صحيفة عبرية لإسرائيل وقضاتها: لا تتمسكوا بقانون عنصري متطرف واتركوا سكان الشيخ جراح في بيوتهم

حجم الخط
1

بين حين وآخر ينشر في وسائل الإعلام عن محاكمة مدنية أخرى بين عائلة فلسطينية معينة، وجمعية يمينية معينة، حيث تدعي الجمعية أن البيت الذي يسكنه الفلسطينيون في حي الشيخ جراح يعود “لها”، لذلك يجب أن يصدر ضدهم أمر إخلاء البيت. الكثيرون لا يعرفون أين يقع حي الشيخ جراح (على بعد حوالي ثلاثة شوارع عن وزارة العدل في شرقي القدس)؛ والقليلون يهتمون بالمظاهرات التي تجري هناك كل أسبوع منذ سنوات. كل الحدث، إجراء مدني يجري في المحكمة المركزية في القدس، يثير التساؤل: ما شأننا نحن الجمهور بنزاع مدني شخصي، كما يبدو، بين جمعية يهودية وعائلة عربية؟

ولكن هذا النزاع يهبط إلى جذور العلاقة المريرة المشبعة بالدماء بين دولة إسرائيل والشعب الفلسطيني. وحماس طرحت أيضاً طلب عدم إخلاء العائلات من الشيخ جراح كشرط لوقف فعلي للعنف الحالي. لذلك، ولهذا السبب، من الجدير معرفة عما يدور الحديث وفحص كيف يمكن حل هذه المعضلة.

في العام 1950 تم سن قانون “أملاك الغائبين” الذي يحدد طريقة لنقل الأراضي التي كانت بملكية الفلسطينيين، الذين كانوا يعيشون في إسرائيل قبل قيام الدولة وخرجوا منها إلى أراضي العدو (لذلك، تعتبر “أملاك غائبين”)، ونقلها لسلطة التطوير. بهذه الطريقة تم نقل أملاك الفلسطينيين الغائبين لليهود. حسب المحكمة العليا، حدث هذا بهدف تطوير البلاد من جهة، والحفاظ على الممتلكات لصالح أصحابها من جهة أخرى، إلى أن يكون هناك اتفاق سلام بين الشعبين. شكلت سلطة التطوير، خلف الكلمات الجميلة، قناة لنقل الملكية على آلاف الدونمات التي تعود للفلسطينيين إلى أيدي يهود.

مكّن قانون “أملاك الغائبين” من أخذ البيوت التي تركها الفلسطينيون في العام 1948 في غربي القدس (مثل الطالبية ورحافيا والبقعة) وإسكان يهود فيها، لأن المحكمة العليا قررت في حينه أن هذه الممتلكات لن تعود إلى أصحابها إلا بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع الشعب الفلسطيني. ومنذ ذلك الحين، وعائلات يهودية كثيرة تعيش في هذه البيوت.

في موازاة ذلك، عدد من السكان العرب الذين تركوا بيوتهم في غربي القدس وأصبحوا لاجئين، حصلوا من القيم الأردني على أملاك الغائبين على تصريح بالدخول إلى بيوت كانت في حوزته في حينه في الشيخ جراح والعيش فيها. هكذا حدث نوع من “التبادل” بين اليهود والعرب في أعقاب صراع قومي، حيث إن كل عمليات “التبادل” هذه هي كما يبدو مؤقتة في جوهرها القانوني. ولكنها صحيحة وسارية منذ 73 سنة.

في العام 1967 احتلت إسرائيل الضفة الغربية، وأعلنت على جزء منها، الذي يشمل نحو 28 قرية فلسطينية، أنه جزء من “القدس” وسمت المنطقة “القدس الشرقية”. في العام 1970 قامت إسرائيل بسن قانون ترتيبات القضاء والإدارة في القدس الشرقية، وقررت فيه أن سكان شرقي القدس العرب لا يعتبرون غائبين بالنسبة لممتلكاتهم الموجودة في القدس الشرقية. ولكن في المقابل، نص القانون على أن الممتلكات التي تم وضع اليد عليها حتى ذلك الحين من قبل القيم الأردني على أملاك الغائبين، أي الأملاك التي كانت قبل 1948 في أيدي اليهود وبعد ذلك سكن فيها فلسطينيون، يمكن أن تنتقل إلى أيدي أصحابها اليهود الأصليين.

هكذا أوجدت إسرائيل مساراً قانونياً يمكن من خلاله إخراج السكان الفلسطينيين من البيوت التي سمح لهم بالعيش فيها من قبل القيّم الأردني، وذلك بدون تعويض مناسب أو عن طريق العودة إلى أملاكهم القديمة التي يعيش فيها يهود في غربي المدينة. باختصار، إسرائيل رسمت طريقاً قانونية تمكن من حرمان الفلسطينيين الذين لديهم حقوق ملكية في شرقي القدس من حقوقهم بدون أي سبب وبدون تعويض، ثم رمي هذه العائلات من بيوتها التي عاشت فيها منذ سبعين سنة وأنشأوا فيها وربوا عائلات، ورميهم إلى الشارع دون ذنب اقترفوه.

لذلك، لا مناص من القول بأن قانون “ترتيب القضاء والإدارة” الصادر في 1970 هو قانون معيب ويمس بحقوق الإنسان الأساسية بصورة شديدة. هو قانون غير أخلاقي، وللوهلة الأولى أيضاً غير دستوري لأنه يمس بصورة شديدة بهؤلاء الفلسطينيين، وكل ذلك على قاعدة عنصرية قومية متطرفة – عرقية.

في هذا السياق، من الجدير التذكير برسالة أرسلها المستشار القانوني للحكومة، مئير شمغار، إلى إدارة أراضي إسرائيل في تاريخ 18/8/1969: “لم نجد أي مبرر موضوعي لوضع اليد على الممتلكات، التي أصبحت أملاك غائبين في وقت تحول فيه صاحب الملك – الذي هو من سكان يهودا والسامرة، إلى شخص يقع تحت سيطرة سلطات حكومية إسرائيلية. بكلمات أخرى… لأن الملك لم يكن أملاك غائبين قبل يوم من دخول قوات الجيش الإسرائيلي إلى شرقي القدس، ولم يكن ليتحول إلى أملاك غائبين لو ظل شرقي القدس جزءاً من يهودا والسامرة- لم نجد أي مبرر ليكون ضم شرقي القدس هو وحده الذي سيؤدي إلى نزع ملكية شخص هو في الحقيقة غير غائب، بل موجود في ذلك الوقت الذي وصلت فيه أملاكه إلى أيدينا في حدود سلطة قوات الجيش الإسرائيلي”. المستشار القانوني للحكومة في حينه، مني مزوز، أصدر تعليمات في بداية 2005 تقتبس رسالة المستشار شمغار في حينه، وقال: “كقاعدة، يجب أن لا يتم استخدام الصلاحيات حسب القانون فيما يتعلق بالأملاك مدار الحديث باستثناء ظروف خاصة وخاضعة لمصادقة مسبقة من المستشار القانوني للحكومة أو من يفوضه بذلك”.

رغم هذه التعليمات، فقد احترم عدد من المحاكم اللوائية هذا القانون الظالم وسمحت بـ “تحرير” الأملاك في الشيخ جراح وتحويلها إلى أيدي أصحابها الأصليين أو ورثتهم، أو إلى صناديق ومنظمات مختلفة، ووجدت الأملاك طريقها إلى أيدي جمعيات يمينية تعمل كل ما في استطاعتها، مع استخدام ادعاءات من القانون المدني، ضد العائلات الفلسطينية المرشحة للطرد. وإن إعادة التاج اليهودي إلى مجده السابق دون السماح للتاج العربي بالعودة إلى ما كان عليه أو دفع تعويضات عنه، يعد عملاً تمييزياً محظوراً على أسس عرقية تفوح منه رائحة العنصرية.

في العام 2015 حدث شيء؛ فقد ناقشت المحكمة العليا استئنافاً قدمه داود خطاب حسين، تناول مسألة غياب سكان يهودا والسامرة بالنسبة لممتلكاتهم في شرقي القدس. إزاء ذلك، ناقشت المحكمة العليا سريان القانون الظالم الصادر في 1970 وقررت أنه لم يكن بالإمكان سن هذا القانون الآن لأنه، للوهلة الأولى، قانون غير دستوري يمس بحق الملكية الذي هو حق دستوري محمي في إسرائيل. وقررت أن نشاطات معينة حسب القانون الظالم، إذا جرت بشكل عام، تقتضي مصادقة محددة من لجنة وزارية ومصادقة المستشار القانوني للحكومة. وقررت أيضاً أن القانون الظالم هو نوع من الفتوى التي لا مثيل لها.

ولكن تصنيف النشاطات المذكورة أعلاه كان مقتصراً من قبل المحكمة على الظروف المعروضة على نفس الهيئة القضائية في القضية نفسها، أي فقط فيما يتعلق بسريان القانون الظالم تجاه سكان الضفة الغربية، ولم يتضمن أي شيء مثل “موافقة اللجنة الوزارية والمستشار القانوني للحكومة” بالنسبة لسكان شرقي القدس. في قيد آخر قضت المحكمة العليا بأن الإجراءات المتخذة بموجب نفس القانون هي إجراءات صحيحة طالما أنها اتخذت قبل صدور قرار الحكم في العام 2015. لذلك، ورغم موقف المحكمة العليا المتردد بشأن القانون الظالم، فإن الأفعال التي ارتكبت قبل العام 2015 تبقى سارية.

المحكمة العليا غير مخولة بمد يدها إلى هذا النشاط الظالم والمعيب. وعليها أن تسير في المسار الذي رسمته هي نفسها منذ زمن ومنع إصدار أمر إخلاء للسكان الفلسطينيين في الشيخ جراح، دون صلة بالظروف المحددة لكل طلب من طلبات الإخلاء. والعيب الذي وجدته المحكمة في القانون بالنسبة لسكان الضفة الغربية، يسري أيضاً بالنسبة لسكان شرقي القدس، ومنهم سكان الشيخ جراح. بالنسبة لهؤلاء السكان الذين يعيشون في المنطقة التي ضمتها إسرائيل، لا يمكن حتى الاختباء خلف قصص وهمية حول اعتبار قانون أملاك الغائبين مؤقتاً. والتغيير الذي يمكن أن يحدث عند حدوث تسوية، حيث قامت إسرائيل بسن قانون أساس: القدس، وتدعي أنها فرضت سيادتها عليها. لذلك، يجب التقرير بأن أي أمر إخلاء يتم إصداره الآن هو إجراء قانوني جديد مطلوب القيام به بعد العام 2015 واستند إلى نفس القانون الظالم. وإصدار أمر إخلاء بقوة قانون ترتيبات القانون والإدارة الصادر في العام 1970 يتناقض مع قرار المحكمة العليا الصادر في 2015.

نفس النتيجة يمكن التوصل إليها بطريقة أخرى. فأمر إخلاء كهذا يجب أن يلبي طلبات القانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته، لأن الأمر يعتبر إجراء جديداً لم يتم إصداره بعد. لذلك، تم بعد العام 2015. وإذا ما تم إصدار هذا الأمر فلن يخدم أي هدف مناسب ولن يكون متزناً. لهذا، لن يكون له أي سريان قانوني.

بكلمات أخرى، المحكمة العليا غير مضطرة للمشاركة في فعل ظالم، فلديها طرق للامتناع عن ذلك، وعليها الامتناع عن فعل عمل معيب يلحق العار بدولة إسرائيل وبصورتها الأخلاقية والقيمية وبجهاز القضاء. وهذه أيضاً مصلحة بارزة لدولة إسرائيل من ناحية مكانتها في أوساط شعوب العالم. والطريقة الأكثر نجاعة لمنع حماس من تحقيق مصالحها على ظهر سكان الشيخ جراح وتشجيع العنف وسفك الدماء هي السماح للسكان بالبقاء في بيوتهم.

بقلمتاليا ساسون

 هآرتس 21/5/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية