صحيفة عبرية: “سنبيدها ونحرر المخطوفين”.. نتنياهو بين جرأة القول ومفاجآت “القسام” وحسابات والإقليم

حجم الخط
2

ليس أمام إسرائيل اليوم سوى خيارين لا ثالث لهما: إما هذا أو ذاك، ولا مكان في وسط؛ إما صفقة تعيد المخطوفين كلهم، النساء، الأطفال والشيوخ والمجندات والجنود، صفقة ستدفع إسرائيل عليها ثمناً هائلاً. فلئن كان رئيس الوزراء نتنياهو قد دفع 1.027 مخرباً من أسوأ المخربين لقاء جلعاد شاليط واحد، وكان منهم أفظعهم جميعاً، يحيى السنوار، فيمكن إذاً بسهولة أن نفهم ما تتوقع حماس أن تتلقاه مقابل أكثر من 200 مخطوف بينهم 30 طفلاً دون سن 16، وجنود جرحى، وشيوخ، ومرضى، وكذا من كانوا معافين وسليمين حتى 7 أكتوبر لكنهم سيعودون من الأسر مكسورين جسدياً ونفسياً، وسيواصلون عيش الكابوس الرهيب.

أما الخيار الآخر فأن تطلق إسرائيل رفاص عشرات آلاف الجنود، معظمهم رجال احتياط، وجزء من الـ 360 ألفاً الذين جندوا وينتظرون الآن، تطلقهم من الحدود الجنوبية والشمالية إلى قطاع غزة ليفعلوا ما يعرف الجيش كيف يفعله، بل ويريد أن يفعله: تحقيق الأهداف العسكرية للحرب – تفكيك البنية التحتية العسكرية، التنظيمية والسياسية لحركة حماس، ومحاسبة الشياطين الذين وجهوا ضربة وصدمة لدولة كاملة.

في مفترق الـ T هذا يمكن الاتجاه يميناً إلى رحلة تثبت أنه حان يوم الثأر والثمن، يومٌ يثبت أن الفرق بين مشاهد الكراهية في أوروبا في الأربعينيات والمنافسة البربرية لمخربي حماس – من سيبتكر تنكيلاً وتعذيباً وإهانة أسوأ، ومن يشق طريقاً صادماً أكثر لجعل الإنسان ظل إنسان، والبشر كومة رماد دقيقة. حتى في أكثر التكنولوجيات تقدماً تحت تصرفنا، لا يمكنها أن تخرج منه DNA، فالفرق يقف عند ثلاثة أحرف. اليهودي الذي يقوم على حرابه وإذا ما حصلت له مصيبة، للجيش العبري، ولم ينجح في حماية اليهود من مذبحة أخرى، عندها سيعرف كيف يخرج فوراً ويحاسب على ذلك.

ويمكن أيضاً التوجه يساراً، واحترام قول “الرمبام” بأنه لا توجد فريضة أكبر كفريضة فداء الأسرى، القيمة الأعلى، الإنسانية واليهودية للتكافل المتبادل، وإنقاذ الحياة، وبالتأكيد في المكان الذي تكبد الآن كل هذا القدر من الموت.

 لا، لا توجد إمكانية وسطى، ومثل اليمين واليسار؛ فالطريقان يتعارضان، معاكسان في الاتجاه والنتيجة والخيار، ويعطل أحدهما الآخر. عملياً، هاتان ليستا حتى إمكانيتين، بل خيار وثلاثة أرباع، وسيصبح لتوه خياراً ونصف خيار. وعندها سيتبدد تماماً.

الائتمان غير المسبوق الذي أعطاه العالم لإسرائيل تحت مشاهد الفظاعة، وتقارير بأصوات الموظفين الإسرائيليين الكبار لزملائهم في كل العالم عن حجوم وشيطنة سلوك 2700 فلسطيني قاموا ذات يوم، واحتلوا وسيطروا على أجزاء واسعة في جنوب البلاد – هذا الائتمان آخذ في الانتهاء، في النهاية هذا أمر سيمله حتى الرئيس بايدن.

 إسرائيل كلها، أغلبيتها الساحقة على الأقل، ردت على المذبحة بشكل مشابه للرد الذي كان يريده قائد الأنصار آبا كوبنر على المحرقة – دم مقابل دم، تسميم ستة ملايين ألماني. كان يعرف أنه فعل رهيب، لكنه قال إنه لا مفر لأنه إذا لم يفعل، فسترى باقي الأمم بأن دم اليهود مباح وسيفعلون هذا مرة أخرى في المستقبل.

في غابة الشرق الأوسط، يعتقد كثير من الجمهور ومثلهم من جهاز الأمن، بأنه إذا لم ترد إسرائيل بقوة، بنار وكبريت ونخر أنف، وتنفس غضبها بالأغيار، فإن الجميع، الجيران الطيبين والجيران الأشرار، سيرونها في ضعفها. وهنا في المنطقة، في قفصنا، أن يكون المرء ضعيفاً، فمن شأنه أن ينتهي بمذبحة.

قال نتنياهو أمس إنه حدد هدفين بعد المصيبة: إبادة حماس، وإعادة الرهائن. هذا قول مجانب للصحة وليس الأفضل، بل قليل الدقة. “الجيش الإسرائيلي سيبيد قدرات حماس، سنثأر لهذا اليوم الأسود”، قال نتنياهو. “كل الأماكن التي تستعد فيها حماس، وكل الأماكن التي تختبئ فيها وتعمل من داخلها، سنجعلها جزر خراب”. وأضاف: “كلنا نصلي لسلامة الجرحى ولكل من هو محتجز كرهينة. أقول لحماس: أنتم مسؤولون عن سلامتهم. إسرائيل ستحاسب كل من يمس شعرة واحدة في رؤوسهم”. لكن كان واضحاً من أقواله، مثلما من الأوامر التي خرجت من الحكومة للجيش، بأن سلم الأولويات تغير – قبل كل شيء وبعد كل شيء وبالإجمال – إبادة حماس.

وهكذا تصرف الجيش الإسرائيلي، وعملياً الدولة كلها والعالم كله، منذ ذاك اليوم. التجنيد الأكبر في تاريخ الدولة، والارتهان المطلق للاقتصاد والشعب في صالح هذه الخطوة تبقى في ظل محاولة التأكد من عدم فتح جبهة أخرى، وقصف لم يسبق لإسرائيل أن نفذت مثله قط، ودولة كاملة مشلولة تحت رعب الصواريخ وخوف دائم من عرب غير موجودين ويصورون بيوتاً ويثيرون هستيريا. وكذا بالطبع تجند مذهل من الولايات المتحدة وترقب متحفز للدخول إلى غزة.

 انقلب سلم الأولويات، فإنه ومقابل الثمن الدموي الذي سفكته حماس من قلوبنا جميعنا، تحولت الأمور التي كانت في يوم عادي ستمنع دخولاً برياً: الجنود الذين سيسقطون، والمخطوفون الذين قد يقتلون في تبادل للنار أو لا سمح الله يجدون أنفسهم بطقوس “داعش” في بث حي في الشبكات الاجتماعية، والنقد الدولي… كل هذه تقزمت أمام حاجة لنا كي نري بأن رب البيت جن جنونه، خرفن، ولم يعد يرى بعينيه أيضاً.

 لكن هناك زعماء مترددين، وفي نهاية الأسبوع الماضي صعدت فجأة رياح أخرى من مكتب رئيس الوزراء، وربما، ثمة من يعتقدون، كانت هناك من البداية، باستثناء أن نتنياهو، الواثق من أنه منزّه من أي ذرة مسؤولية عن اليوم الأسود في تاريخ الدولة، بدأ يعرف أن هذا قراره؛ الدخول أو بتبادل الأسرى، وهو أمر بات واضحاً أنه واقع عليه، أمام اللجنة وأمام الجمهور على حد سواء.

سيقول قائل – لكن لعل لنتنياهو شكوكاً ومخاوف تنفيذية إزاء إمكانية انتصار الجيش الإسرائيلي في المعركة في الوقت المناسب ومع عدد ضحايا معقول. هذا بالطبع اعتبار مشروع، لكن رئيس الوزراء، جعل المخطوفين، في حديثه أمس، ذوي وزن مساوٍ في عملية اتخاذ القرار. دولة كاملة هزت بثمن يتراوح بين نصف مليار ومليار شيكل في اليوم لجيش الاحتياط، أناس كانوا واثقين من أنهم سيتوجهون على الفور لفرض النظام وإغلاق الدائرة، سيبدأون بعد قليل بالعودة إلى الديار محبطين.

ومن سيعود للسكن في الغلاف إذا لم تبد حماس؟ ومن سيعود للسكن في بلدات الشمال في حين يقف 18 ألف مقاتل مدرب وصلب من “وحدة الرضوان” التابعة لـ “حزب الله”، على الجدار؟

ليلة أول أمس، تحدث شخص ضالع جداً في ما يجري في قمة الحكم في إسرائيل مع مجموعة من مسؤولين كبار ومؤثرين في واشنطن العاصمة. الرجل لا يثق كثيراً بالحكم في الوطن، واستغرب أن الإدارة شرعت فجأة في تنسيق كامل مع ترددات الحكومة، وبدأت هي نفسها تتردد، وتطلب تأجيلاً وتأجيلاً آخر، وأمس تأجيلاً إضافياً كي تعظم الدفاع عن ذخائرها في الخليج. محادثوه الأمريكيون هدأوا من روع الرجل: نتنياهو لا يتحدث من حلق رئيس الولايات المتحدة. مر بلينكن في عدة دول عربية، وسمع هناك تخوفاً كبيراً من اجتياح بري. تلقى بايدن الضربات من جهات ليبرالية في الحزب، واتصل وزير الدفاع لويد بغالنت ليقول له إن الخطة مليئة بالثقوب، وأنه كان لطيفاً مقارنة بما تقوله عنها مصادر رفيعة المستوى في جهاز الأمن.

الإمكانية الثانية أيضاً كانت ستخلق جحيماً على الأرض؛ فحماس تجيد اللعب جيدا بالأوراق التي بين أيديها. فهي تطلق سراح أسرى على فترات، وهكذا تخلق أملاً في انتظار المزيد. وماذا إذا ما قالت غداً إنه لا صفقة شاملة، بل صغيرة فقط – عشرة رهائن مقابل الوقود الذي لا تريد إسرائيل إعطاءها إياه. وماذا إذا دخلوا وبدأت حماس تبث أعداداً للمخطوفين.

يتحدث مبعوثون إسرائيليون مع أمريكيين وقطريين أيضاً في محاولة لخلق صفقة سريعة على النساء والأطفال. هذا ذر للرماد في العيون. فإذا تعين على إسرائيل أن تدفع ثمناً، فسوف تطالب بطرد المحررين إلى دولة ثالثة، وليس إلى غزة. وهذا إجراء سيستغرق أشهراً. في هذا الوقت، سينتهي الائتمان الدولي وسنكون مطالبين بوقف النار عن غزة.

الإثنين كتبنا هنا، أنا وناحوم برنياع، أن لحظة الحسم في الأثمان التي ستدفعها إسرائيل ستأتي قريباً، سندفعها كلنا، حين “سيصوت كابينت الحرب بالإجماع”. ليته يعرف كيف يقرر، ويقرر بسرعة.

رونين بيرغمان

  يديعوت أحرونوت 26/10/2023



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية