“الخطوة الوحيدة التي ستوقف غطرسة إسرائيل وسرقتها وإرهاب الدولة الذي تمارسه، هي تحالف الدول الإسلامية”، هذا ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السبت الماضي. ولكنه شخص لديه خبرة كافية ليعرف أن أي تحالف أو أي مؤتمر أو أي تدخل عربي إسلامي بكل تشكيلة، لم ينجح حتى الآن (خلال عقود) في حل النزاعات في الشرق الأوسط.
في تشرين الثاني الماضي، تم عقد قمة عربية – إسلامية في السعودية، للمرة الأولى شارك فيها معاً زعماء دول الجامعة العربية والدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي للتوصل إلى قرارات مشتركة حول وقف الحرب في غزة. البيان الختامي وبحق كان مليئاً بإدانات ضد إسرائيل، وحتى سمع منه نداء لمجلس الأمن كي يأمر بوقف إطلاق النار. ولكن طلب إيران التي شاركت في قمة عربية دولية للمرة الأولى، بقطع علاقات الدول العربية مع إسرائيل أو على الأقل فرض عقوبات اقتصادية عليها واعتبار الجيش الإسرائيلي منظمة إرهابية، رفضته الدول التي وقعت على اتفاقات سلام مع إسرائيل ولم يشمله البيان الختامي.
بعد مرور سنة تقريباً على اندلاع الحرب وإزاء عدد القتلى غير المسبوق في غزة والدمار الكبير، ربما يؤمن أردوغان بوجود احتمالية أفضل لتطبيق قرارات أكثر تصلباً ضد إسرائيل. ورغم ذلك، مشكوك فيه أن يشاهد خلفه طابوراً طويلاً للدول.
تركيا هي الدولة الوحيدة التي فرضت عقوبات اقتصادية على إسرائيل، وأعادت السفير من تل أبيب. جمد الأردن بعض الاتفاقات وأعاد السفير. في حين أن الإمارات اكتفت بإعادة السفير، لكنه يزور إسرائيل بين حين وآخر. العلاقات بين إسرائيل ومصر في حضيض غير مسبوق بسبب توتر بين الدولتين على طول الحدود بين شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، توتر ينبع من سيطرة إسرائيل على معبر رفح ومحور فيلادلفيا. ورغم ذلك، اكتفت مصر بالتحذير والإشارة إلى أنه وضع قد يتفاقم إلى درجة إعادة السفير إلى القاهرة، وهو الأمر الذي فعلته من قبل عندما كانت الظروف أقل خطراً.
الفلسطينيون، للأسف، يعرفون جيداً وزن التضامن العربي الفعلي القليل، وليس التصريحي، في كل ما يتعلق بقدرة الدول العربية، كل على حدة أو بواسطة الجامعة العربية، على حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، أو على الأقل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة. تركيا تعلمت هذا الأسبوع بأنها حتى عندما تحاول تجنيد الدعم العربي لعمل مشترك ضد إسرائيل، فعليها أولاً أن تحل نزاعاتها، على الأقل مع دولة عربية واحدة وهي سوريا، قبل أن تسجل لنفسها انتصاراً دبلوماسياً لامعاً.
في لقاء وزراء الخارجية العرب الذي عقد الثلاثاء الماضي في القاهرة، غادر الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية فيصل المقداد القاعة عندما بدأ وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، خطابه. لسوريا “حساب شخصي” مع تركيا التي تحاول منذ أشهر استئناف علاقاتها مع دمشق. في كل مرة، رغم تدخل روسيا النشط، يواصل بشار الأسد وضع شرط رئيسي لاستئناف العلاقات، وهو أن على تركيا الانسحاب من كل الأراضي التي احتلتها في سوريا. أردوغان، الذي كان الحليف المقرب من الأسد وكانت العلاقات بينهما عائلية، قطع العلاقات معه بعد عدم استجابة الأسد لتوسل أردوغان التوقف عن المذبحة الجماعية ضد أبناء شعبه. ومنذ ذلك الحين، وضع أردوغان نفسه على رأس حملة معارضة استمرار حكم الأسد وطالب بعزله.
كان يمكن أن يستند أردوغان إلى موقف عربي شبه موحد تقريباً ضد الأسد، يشمل تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، وفرض عقوبات اقتصادية عربية إضافة إلى العقوبات الغربية، إلى أن عادت سوريا في السنة الماضية، بعد 12 سنة مقاطعة، إلى الحضن العربي. استؤنفت عضويتها في الجامعة العربية في الوقت الذي استأنفت دول عربية، منها الأردن والإمارات، العلاقات معها. لكن المقاطعة والعقوبات العربية لم تساعد في وقف المذبحة في سوريا التي قتل فيها نصف مليون شخص، وتهجير 12 مليون مواطن. لم تنجح الجامعة العربية في وقف الحرب بين السعودية واليمن، وتحقيق مصالحة في السودان أو رأب التصدعات السياسية والعسكرية في ليبيا.
يبدو أن المرة الأخيرة التي كان فيها للجامعة العربية دور مهم في 1989، عندما عينت ملك السعودية وملك المغرب والرئيس الجزائري لترؤس لجنة مشتركة ألقيت عليها مهمة التوصل إلى إنهاء الحرب الأهلية في لبنان. اتفاق الطائف الذي تم التوقيع عليه بعد 15 سنة على الحرب الدموية، لم يغير البنية السياسية في لبنان فحسب، بل نجح أيضاً في إلغاء عدد كبير من التهديدات على سلامتها والحفاظ على وحدة لبنان وسيادته. ولكن الجامعة العربية لم تنجح حتى الآن في إنهاء الأزمة السياسية العميقة التي تحطم لبنان.
ليست الجامعة فقط هي التي فشلت في ذلك، فـ”مجموعة الخمس” أيضاً، التي تشارك فيها مصر والسعودية وقطر والولايات المتحدة وفرنسا، تجد صعوبة في تحقيق المعجزة. في كل ما يتعلق بالمواجهة بين إسرائيل وحزب الله، لا تملك أي دولة عربية اليوم أداة ضغط تساهم في تهدئة التوتر. هذه الأداة بيد دولة واحدة غير عربية، إيران، التي لا تسارع إلى إنهاء هذه المواجهة.
عندما يطالب أردوغان بالتجند العربي – الإسلامي ضد إسرائيل، فإن إيران، التي يبدو أنها ستكون أول من سينضم إلى حملة تركيا، هي نفسها “جسم مشتبه فيه” ويثير معارضة العرب. الحوثيون، امتداد إيران في اليمن، الذين يعملون باسم “جبهة المساندة” للفلسطينيين ويطالبون بوقف إطلاق النار في غزة، ألحقوا أضراراً اقتصادية كبيرة بالدول العربية التي قد تنضم لـ “تحالف اردوغان”. مصر هي المتضرر الأكبر، لأن خط الملاحة في قناة السويس مشلول تقريباً، أما في الأردن فقد ارتفعت أسعار المواد الأساسية بعشرات النسب المئوية. وهو يخشى من تدخل المليشيات في العراق في جهود تجنيد مواطنين من الأردن للحرب ضد إسرائيل وتهريب السلاح والمواد المتفجرة من العراق وسوريا. الملك عبد الله في الحقيقة يدين إسرائيل، ووزير الخارجية أيمن الصفدي أحياناً يتبنى لهجة شديدة ضد نتنياهو. ولكن الأردن أيضاً شارك في التحالف الأمريكي – العربي الذي ساعد في إفشال هجوم المسيرات والصواريخ على إسرائيل في نيسان الماضي. إنهاء الحرب في غزة يعتبر هدفاً استراتيجياً للأردن، وهكذا أيضاً التعاون الاستخباري مع إسرائيل والعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة. العضوية في التحالف العربي – الإسلامي برئاسة تركيا وإيران، بعيدة عن رأس سلم أولويات المملكة.
رغم ذلك، سيكون من الخطأ الكبير من ناحية إسرائيل أن تستند بارتياح إلى الانقسام وعدم التضامن بين الدول العربية والفلسطينيين بشكل عام، وبشكل خاص حول قضية غزة. ومحظور عليها اعتبار ذلك دليلاً على قوتها السياسية أو كـ “تسويغ” عربي لمواصلة الحرب في غزة وفتح جبهة واسعة في لبنان. ليس لإسرائيل مصلحة في الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي. لأنها تستمد قوتها ومكانتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط من سلسلة العلاقات الثنائية مع دول عربية تدير علاقات خارجية مستقلة، لعدد منها خلافات جوهرية فيما بينها.
السياسة الفردية والمصالح والاعتبارات الفريدة، وليس القرارات “التنظيمية” العربية بشكل عام، هي التي جعلت كل دولة من هذه الدول توقع على اتفاق سلام مع إسرائيل. ولكن الأهم أنه حتى العلاقات الوثيقة، مثل العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين وبدرجة كبيرة المغرب، ليست البديل عن ضرورة تسوية صراع إسرائيل مع المنظمات المعادية والدول التي تدعمها. هذه الدول ربما لا تكون قادرة على تسوية الصراعات، سواء فيما بينها أو مع إسرائيل وأعدائها، لكنها تخلق شبكة الأمان الحقيقية التي ترتكز إليها شرعية إسرائيل في المنطقة. وهذه هي نفس الشرعية المطلوبة، التي ستحتاجها إسرائيل كي لا تفقد دعم أمريكا لها بخاصة ودعم الغرب بعامة.
شبكة الأمان هذه ما زالت صامدة رغم الانتقادات الشديدة، ولكنها بدأت تتمزق حتى بدون مساعدة أردوغان.
تسفي برئيل
هآرتس 13/9/2024