صحيفة عبرية: الصحافة الإسرائيلية بأسلوب “أقترح احتلال لبنان”

حجم الخط
0

هذا زمن الوحوش؟ يخرجون من مخابئهم ويسيطرون على وسائل الإعلام. الصحافة التي كانت ملتزمة بالحقيقة، تضعف. وتنمو في مكانها وسائل إعلامية لا أهمية فيها للحقائق، بات التلفيق خياراً شرعياً، والأمر الوحيد المهم هو التصويت الذي يجريه الناس بجهاز التحكم من بعيد للتنقل بين القنوات. وحسب هذا النهج، لا حاجة لنروي للجمهور ما هو ملزم بأن يعرفه عن بلاده في ساعة الحرب، بل هناك حاجة لنبث له أخباراً يحبها، وإلا سيغير المحطة.

كنا نخاف من الرقابة دوماً. ذات مرة، كنا نرى في مدير عام سلطة البث ضابطاً معيناً يشرف على البث ويناسبه مع إرادة الحكومة. احتقرنا هؤلاء المدراء العامين وحاولنا تجاوزهم. أملنا في مجيء يوم تكون فيه وسائل الإعلام حرة من ضغوط سياسية. عندما بثت القناة 2، كان يخيل أن هذا اليوم قد حل. لكن سرعان ما تبين بأن المدير العام الضابط حلت محله وسيلة أخطر: مدى المشاهدة، تفضيل الجمهور. واكتشف المذيعون بأن هناك حاجة لبث قصص يحبها الجمهور، وإلا سيفقدون مصدر رزقهم.

لم تحول مدى المشاهدة إلى الضابط الأكبر في لحظة واحدة؛ فقد استغرق هذا سنوات. بداية، لم يجد هذا تعبيره إلا في برامج لا تبث الأخبار، وكان هذا شرعياً هناك: وضع برامج رقص أو طبخ والتفكير بمدى المشاهدة. وهذا منطقي في قناة تجارية. أما عندما تسلل هذا إلى طرف الأخبار، إلى القسم الخفيف في النهاية، بات أكثر إشكالياً بعض الشيء. لكن الأخبار نفسها شوهت في زمن الحرب لأغراض مدى المشاهدة، وبات هذا رهيباً. عندما يكون توافق بين موقف سياسي ومدى المشاهدة، وهذا التوافق يملي مضمون الأخبار، فهذا يغير كل ما عرفناه عن وسائل الإعلام.

قنوات الحكم هي التي قادت هذه المسيرة، حيث استبدلت هذه المعلومات بالدعاية. وقد نجحوا في هذا على نحو فائق. في زمن الحرب الأكثر رهبة في تاريخنا، فإن مشاهدي ومستمعي وقراء هيئات وسائل الإعلام التابعة للحكم واثقة بأننا نعيش في فترة معجزة بفضل زعامة رئيس الوزراء المحبوب. ليس صدفة أن أناس قناة 14 يسمون القنوات الأخرى قنوات الذعر، لأن في بثهم بلاداً أخرى: مسحورة، سعيدة وبعيدة المنال.

لشدة الأسف، تبين أن الجمهور يفضل دعاية مفرحة على حقيقة محزنة. ترى الصحف الوضع وتعلق في معضلة: هل نرى فظائع الحرب؟ هل نتحدث عن ترك المخطوفين لمصيرهم؟ عن الدمار الذي لحق بغزة؟ عن الشبان الذين يتركون البلاد؟ إذا بثثنا سنهرب المشاهدين إلى القناة 14 حيث يوزعون البقلاوة وينشدون “تبارك الرب الذي يحبني دوماً، لن يكون لي إلا الخير”. إذا لم نبث، فسنخون غايتنا.

أصحاب القنوات والمدراء يرون أيضاً مدى ارتفاع المشاهدة. وليسوا وحدهم: حتى نحن، الصحافيين، محبي الحياة والرزق. وهذا ما دفع بعضاً منا للسير على الخط وفقاً لوسائل الإعلام الجديدة. زمن الوحوش هو هذا الزمن، كما أسلفنا، وإذا يتبين أن الكسر يميناً هو طريق الحصول على منصب، فهذا ما سنفعله. نبث تحريضاً بلا أساس، وفي الغداة نفحص جدول مدى المشاهدة.

هذه مسيرة ذعر، ونسير شوطاً بعيداً في نهايتها. مشروع قانون النائب شالوم دنينو بتأييد من الوزير كرعي، بأن يظهر مدى المشاهدة على الشاشة في الزمن الحقيقي، سيدهور الوضع أكثر فأكثر. أرى في خيالي كيف يطلب المحرر الذي يرى هبوطاً في مدى المشاهدة أثناء البث من المذيع في الأستديو أن يغير النبرة. “نحن نخسر”، سيصرخ عبر السماعة، “أقترح احتلال لبنان كله”.

إن أساس أداء الديمقراطية الليبرالية لمهامها هو اختيار عقلاني للجمهور، ويجب أن يقوم هذا على أساس معلومات حقيقية. هذه المعلومات آخذة في الاختفاء في بعض من الديمقراطيات الغربية. زعماء كترامب، هم الوليد المباشر لثقافة التلفيق في وسائل الإعلام. المخيف هو التفكير في أي نوع من النظام سيتوقف هذا التدهور.
أمنون ليفي
يديعوت أحرونوت 20/11/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية