صحيفة عبرية: في ولايته الثانية..هل ينجح “عاشق المستبدين” في إغراق أماكن النزاع بعقد الصفقات؟

حجم الخط
1

  لو كنت مواطناً أمريكياً لما انتخبت ترامب. فلا شيء في هذا الرجل، لا في قيمه أو سيرته أو سلوكه أو تعييناته، يثير فيَّ الحماسة. كمواطن فخور بدولة واحدة فقط، أجدني معفياً من المعضلة، ما يشغل بالي هو التأثير المحتمل لولاية ترامب على مصير دولتي. رغم كل التحفظات، أقترح: أعطوا ترامب فرصة.

الأمر قبل كل شيء، قد حسم. فقد انتخب ترامب بأغلبية مبهرة، وجرف وراءه حتى مجلسي النواب. في السنتين القادمتين، وربما أيضاً فيما بعدهما، قد يفعل ما يريد. فهو يتحكم بحزبه بلا جدال، وحزبه يتحكم بالسلطة التشريعية بلا جدال. والأغلبية في المحكمة العليا له، بفضل التعيينات التي أجراها في عهد ولايته السابقة. وجهاز القضاء ممنوع لمسه. حرية عمله كبيرة على نحو خاص في السياسة الخارجية، المجال في التقاليد السياسية الأمريكية متروك مسبقاً في أيدي الرئيس.

لا أحد يعرف ما سيفعل ترامب بالقوة الهائلة التي أعطيت له؛ ربما هو نفسه لا يعرف. آلاف الدبلوماسيين في كل العالم منشغلون الآن بكتابة برقيات عاجلة لحكوماتهم تحلل نوايا الرئيس الوافد. والتقديرات مبنية على أربع أقدام: تعييناته، الأشخاص المقربون من أذنه؛ غرائزه الأساسية؛ القيم التي له والتي ليست له.

أقترح على القارئ ألا يولي أهمية أكبر مما ينبغي للتعيينات؛ فترامب يرى في الخدمة الخارجية صندوقاً صغيراً يدفع منع الديون التي راكمها في حملة الانتخابات. هو ليس الرئيس الأول الذي يتصرف على هذا النحو. مايك هاكابي، السفير المرشح لإسرائيل، هو داعية إفنجيلي متزمت. تعيينه يفترض أن يفرح الإفنجيليين الذين صوتوا لترامب. ستيف ويتغوف، المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط، قطب عقارات، لا تجربة سياسية له.

كلاهما سيعانقان إسرائيل وحكومتها. قادة المستوطنين سيغرقانهما بدعواتهم إلى السبت. كل هذا سيفرح الكثير من الإسرائيليين، لكن عندما يرغب نتنياهو بفهم ما يريده البيت الأبيض، فسيبعث برون ديرمر إلى واشنطن.

القدم الثانية هي مقربوه. أبرزهم الآن إيلون ماسك، الرجل الأغنى في العالم. يرقص ماسك على طول الطريق إلى البيت الأبيض. ليس واضحاً ما يفعله برأيه الخاص وما الذي يفعله برأي ترامب، وكم من الوقت سيسلم ترامب بالاهتمام الذي يحصل عليه ماسك. قبل بضعة أيام، التقى السفير الإيراني سراً. إسرائيل تحفزت: ما الذي يعنيه هذا لما سيأتي؟

غرائز ترامب قد تكون العنصر الأهم؛ فهي تجذبه إلى الانعزالية، وهي في قلب “أمريكا أولاً”؛ شعاره. “أمريكا أولاً”، ثم العالم. يتباهى ترامب بأن أمريكا لم تشارك في الحروب طوال سنوات ولايته الأولى. هو لا يدقق في الحقائق، بل في النوايا. سيفعل أفضل ما يستطيع لمنع مشاركة عسكرية أمريكية في النزاعات العالمية. على الرغم من ذلك، يؤمن بوجود صفقة تنتظره وتنتظره هو فقط في أقصى طرف كل نزاع دولي، صفقة القرن؛ الصفقة نعم، أما الحرب فلا. من الشائق معرفة ما سيكون تأثير هذا الفكر على الحربين اللتين تقلقان العالم الآن – تلك التي في أوكرانيا وهذه التي في الشرق الأوسط.

كل ما يحتاجه ترامب في أوكرانيا هو وقف تدفق السلاح والمساعدات. سيتوصل مع بوتين إلى صفقة تبقي لروسيا قسماً من المناطق التي احتلتها. استفتاءات شعبية مهندسة ستوفر ما يشبه الشرعية لنقل السيادة. هولندا، ليتا، فنلندا ودول أخرى، ستعيد النظر في علاقاتها بالغرب، لكن الهدوء سيعود إلى وسط أوروبا، لزمن ما على الأقل.

يتمنى نتنياهو مشاركة أمريكية في هجوم على منشآت النووي في إيران. ما كان له من بايدن احتمال أن يتلقى جواباً إيجابياً، فهل يتلقى جواباً إيجابياً من ترامب الانعزالي؟ مشكوك جداً. بل المعقول هو افتراض أن يبدأ ترامب في تشديد الضغط الاقتصادي على إيران، وعندها يقترح صفقة على الإيرانيين.

المحطة السابقة نذكرها جميعاً: البيت الأبيض برئاسة ترامب، حاكى مع نتنياهو وديرمر ما سمي صفقة القرن. تضمن الصفقة ضماً لأجزاء من الضفة لإسرائيل. وأعلن نتنياهو عن الضم كحقيقة ناجزة، وعندها امتشق جاريد كوشنر، صهر ترامب، صفقة بديلة مع الإمارات، فأصبح الضم كأنه لم يكن.

القدم التالية في فهم ترامب هي القيم. منذ قيام إسرائيل زعماء في الدولتين يتباهون بالقيم المشتركة لأمريكا وإسرائيل: الديمقراطية، العدالة، سلطة القانون، حقوق الإنسان، التراث اليهودي – المسيحي؛ الكتب المقدسة. واقع الطرفين لم يؤكد الأسطورة، لكنها نجحت. حتى رئيس ما، يدعى بايدن، كان قد سمى نفسه صهيونياً وصدق هذا.

كل هذا لا يهم ترامب؛ فهو لم ينتخب ليدافع عن أنظمة ديمقراطية أو عن تراث مشترك. العكس هو الصحيح: الزعماء الأقوياء يسحرونه أكثر بكثير من الزعماء الديمقراطيين. والتوصل معهم إلى صفقة هو الأبسط. عندما قال نتنياهو لكلينتون وأوباما وبايدن بأنه متأسف، ويجد مصاعب في الائتلاف، اقتنعوا وتركوه لحاله. أما عندما يقول هذه الذريعة لترامب، فسيهزأ به. ترامب الجديد، المنتصر الأكبر، يسخر من الزعماء الضعفاء.

صفقة في لبنان، صفقة في غزة، صفقة في الرياض، صفقة في طهران، لعل هذا ما تحتاجه إسرائيل.

ناحوم برنياع

 يديعوت أحرونوت 18/11/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية