صحيفة عبرية: “قد نكسب 5 سنوات من الهدوء”.. هكذا تقيس إسرائيل نجاح معركتها مع حماس   

حجم الخط
0

سئل في هذا الأسبوع، ضابط كبير في الاحتياط شغل مناصب رئيسية في جميع المعارك الأخيرة التي شنتها إسرائيل على غزة ولبنان، عن تجربته الغريبة التي مر بها، عندما شاهد الأحداث على التلفاز للمرة الأولى من بيته. “لم أفهم قط تأثير بث التلفاز على المشاهد الإسرائيلي”، اعترف الضابط. “عندما كنا في ذروة الحرب لم يكن لدينا وقت لسماع ردود فعل الجمهور. كنا نركز على عملنا، لكن المشاهدين في البيوت يرون صوراً غير متناهية من مواقعنا التي ضربت بالصواريخ. وثمة بث قصير هنا وهناك عن أبعاد الهدم في غزة. الصورة التي ترتسم لديهم مختلفة كلياً”. مشكلة الجيش الإسرائيلي والحكومة لا يمكن أن تقتصر على الشرح، ولا يمكن أن تُحل إذا عين ناطق إعلامي وطني جديد في جولة القتال القادمة، على صيغة حاييم هرتسوغ أو نحمان شاي. تبادر إسرائيل كل بضع سنين لعملية جديدة في القطاع أو تجد نفسها مجرورة إليها. الفجوة بين الأهداف المحدودة التي يريد الجيش تحقيقها وبين الانتصار الحاسم الذي يريده الرأي العام تبقى كبيرة. في زياراتي هذا الأسبوع إلى غرف عمليات قيادة الأركان وقيادة الجبهة الجنوبية وفرقة غزة، التقيت عشرات الضباط والجنود النظاميين ومن الاحتياط الملتزمين بشكل كامل بتنفيذ المهمة.

طور الجيش الإسرائيلي القدرات الدفاعية بواسطة الحاجز ضد الأنفاق وبطاريات اعتراض القبة الحديدية، وعزز آلة الدمار الهجومية التي أقامها والتي تعتمد على قدرات تكنولوجية واستخبارية متطورة.

ولكن كل ذلك لا يعطي في الظروف الحالية انتصاراً أو حتى ما يشبه الانتصار. ليس غريباً أن يصاب الجمهور الإسرائيلي الذي شبع من جولات قتال باهظة الثمن وعديمة الجدوى، بالإحباط. الشعور بالاستنزاف يضاف إلى الإحباطات التي تركتها سنة كورونا. نجحت حماس في تصدير روتين صافرات الإنذار الليلية إلى “غوش دان”. وحصل سكان وسط البلاد على وجبة صغيرة مما يمر على سكان الجنوب طوال العشرين سنة الأخيرة.

في غرف العمليات العسكرية المكيفة، فوق الأرض وتحتها، لا يسمعون صدى القتال، وبصعوبة يدركون تداعياته في الخارج. السياق السياسي خلف توجيهات الحكومة بعيد تماماً عن الخطاب. الانتقاد في الداخل لا يتسرب عبر طبقات الإسمنت. وعدم الرضى المتزايد في الغرب من قصف سلاح الجو للتجمعات السكانية المدنية في غزة يشبه ضجة عامة لرعد بعيد.

يعد الجيش أكثر من 100 مخرب قتيل آخر إلى جانب البيانات الرسمية الفلسطينية (230 قتيلاً حتى ظهر أمس، نصفهم تقريباً من المدنيين). ومن هم هناك يدركون أن المعركة بدأت بشكل مفاجئ بالنسبة لإسرائيل، ووضعتها من البداية في موقف متخلف. انحرفت حماس عن توقعات مسبقة للاستخبارات العسكرية عندما أطلقت الصواريخ نحو القدس. ومنذ ذلك الحين، ما يفعله الجيش الإسرائيلي هو ملاحقة حماس التي اختبأ قادتها تحت الأرض.

أدارت إسرائيل في غزة معركة ردع وليس معركة حسم، هدفها التسبب بأضرار شديدة للتنظيمات الفلسطينية وقدرتها العملية بصورة تجعلها تمتنع عن إطلاق آخر على إسرائيل في السنوات القريبة القادمة. رئيس قسم العمليات في هيئة الأركان، الجنرال أهارون حليوه، وهو شخص متفائل جداً، قال في هذا الأسبوع إن خمس سنوات من الهدوء ستعتبر نجاحاً. ولكن نجاح معركة كهذه يقاس فقط بطول الوقت وليس برفع علم على بقعة متخيلة على رمال غزة. لن يكون هنا انتصار واضح ومدو، ولا يهم كم المراسلين الذين سيجندون لتسويقه.

عملية “حارس الأسوار” التي كان يتوقع أن تنتهي فجر اليوم، تبقي مسألة معالجة التعزز العسكري لحماس مفتوحة. من عملية إلى أخرى سجل خط متواصل من التطور في المدى وفي العدد وفي قدرة ترسانة الصواريخ التي بحوزة حماس. هل هذا يبرر عملية إسرائيلية مبادراً إليها وشاملة، التي يتم التوصل بعدها إلى نزع سلاح كامل لغزة؟ بصورة لافتة للنظر؟ حتى اليمين المتطرف لم يطلب هذه المرة احتلال القطاع بعملية برية، التي يوجد لنتنياهو في هذه الأثناء حد أدنى من الاعتماد الجماهيري للقيام بعمليات مختلف عليها. يصعب القيام بعملية عسكرية خطيرة، تتضمن عدداً كبيراً من المصابين، عندما لا يثق نصف السكان بأي كلمة تقولها، بل ويشك في أنك قمت بصورة متعمدة بتسخين التوتر في القدس لأهدافك السياسية الشخصية.

زمن الإصابات

منذ اللحظة التي اتصل فيها الرئيس الأمريكي بايدن بنتنياهو للمرة الرابعة أول أمس بعد الظهر، دخلنا في زمن الإصابات. كان الطلب الذي عرضه بايدن على إسرائيل في هذه المرة قاطعاً، وهو التوصل إلى تهدئة فورية. حاول نتنياهو في تصريحاته العلنية وفي تسريبات لمقربين الحفاظ على كرامته. وقيل لنا إن الجيش الإسرائيلي سيواصل العملية لأن هناك أهدافاً يجب تحقيقها. عملياً، العد التنازلي بدأ، وأمس قرر الكابنت دخول وقف إطلاق النار إلى حيز التنفيذ في الساعة الثانية فجراً. التغيير الذي أحدثه بايدن في الصورة الاستراتيجية هو تغيير ضخم. كان الأمر مع الصديق ترامب شيكاً مفتوحاً لنتنياهو من الأمريكيين لاستخدام القوة كما يشاء. بايدن الذي هو مؤيد بارز لإسرائيل، صمد أكثر بقليل من أسبوع. في المحادثة الرابعة وضع نوعاً من الإنذار لنتنياهو، الذي فهمه الأخير بشكل جيد. ولأن عدد المصابين في الجبهة الداخلية الإسرائيلية غير مرتفع، كانت الاستجابة للطلب الأمريكي سهلة نسبياً. ولكن سيطرح السؤال في المستقبل: كيف ستتصرف الإدارة الحالية في حالة حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله. هل ستطلب الولايات المتحدة من إسرائيل وقف القصف الثقيل أو القيام بعملية برية عندما تتوجه آلاف الصواريخ من لبنان، التي جزء منها دقيق؟

سبق رسالة بايدن المتشددة محادثات تلطيف من رجالاته مع وزير الدفاع ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في إسرائيل. وبثت الإدارة طوال المواجهة تفهماً ودعماً لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وتواصل وزارة الدفاع الدفع قدماً بعملية مصادقة على بيع السلاح الدقيق (قذائف جي. دام) لسلاح الجو. لأن الجيش الإسرائيلي سيحتاج إلى ملء المخازن عند انتهاء العملية.

