صحيفة عبرية: على إسرائيل استغلال “إنجازات الحملة” بهدوء طويل في الجنوب

حجم الخط
1

تسعة أيام في حملة “حارس الأسوار”، ويخيل أن التحدي الإسرائيلي الأساس الآن لم يعد عسكرياً، بل أصبح سياسياً: كيف يمكن استخدام إنجازات الحملة بحيث تضمن هدوءاً طويلاً في الجنوب، بشكل يبث قوة ويمنع تصعيداً في جبهات أخرى.

مع أن الحملة لم تنته بعد، ولكنه بات واضحاً أن الجانب العسكري يميل بشكل جلي في صالح إسرائيل. أعدت حماس سلة كاملة من المفاجآت للمواجهة مع الجيش الإسرائيلي. من عمليات الأنفاق على الجدار، ومضادات الدروع، والقناصة، وعمليات حوامات، وأدوات تحت بحرية، وحتى شبكة الأنفاق المتطورة الرامية إلى توفير جواب لإمكانية دخول بري إلى القطاع وتوفير مأوى لنشطاء حماس.

كل هذا انهار تماماً تقريباً في الأسبوع الأخير. عملياً، المنظومة الوحيدة لحماس التي لا تزال تؤدي مهامها هي النار الصاروخية. وهنا أيضا نجح الجيش الإسرائيلي في أن يضرب بقوة بعضا من الوسائل، والجهد الآن هو لضرب وسائل إطلاق متعددة الفوهات تنتشر في أرجاء القطاع. وحسب التقديرات المختلفة، في بداية المعركة كان لحماس أكثر من مئة وسيلة إطلاق كهذه، (كل واحدة منها قادرة على أن تطلق بالتوازي إلى مسافات مختلفة بين 10- 20 صاروخاً) دمر نصفها. وتشرح هذه الإصابات جزءاً من الصعوبة النسبية لحماس في إطلاق صواريخ إلى مسافات بعيدة.

في الأيام الأخيرة كان واضحاً أن المنظمة الإرهابية تدير انضباطاً للنار أكثر تشدداً مما في بداية المواجهة مع إسرائيل؛ فإذا كانت في الأيام الأولى للمعركة أطلقت من غزة رشقات لمركز البلاد رداً على كل برج قصف في القطاع، فإن سياسة المنظمة الآن تغيرت والإطلاقات الاستراتيجية (ولا سيما إلى غوش دان) محفوظة كرد على أعمال شاذة للجيش الإسرائيلي. ومع ذلك، لا تزال لدى حماس قدرة نارية ذات مغزى، ولا سيما للمدى القصير، والتي جبت أمس ثمناً دمويا من عاملين تايلنديين من معمل في إحدى بلدات غلاف غزة. بقدر كبير ذكرنا هذا بنهاية حملة “الجرف الصامد”، حين قتل في يومها الأخير مواطنان بإصابة قذيفة هاون في كيبوتس نيريم.

يتركز الجهد العملياتي الآن في ثلاثة آفاق مركزية. الأول استمرار الإصابة المنهاجية للأنفاق التي حفرتها حماس. الثاني الإصابة لبنى تحتية إضافية، بما في ذلك مواقع الإطلاق، والقيادات ومنازل القادة في المنظمة. وتركز الأعمال أمس في خانيونس وفي رفح بعد أن تركزت في الأيام الأولى في شمال القطاع حيث توجد أساس قوة المنظمة، ومنها أطلقت أيضاً معظم الصواريخ الى أراضي إسرائيل.

الجهد الثالث هو إصابة مسؤولين كبار. يكرس الجيش والمخابرات لذلك وسائل عديدة، وواضح أن الهجمات المكثفة على شبكة الأنفاق دفعت بعضاً من كبار المسؤولين للعودة إلى العمل من فوق الأرض. ويفترض بهذا أن يسهل ملاحقتهم، لأن تحركاتهم العلنية نسبياً ستخلق معلومات أكثر تتيح العثور عليهم، ولكن محافل رفيعة المستوى قالت إن بعضهم يحيطون أنفسهم بمواطنين أبرياء ولا سيما بالأطفال، على أمل أن يشكلوا لهم درعاً بشرياً. يحرص الجيش الإسرائيلي على ألا يمسوا بما يسمى في اللغة المغسولة “غير مشاركين” ولكن قال أحد المصادر أمس إنه “يخطئ من يعتقد أنه سيحصل منا على الحصانة لوجود مدنيين من حوله”.

