بجدية كبيرة؟ إن تقدم إسرائيل في هذه المجالات حتى الآن تقدم ضئيل ودلالي في أساسه.

مجال التغير في المناخ موضوع حيوي لإسرائيل بسبب الأخطار الكثيرة التي تكتنفه (عملية التصحر والحرائق والفيضانات والمس بالتنوع البيئي والهجرة وتغير انتشار السكان).
وهو أيضاً مهم من أجل أن يمكن إسرائيل من الاندماج في الأجندة العالمية في مجالات مدنية. أما في مجال التعامل مع التغيرات في المناخ ومسائل مدنية أخرى، فيمكن لإسرائيل أن تشغل مكانة في القمة العالمية من ناحية قدرات البحث والتطوير والصناعة المتقدمة، مثلما فعلت في مجال السايبر. لإسرائيل اعتماد كبير ومتعدد الأبعاد على بعض الدول. مثلاً، تصدير إسرائيل يشكل 29 في المئة من الناتج (بيانات 2019). وهكذا، فإن النمو في الإنتاج والزيادة في التشغيل مرهونة بدرجة كبيرة بالطلبات من الخارج. إن الاتصال بالعالم يسمح لإسرائيل، ضمن أمور أخرى، بالتعلم في وقت مبكر عن الاتجاهات في وباء كورونا والتغيرات المتكررة في الأوبئة وطرق الحماية منها وطرق مساعدة المجموعات السكانية المتضررة وكذلك الاستفادة من التطعيمات التي تطورها وتسوقها شركات أجنبية. وبفضل تحليل ذكي للوضع وخفة الحركة، فإن إسرائيل رائدة في إعطاء تطعيمات ضد كورونا لسكانها. مع ذلك، يمكن أن تتضرر إسرائيل اقتصادياً واجتماعياً إذا واصل الوباء التفشي في العالم، حتى لو تم كبحه فيها.

أزمة كورونا تعزز عملية الرقمنة التي تحمل معها فرصاً إلى جانب الأخطار. في مجال الأخطار، حدثت زيادة حادة على اعتماد دول، منها إسرائيل، على بنى تحتية رقمية، التي ستواصل الزيادة أيضاً بعد أزمة كورونا. هذا الاعتماد يزيد الأخطار التي تكمن في السايبر، وهي أخطار من جانب عوامل إجرامية، ومن جانب أعداء مثل إيران، وكذلك حالات من الأعطال في أنظمة البنية التحتية الحيوية. تعدّ إسرائيل الآن دولة سايبر عالمية، لكن التغيرات السريعة في هذا المجال تحتاج إلى تقدم مستمر وسريع، على سبيل المثال توسيع قدرات الدفاع عن الاقتصاد (انظروا مثلاً اختراق السايبر لشركة التأمين “شيربت” في 1 كانون الأول 2020).

ولأن السايبر مجال عالمي، فيتوقع أن تُبذل جهود متزايدة في العالم من أجل تسوية النشاطات الدولية فيه. على إسرائيل زيادة تعاونها مع دول أجنبية لتحسين قدرتها الدفاعية في هذا المجال.
إن الزيادة في عدم المساواة (بما في ذلك عدم المساواة الرقمية) والتآكل المقلق في التماسك الاجتماعي تعدّ أيضاً أخطاراً متزايدة على استقرار الدول، الذي تلقى تأكيداً متزايداً عليه بسبب أزمة كورونا.

هذه الأزمة أضرت خصوصاً بدول متقدمة، للطبقات الوسطى والفئات الضعيفة، في حين أن العشرية العليا تضررت بدرجة أقل بكثير (في عدد من الحالات، بل وازدهرت). هذه الظاهرة تعمق الفجوات وعدم المساواة الاجتماعية وتخلق أخطاراً على الاستقرار الداخلي والاستقرار بين الدول.

وضعضعة الاستقرار يمكن أن تتمثل بالنداءات لخلق نظام اقتصادي – اجتماعي جديد في دول مختلفة، حتى من خلال تعبيرات عن العنف.

إسرائيل مصنفة في مكان عال في الفجوات الاقتصادية – الاجتماعية في قائمة الدول المتقدمة، فهي تعاني من شلل سياسي طويل يزيد الانقسام فيها ويضع أمامها تحدياً اقتصادياً واجتماعياً، بل ويضع تحدياً حكومياً يمس بإدارة أزمة كورونا.

إسرائيل غير مستعدة بما فيه الكفاية لمواجهة أخطار حادة للطبيعة. وهذا الأمر يبرز بشكل خاص في استعداد مقلص للأنظمة المدنية في مواجهة الهزات الأرضية والتغيرات المناخية التي من شأن أضرارها أن تكون واسعة وقاسية. الأفضلية المتدنية جداً التي تعطى للاستعداد المطلوب لأخطار الطبيعة، تم التعبير عنها تنظيمياً بغياب آلية حكومية متكاملة بشكل كبير في التعامل مع الكوارث الجماعية، وأيضاً في ظل عدم وجود تنسيق للمسؤولية والصلاحية بين الأنظمة المختلفة (مدنية وعسكرية)، التي قد تدير هذه الكوارث وتعالجها. أنشئت سلطة الطوارئ الوطنية في 2007 في أعقاب حرب لبنان الثانية، وتعاملت بالأساس مع أخطار أمنية في الجبهة المدنية، أما تدخلها في أزمة كورونا فكان هامشياً. لذلك، يجب أن يقام في إسرائيل، كأحد الدروس من أزمة كورونا، نظام حكومي متكامل يتناول الدفع قدماً بقدرات إسرائيل على التعامل مع كوارث من جميع الأنواع، حسب مفهوم “كل الأخطار”، التي يكون مصدر الكارثة بحسبها أقل أهمية من الاستعداد والاستجابة لتداعياتها، وأقل أهمية من المعالجة المنهجية لضحايا الكارثة في الدوائر المختلفة.

إن تركيز الاهتمام على الاستعداد المنظم إزاء أخطار الطبيعة التي تحدث، مثلما شاهدنا دوائر واسعة من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية في أزمة كورونا، يلزم إسرائيل بإعادة تفكير إبداعية، بل وإعادة تنظيم منهجي واستثمارات غير قليلة. هذا إلى جانب الاستثمارات التي سنحتاجها لغاية الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي بعد تلاشي الأزمة الصحية. لذلك، ستكون هناك آثار كبيرة في الميزانية التي ستحتاج إلى فحص دقيق لسلم الأولويات الوطنية إزاء الأخطار المتوقعة، المدنية والأمنية.
بقلم: تومار فيدلون وشموئيل إيفن وكرميت بدان ومئير الران
نظرة عليا 11/2/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية