بات هذا رسمياً الآن: بعد ستة أشهر من القتال، منها ثلاثة أشهر مراوحة، يخرج الجيش الإسرائيلي من غزة. لم يبق إلا لواء واحد في الفاصل الذي بين شمال القطاع ووسطه، ما يسميه الجيش “مقر نتساريم”، وستبقى قوات أخرى في قاطع من كيلومتر يمتد على طول خط الحدود، داخل أراضي القطاع، لكن الخطوة البرية التي شغلت في ذروتها خمس فرق ونصف، انتهت.
بقيت رفح، الجيب الحماسي، محوطاً بدرع بشري من 1.3 مليون مدني، بينهم 133 مخطوفاً إسرائيلياً. يقول التقدير الأخير إن نحو نصف المخطوفين لا يزالون على قيد الحياة. العدد يتغير من يوم لآخر. للأسف، يتغير سلباً.
أمنية أصحاب القرار أن تتحرك جموع الغزيين الآن من رفح إلى خانيونس فيخلوا رفح لهجوم إسرائيلي. أمريكا تبارك، والعالم يسلم. مثل كل الأماني في الحرب، هذه أيضاً لا تأخذ بالحسبان الواقع في غزة ولا وضعنا في العالم. إسرائيل تعمل أمام أسوار من عدم الثقة.
في الأشهر الستة من حرب غزة لم نحقق أياً من الأهداف التي طرحناها في بدايتها، لا الأهداف الطموحة، الخيالية، التي عرضها نتنياهو، ولا الأهداف الأكثر واقعية التي عرضتها قيادة الجيش. لم نبد حماس، ولم نسقط حكمها، ولم نوقف النار في غلاف غزة والجليل، ولم نعد المخطوفين والمخلين إلى بيوتهم. 20 من 24 كتيبة لحماس فككت. وقتل معظم رجالهم أو حبسوا، وتعرضت أذرع حكمها لضربة قاسية. إنجازات الحرب هذه اكتسبت بدماء نحو 250 من مقاتلي الجيش الإسرائيلي الذين قتلوا، بموت ما بين 25 ألفاً إلى 35 ألف مواطن غزي، بضائقة غذاء ومعيشة لمئات الآلاف وبدمار معظم المنطقة المبنية في القطاع. الضرر الذي لحق مكانة إسرائيل في العالم جسيم جداً. في 7 أكتوبر فقدت إسرائيل قوة ردعها؛ فقدتها في نظر الأعداء والأصدقاء، فقدتها لدرجة الخطر على وجودها. إعادة الردع، وليس الدافع للثأر، بررت رداً عسكرياً قاسياً على حماس. فهل استعدنا ما فقدناه في أشهر القتال الستة، لست واثقاً، لكن قبل أن أفعل ما فعله إيهود باراك وأجمل الحرب بكلمة صارخة “هزيمة”، أعود إلى صباح 7 أكتوبر. لو كان باراك رئيس الوزراء ماذا قرر؟ وماذا عن رابين وشامير وشارون أو أولمرت؟ ماذا كان سيقرر آيزنكوت؟ الرد العسكري المكثف، بالقصف ثم على الأرض، كان محتماً.
الأماني التي ولدت في 7 أكتوبر شملت المجتمع الإسرائيلي كله. معاً ضُربنا، ومعاً سنرد الضربة. لكن إدارة الحرب تستوجب تفكيراً استراتيجياً. انكشف نتنياهو بكل عماه. من يدعي إبادة نظام يحكم أرضاً إقليمية وسكاناً، ملزم بإعادة نظام بديل. في غزة 5 آلاف شخص، وربما أكثر، كانوا يشاركون في إدارة القطاع، تحت السلطة. ظاهراً، أياديهم غير مضرجة بالإرهاب، وأسماؤهم مسجلة في إسرائيل. استخدم نتنياهو الفيتو ضد أي مبادرة تشركهم في ترتيب اليوم التالي.
لن يعترف بذلك، لكنه فضل الفراغ والفوضى في غزة. هناك من حذره: كل مكان في الشرق الأوسط تنشأ فيه فوضى، فالنتيجة سيطرة خارجية؛ كما في العراق ولبنان وسوريا واليمن. أما هو ففرض الاستماع. حتى بعد7 أكتوبر ما زال يرى في أبو مازن عدواً أخطر من حماس.
لقد عظمت الحرب الجيش الإسرائيلي في نظر الإسرائيليين: هذا طبيعي، خصوصاً بعد إخفاق 7 أكتوبر. وهذا تناقض غذته أفعال القدوة، والأوسمة، إلى جانب أخطاء كان محظوراً وقوعها. خط واحد يفضي من قتل المخطوفين الثلاثة بالخطأ إلى قتل سبعة عمال من منظمة الإغاثة بالخطأ أيضاً، وهذا الخط متمثل في: يد رشيقة على الزناد، وانعدام انضباط، وفقدان سيطرة، مع تدمير لا لزوم له وكذا سلب ونهب، وأشرطة استعراضية ألحقت ضرراً لإسرائيل في العالم. الأخطاء جزء من كل حرب. السؤال هو: كيف يعالجها الجيش؟ ضابطان نحيا عقب قتل سبعة عمال من الإغاثة. كانوا أجانب: الغرب كله حزن على موتهم. كلنا نعرف كيف كان هذا سينتهي لو كان السبعة غزيين.
حكومات في العالم تفضل الفصل بين نتنياهو وإسرائيل: نتنياهو مذنب دوماً؛ الإسرائيليون قابلون للإصلاح. هكذا مريح. الضغط الشخصي الذي يمارسه بايدن على نتنياهو ليس رقيقاً، لكنه فاعل: رغم تأخير أشهر، فتح نتنياهو أمس الباب لمساعدات إنسانية إضافية ووافق على توسيع التفويض في صفقة المخطوفين. في أشهر الانتظار الطويلة بين باريس، ووارسو والقاهرة والدوحة لم يتراجع السنوار. ثمنه معروف. إسرائيل هي التي تحركت إلى الأمام وإلى الوراء، على أمل حدوث معجزة تلغي الحاجة للحسم. لم تحصل المعجزة، لكن بايدن حصل. ورئيس الأركان انضم أمس إلى مؤيدي الصفقة أيضاً.
نتنياهو بشّر أمس بأننا على مسافة نحو “خطوة” قبل النصر. الويل للنصر، الويل للخطوة. لكن الاعتراف بالواقع الصعب نوع من النصر أيضاً: خروج الجيش الإسرائيلي من غزة هو خطوة في الاتجاه الصحيح.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 8/4/2024