في المقابل، يدعو أعضاء كونغرس من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي إلى حظر السلاح على إسرائيل بشكل علني. هذه ظاهرة قد تتسع في جولات القتال القادمة. لنتنياهو دور كبير في ذلك، بسبب إظهاره التماهي الكامل مع أعمال ترامب الجنونية واستخفافه بالديمقراطيين طوال سنوات. وأكثر مما يحدث في غزة، تكمن التداعيات الحقيقية هنا بعيدة المدى لأحداث الأسابيع الأخيرة. وبالقدر نفسه، التطورات مقلقة داخل الخط الأخضر. في هذا الأسبوع برز توجه لكبح العنف في المدن المختلطة، لكن الجنون السياسي العنيف الذي يمر على إسرائيل في كل واحدة من المعارك الأخيرة، بقي على حاله. وزير الدفاع، بني غانتس، يكثر من التجول في هذه الأيام في وحدات الجيش الإسرائيلي التي تشارك في القتال والتحدث مع الجنود. الأسئلة التي توجه إليه تكرر نفسها في كل زيارة: ماذا نفعل مع عدم الاستقرار والكراهية داخل المجتمع الإسرائيلي؟

هذا ما يقلق الجنود بالأساس. نأمل بأن يتذكر غانتس ذلك عندما يأتي العرض المغري من نتنياهو بنسيان كل ما حدث في السنتين الأخيرتين وينضم إليه أيضاً في حكومته القادمة.

       أرض بعيدة

في تشرين الأول 2020 التقى رئيس الأركان، أفيف كوخافي، مع قادة لواء المظليين النظامي عشية بدء مناورة كبيرة لقيادة هيئة الأركان. في خطابه، أوضح كوخافي للضباط بأن الانتصار الحقيقي في الحرب يتحقق فقط عندما يكون مقروناً بعملية برية. “عندما تسأل نفسك ما الذي تريده الدولة وما الذي يريده الجيش، كيف يريد الجيش إنهاء الحرب بشكل ناجح؟ تكون الإجابة بسيطة – إنجاز كبير في وقت قصير وبثمن منخفض”. يبدو أنه تطرق بشكل مباشر إلى طبيعة المواجهة المستقبلية في القطاع. “لا يمكن تحقيق إنجاز ضد الأعداء بدون الحرب البرية، أو دخول كثيف للقوات”، أضاف رئيس الأركان. “لا توجد احتمالية لتحقيق 50 – 60 في المئة من التدمير (لأهداف العدو) بدون أن تدخل القوات البرية إلى الداخل”.

لم يحدث هذا، لأن الجيش الإسرائيلي استخدم معركة محدودة قام بها بطريقة قتال مضاد “ستاند – أوف”. العملية البرية الوحيدة التي سجلت كانت قصيرة جداً، صغيرة في أبعادها واستهدفت بالأساس حاجات التضليل. في ليلة 14 أيار، حرك الجيش الإسرائيلي قوة من الدبابات والمدرعات على طول حدود القطاع دون اقتحامها مادياً. كان يمكنها أن تحث حركة القوات أعضاء حماس على الدخول إلى الأنفاق تحت الأرض باعتقادهم أن عليهم الاختباء من اقتحام إسرائيلي.

فعلياً، كانت عملية تمهيدية لقصف الأنفاق في إطار عملية “جنوب أزرق”. في نسختها السابقة عندما كان اسمها “ضربة البرق”، كان الهدف اصطياد المئات، إذا لم يكن الآلاف، من المخربين تحت الأرض بقصف دقيق لسلاح الجو الذي سيدمر نظام “المترو”، شبكة الأنفاق الدفاعية التي حفرتها حماس.

في الصباح الذي سبق القصف، صودق على العملية رغم أنه كان واضحاً أن نتائجها ستكون محدودة أكثر. اعتقدت قيادة الجبهة الجنوبية أن عمليات القصف الأربع السابقة للأنفاق، التي أصيب فيها قادة حماس ورجال أبحاث وتطوير للسلاح ومقاتلو النخبة الهجومية، قد أوصلت قادة حماس إلى الاستنتاج بأن الاستخبارات الإسرائيلية حلت لغز شبكة الأنفاق، وأن سلاح الجو يستطيع ضربها بشكل دقيق تحت الأرض. كانت التعليمات بالعمل رغم الافتراض بأن عدد قتلى العدو سيكون أقل بكثير مقارنة بالتوقعات الأصلية. وقال الجيش الإسرائيلي بأن القصف حرم حماس الشعور بالأمن، ولن يشعر القادة والنشطاء بأنهم سيكونون محصنين من الضرب الإسرائيلي وهم تحت الأرض. ومهما كان الأمر، لم تكن عملية “جنوب أزرق” في إطارها الحالي كاسرة للتوازن الذي كان الجيش الإسرائيلي يأمل في تكونه. وبعد ذلك لم تظهر حماس أي علامات على الانكسار.

كلما استمر القصف من الجو كان من الأصعب على الجيش الإسرائيلي الامتناع عن المس بالمدنيين الفلسطينيين. تعليمات “الضرر الجانبي”، ودرجة المخاطرة المسموح أخذها للمس بالمدنيين، ما زالت حتى الآن في الجانب الأقل تساهلاً للمقياس. ولكن أعضاء حماس عرفوا أنهم دائماً مستهدفون وزادوا من طبقات الحماية البشرية حولهم.

في الخلفية، كان يتشكل الظل المهدد لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي. في شباط الماضي قررت هذه المحكمة أن من صلاحيتها التحقيق في شبهات بارتكاب جرائم حرب نفذتها إسرائيل، والفلسطينيون ضد بعضهم. هناك فجوة بين اللهجة الهجومية التي تتحدث بها قيادة الدولة عن القرار بصورة رسمية ودرجة الخوف التي يتم التعبير عنها في النقاشات الداخلية.

في خطاب آخر ألقي قبل بضعة أيام من صدور قرار المحكمة، في معهد بحوث الأمن القومي، عرض رئيس الأركان نظرة جديدة على قوانين القتال. “علينا تغيير النموذج لاستخدام القوة العسكرية بصورة صحيحة وأخلاقية في عهد ساحة القتال في الفضاء الحضري”، قال. “في ساحة القتال حدث تغيير عميق جداً. اختار العدو أن يموضع نفسه وصواريخه وقذائفه في الفضاء الحضري. هو يتجاهل القانون الدولي بشكل متعمد.

“مبدأ التوازن يتحدث عن علاقة متوازنة بين الميزة العسكرية المتوقعة كنتيجة للهجوم وبين الضرر الجانبي الذي سيلحق بالمدنيين جراء الهجوم. هنا بالضبط يكمن لب التغيير الذي يجب القيام به. الكلمة التي يستخدمونها بالعبرية هي “تناسب”. هذه الكلمة أخذت تعبيراً ونغمة وتنوعاً بالحد الأدنى من الحذر. أقترح تسمية ذلك بالعبرية “نسبية”. وتعالوا الآن نتحدث عن النسبية التي بين الضرر الجانبي الذي سيلحق بسبب هجومنا وبين الميزة العسكرية المتوقعة من ذلك الهجوم. وإن مهاجمة جهاز إطلاق منفرد، موجود في غرفة داخل بيت في لبنان، ستمنع المس ببيت يتكون من الشقق وسيمنع إصابة العشرات من مواطني دولة إسرائيل. من واجبنا مهاجمة جهاز الإطلاق هذا، ومن واجبنا مهاجمة جميع أجهزة الإطلاق وجميع الصواريخ التي نشخصها في هذه الفضاءات. هذا هو المطلوب منا وهذا هو دورنا وهذا هو هدفنا”.

بقلمعاموس هرئيل

 هآرتس 21/5/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية