أخيراً جاءت العدالة؛ أول بداية بداية العدالة؛ متأخرة وجزئية ولكنها درجة من العدالة؛ يجب ألا تفرح عندما سيكون رئيس حكومتك ووزير دفاعك مطلوبين في كل العالم؛ ولا يمكن عدم الشعور بالرضا من بداية تحقق العدالة. تمرغ الإسرائيليون وتباكوا في نقاشات لانهائية يتورعون فيها في الاستوديوهات وصرخات الاستغاثة من العالم اللاسامي وعدم وجود عدالة في ربط إسرائيل بحماس. لا ينقص في كل هذه الأمور سوى سؤال واحد أساسي ومصيري، هو: هل ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في قطاع غزة؟ هذا السؤال الحاسم لا أحد يتجرأ على التطرق إليه. السؤال الأساسي هو: هل كانت أم لم تكن جرائم؟
إذا تم ارتكاب جرائم حرب، قتل جماعي وتجويع، كما يعتقد المدعي العام الشجاع، كريم خان، الذي عملت إسرائيل من وراء الكواليس لتعيينه بعد سابقته التي كانت مشبوهة عند إسرائيل، فإن هناك مجرمين مسؤولين عنها. وإذا وجد مجرمو حرب، فعلى العالم أن يقدمهم للمحاكمة. هؤلاء يجب أن يصبحوا مطلوبين ويتم اعتقالهم.
إذا ارتكبت حماس جرائم حرب –يبدو أنه لا يوجد نقاش في أي مكان حول ذلك – عندها يجب جلب مجرميها للمحاكمة. وإذا ارتكبت إسرائيل جرائم حرب – على ذلك يبدو أنه لا يوجد نقاش في العالم، بل فقط في إسرائيل التي تكذب على نفسها – فعلى المسؤولين تقديمهم للمحاكمة.
ربط إسرائيل وحماس معاً لا يعني وجود تماثل أخلاقي أو مساواة قانونية، وحتى لو تم اتهام إسرائيل وحماس بشكل منفصل لأقامت إسرائيل الدنيا ضد المحكمة.
الادعاء الوحيد الذي يسمع الآن في إسرائيل هو أن القاضي “ابن حرام”. الطريقة الوحيدة التي طرحت لمنع هذا القرار السيئ هي المس بالمحكمة؛ بإقناع دول صديقة بعدم تطبيق أوامر المحكمة وفرض عقوبات على القضاة فيها. هكذا يفكر كل مجرم، وهكذا لا حق لأي دولة في التفكير. المحكمتان الدوليتان، اللتان يمثل أمامهما إسرائيليون، تستحقان الاحترام من الدولة وليس الإهانة. الطريقة التي تهين فيها إسرائيل المحكمة تضاف إلى قائمة اتهاماتها والاشتباه فيها.
كان من الأفضل في هذه اللحظة الصعبة أن توجه إسرائيل أخيراً نظرة إلى الداخل، إلى صورتها. وكان من الأفضل لو اتهمت نفسها بدلاً من اتهام العالم كله. يجب أن يكون السؤال كيف وصلنا إلى ذلك وليس كيف هم وصلوا إلى ذلك. متى سنتحمل المسؤولية عن أي شيء أخيراً، الأمر الذي تم فعله باسمنا؟ الـ 106 أعضاء كنيست الذين وقعوا على عريضة ضد لاهاي، وعدد الأعضاء الذين وقعوا على وثيقة لم تكن ضد مجرمي الحرب في إسرائيل، هي وثيقة ضعف للدولة: موحدة ضد فعل العدالة وموحدة في مشاعر الضحية الأبدية بدون يمين وبدون يسار، جوقة صديقين. إذا جاء يوم ودينت إسرائيل بجرائم حرب فعلينا التذكر بأن الـ 106 أعضاء كنيست صوتوا مع طمس جرائم نتنياهو وغالانت.
قطاع غزة تم تدميره، وسكانه قتلوا وأصيبوا وتيتموا وجاعوا وفقدوا كل عالمهم، ومعظمهم كانوا أبرياء. هذه جريمة حرب واضحة. التجويع يعتبره الجميع في إسرائيل وسيلة مشروعة، سواء من هو مع ومن هو ضد، ومثله أيضاً القتل الجماعي المتعمد. كيف يمكن الادعاء بأنه لم يكن تجويع أو قتل جماعي متعمد؟
غداة “لاهاي” يجب على إسرائيل إجراء محاسبة قومية للنفس، التي لم تفعلها من قبل. كل إسرائيلي عليه أن يسأل نفسه: لماذا وصلنا إلى ذلك؟ لا يكفي اتهام نتنياهو، المتهم الرئيسي، ولا يكفي تغطية ذلك بادعاءات متملصة حول إعلام معيب واستشارة قانونية معيبة وتصريحات متطرفة لشخصيات إسرائيلية. الجذر أعمق بكثير. فمنذ 57 سنة وإسرائيل تقيم نظاماً غبياً ومجرماً، والآن أخيراً بدأ العالم يستيقظ ويعمل ضده. فهل سينجح أيضاً في إيقاظ عدد قليل من الإسرائيليين من الشعور بالنشوة ومن شعور مشوه للعدالة؟
جدعون ليفي
هآرتس 23/5/2024