وكما أسلفنا، فإن وجع الرأس ينتقل الآن إلى الساحة السياسية. ومع أن الجيش الإسرائيلي تلقى الإشارة بأن الحملة مستمرة في المرحلة الحالية دون عراقيل أو ضغوط، ولكن ثمة تجري اتصالات لا تنقطع من خلف الكواليس لوقف القتال. أوضحت إسرائيل بأنها لن توافق على أي شروط لوقف النار، وأن شروط التسوية مع حماس لن تبحث إلا في المستقبل وفقاً للتطورات على الأرض. وهكذا فإن إسرائيل معنية بأن تعيد إدخال البضائع بالتدريج، وفتح مجالات الصيد ودخول العمال، وبعد أن يتضح بأن النار لن تتجدد لزمن طويل.

أما إذا استؤنفت النار مع ذلك (بما في ذلك إطلاق البالونات)، فسيطلب الجيش الإسرائيلي من القيادة السياسية تثبيت معادلة رد جديدة، بل الدخول الفوري إلى قتال مكثف متجدد. يعتقد الجيش بأن هكذا سيكون ممكناً الإبقاء على ردع قوي في غزة يصمد لزمن طويل. ومع ذلك، ليس واضحاً ما مدى إمكانية أن يلبى هذا الطلب؛ فثمة أفكار مشابهة تبحث أيضاً بعد حملات سابقة ولكنها اصطدمت دوماً بمصاعب مختلفة – من غياب الشرعية الدولية وحتى عدم الرغبة في إدخال سكان الغلاف والجمهور الإسرائيلي إلى قتال متجدد.

إلى جانب جهود إنهاء القتال بشكل يرفع الإنجاز العسكري والسياسي إلى الحد الأقصى، على إسرائيل أن تعمل كل شيء لصد الجبهات الأخرى التي تهدد بالانفجار. وقد عصفت الضفة أمس للمرة الثانية في الأيام الأخيرة، بما في ذلك عمليتان في الخليل وفي مفترق يهودا والسامرة. وفي الساحة الشمالية أيضاً لم يهدأ بعد إطلاق الكاتيوشا أول أمس من لبنان، والذي أضيف إلى سلسلة أحداث أخرى: حزب الله لم يدخل إلى النشاط ولكنه لا يحاول لجمه، الأمر الذي قد يدهور الطرفين إلى مواجهة غير مرغوب فيها.

أمس أيضاً، اعترض سلاح الجو طائرة مسيرة تسللت إلى إسرائيل في شمال البقاع. ومع أن الجيش امتنع عن إعطاء تفاصيل من أين أقلعت الطائرة، ومن المسؤول عن إطلاقها وما هي الشحنة التي حملتها، ولكن يمكن التقدير بأن العنوان موجود في طهران. إيران هي الوحيد التي تحوز قدرة من هذا النوع في المنطقة، ولديها مصلحة في إحراج إسرائيل ومحاولة المس بها. وكما يذكر في شباط 2018 اعترض سلاح الجو طائرة مسيرة أطلقها الإيرانيون من قاعدة في شمال سوريا. ومنذئذ، تبذل طهران جهداً واضحاً في هذا المجال، بل وتنقل طائرات مسيرة من أنواع مختلفة إلى عدد من مرعييها في المنطقة. أملت إسرائيل في أن يتيح استمرار القتال في غزة قطع الصلة بين المعركة في الجنوب، والجبهات الأخرى، مع التشديد على القدس والضفة. صحيح أن القدس هدأت في الأيام الأخيرة، لكن حماس لا تزال تعزو لنفسها إنجازات لا بأس بها في الساحة السياسية، وعلى رأسها تصدر الشارع الفلسطيني، وإعادة القضية الفلسطينية إلى جدول الأعمال، وإشعال المدن المختلطة في إسرائيل. في اليوم التالي لوقف النار، ستضطر لأن توازن بين الثمن الهائل الذي دفعته غزة بسببها وبين الزخم الذي تلقته في الساحات الأخرى. هذا الصراع بين خسارتها العسكرية والانتصار المدني سيقرر بقدر كبير الواقع المستقبلي في الجنوب.

بقلميوآف ليمور


إسرائيل اليوم 19/5/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية