تقدم الثوار الجهاديين السُنة السريع جنوباً واحتلال مدينة حماة يبدو أنه سبب التشاور العاجل الذي أجراه رئيس الوزراء نتنياهو مع قادة جهاز الأمن في ليل الأربعاء. وهجوم الثوار المفاجئ الذي بدأ فور دخول وقف النار في لبنان حيز التنفيذ، يخلق سلسلة تهديدات محتملة، ولكنه يخلق أيضاً فرصاً لدولة إسرائيل، ويفترض متابعة عن كثب.
التهديدات، وفقاً لترتيب ملحّ، هي: الأسلحة وأساساً الصواريخ وربما السلاح الكيماوي الموجود شمال ووسط سوريا، وربما يقع في غضون أيام وربما ساعات، بل وربما هو الآن في أيدي الثوار الجهاديين.
حلب والقواعد العسكرية في محيطها، وخصوصاً المجمع الصناعي – العسكري السوري في بلدة السفيرة جنوب شرق حلب، تقلق جهاز الأمن جداً. تنتج في المجمع الصناعي صواريخ بينها دقيقة، ومقذوفات صاروخية وفقاً لعلم إيراني، وهناك أيضاً قدرة لإنتاج سلاح كيماوي وربما توجد كميات غير كبيرة من السلاح الكيماوي احتفظ بها نظام الأسد ليوم أسود. كل هذه قد توجه ضدنا آجلاً أم عاجلاً.
ربما هذا هو السبب الذي جعل سلاح الجو الإسرائيلي يهاجم وفقاً لمنشورات أجنبية، هذا المجمع في الأيام الأخيرة، وكذا مخازن سلاح للجيش السوري شمالي دمشق، والثوار يقتربون منها بسرعة. يمكن التقدير بأن إسرائيل تفضل تدمير هذا التهديد كي لا تقع هذه الأسلحة التقليدية وغير التقليدية في أيدي جهات جهادية، حتى لو كانت سُنة وأعداء لدودين لحزب الله وإيران.
المساعدة الروسية فشلت
التهديد الثاني ينبع مباشرة من ضعف الجيش السوري ولأن روسيا غير قادرة على حماية نظام بشار الأسد مثلما حمته في 2015. في ذروة الحرب الأهلية في سوريا، حسب مصادر تركية، كان للروس 50 طائرة هجومية في قاعدة حميميم، وبواسطتها قصفوا الثوار بكثافة وبلا رحمة إلى أن انسحب هؤلاء إلى محافظة إدلب. اليوم، حسب تلك المصادر، بسبب الحرب في أوكرانيا، يحتفظ الروس بـ 15 طائرة هجومية فقط في حميميم، و7 منها فقط تنفيذية. القصف الروسي لم ينجح في منع احتلال حلب، وأخرت احتلال مدينة حماة ليوم واحد فقط. نتيجة لضعف الجيش السوري والمساعدة العملياتية الروسية الخفيفة، لا مفر لنظام الأسد غير تلقي المساعدة التي يعرضها الإيرانيون بواسطة وزير الخارجية الإيراني عراقجي، الذي زار دمشق قبل بضعة أيام.
لقد أرسل الإيرانيون إلى سوريا أحد جنرالاتهم، جعفري، الذي قاد في 2016 احتلال حلب من أيدي الثوار، وجاء معه بضعة مستشارين ورجال الحرس الثوري. وبالتوازي، بعث الإيرانيون إلى مناطق المعارك ميليشيات شيعية، عراقية وسورية موالية لهم. بين هذه القوات لواء “فاطميون” الذي يتشكل أساساً من شيعة أفغانيين وباكستانيين، تدفع لهم إيران رواتبهم ويقودهم رجال الحرس الثوري.
هذه اللواء يدخل الآن إلى المعركة دفاعاً عن مدينة حماة وفشل، لكن إيران تضخ المزيد من قوات الميليشيات الشيعية عبر الحدود العراقية – السورية إلى منطقة المعارك. كما طالبت إيران وتلقت بضع مئات من رجال حزب الله انتقلوا من لبنان إلى سوريا لمساعدة نظام الأسد، حالياً بدون نجاح.
لإسرائيل مشكلة جسيمة مع هذه الميليشيات ومع رجال حزب الله الذين دخلوا إلى سوريا، لأنه يمكنهم تشكيل بداية تموضع إيراني عسكري وربما يبقون في سوريا على حدود إسرائيل للعمل من هناك من خلال نار الصواريخ والتسللات البرية إلى بلدات هضبة الجولان وتهريب السلاح إلى لبنان لإعادة تسليح حزب الله.
التهديد الثالث هو أن ينهار نظام الأسد وعندها تصبح سوريا دولة فاشلة مثل اليمن أو لبنان أو غزة، يبني الإيرانيون ويمولون فيها جيش إرهاب هدفه العمل ضد إسرائيل. لمواجهة هذا التهديد، على إسرائيل اتخاذ وسائل دفاعية، أساساً في هضبة الجولان، وكذا مهاجمة الأراضي السورية بلا انقطاع؛ لمنع تموضع جهات إسلامية متطرفة قرب الحدود وفي مدى الصواريخ والراجمات منها.
المسؤولة الأساس: تركيا
لفهم الوضعية التي علق فيها الشرق الأوسط عقب هجوم مفاجئ للثوار السوريين، ينبغي الاعتراف بأن الجهة التي تقف خلف هجوم الثوار هي تركيا. هذا الهجوم يجري في محورين: المنظمة الإسلامية الجهادية العليا “هيئة تحرير الشام” تتحرك جنوباً بهدف إسقاط نظام الأسد وغايتها مدينة حمص، المدينة الكبيرة والمهمة في وسط سوريا، واحتلالها سيقطع الجيب العلوي الذي تسكن فيه أغلبية عائلة الرئيس الأسد – في مدينتي اللاذقية وطرطوس – عن مدينة دمشق. وقوة ثوار أخرى، علمانية، تسمى “الجيش الوطني السوري” يتحرك شرقاً نحو مدن وقرى منطقة الحكم الذاتي الكردية، روج آفا، في شمال شرق سوريا. الجيش الوطني السوري، الذي يتشكل من فارين سُنة من الجيش السوري، يخضع تماماً لانضباط الأتراك، وهو عملياً ينفذ كلمة اردوغان.
عملياً، هجوم الثوار ما كان ليتحقق لولا الأتراك الذين دعموا الثوار السوريين عسكرياً من الفصيلين، والآن يستخدمونهم لتحقيق المصالح التركية في سوريا، ومثل هذه المصالح غير قليل. أولاً، يريد أردوغان تصفية منطقة الحكم الذاتي الكردية في شرق وشمال سوريا، لتقويض منظمات الأكراد عسكرياً وحكومياً الذين هم حلفاء الـ PKK، التنظيم السري الكردي الذي يقاتل من أجل استقلال الإقليم الكردي في تركيا.
الثوار الجهاديون الذين يتقدمون جنوباً نحو دمشق، يخدمون هدفاً آخر لاردوغان: إجبار الأسد على الموافقة بأن يحتفظ الأتراك بمنطقة أمنية ضد الأكراد في شمال سوريا، وفي الوقت نفسه إقامة علاقات اقتصادية وجيرة طبيعية مع سوريا. الأسد يرفض مطالب أردوغان هذه، فيما يريد أساساً أن توافق سوريا على إعادة أكثر من مليوني لاجئ سوري إلى أراضيها، فروا إلى تركيا عقب الحرب الأهلية.
مدى المصالح هذا يعد فرصة لإسرائيل؛ لأن الأسد الضعيف في نهاية الأمر سيتعين عليه أن يقرر ممن يخاف أكثر: من الثوار – وعندها سيوافق على تلقي المساعدة من إيران وحزب الله ويسمح لهم أيضاً بالمرور عبر سوريا لنقل السلاح ووسائل الإنتاج لإعادة بناء حزب الله. أم سيخاف من إسرائيل التي ستضرب أي محاولة تموضع إيرانية وعقب ذلك ستضعفه هو ونظامه أكثر فأكثر.
كما تبدو الأمور الآن، تركيا غير معنية بانهيار نظام الأسد. وأردوغان يعرف بأن منطقة عديمة الحوكمة تسودها الفوضى التامة والمعارك الداخلية بين الطوائف، ستشكل في نهاية الأمر خطراً على تركيا تماماً مثلما تشكل على إسرائيل.
رون بن يشاي
يديعوت أحرونوت 6/12/2024