رون بن يشاي
صفقة تحرير المخطوفين مقابل وقف القتال الذي يريده ترامب، تصطدم بمصاعب تهدد بتفجيرها، لكنه يتسارع نحو اليوم التالي. الرئيس الوافد، كما يخيل، يؤمن بأن ما لا يحققه في المئة يوم الأولى من ولايته، سيصعب عليه تحقيقه لاحقاً.
خطة “إخلاء – بناء” التي طرحها السبت، فكرة صحيحة، كحل ممكن لمسألة “اليوم التالي” ولتحييد ضائقة الغزيين الاقتصادية التي تبقي دافعهم للمس بإسرائيل. إعادة بناء غزة بدون أغلبية سكان القطاع كما يقترح ترامب، لن تسمح لحماس ومنظمات الإرهاب الأخرى العاملة في القطاع بناء بنى تحتية إرهابية كالأنفاق ومنصات لإطلاق الصواريخ المدفونة في ظل إعادة بناء القطاع.
1.9 مليون من بين 2.2 مليون فلسطيني في غزة، يسكنون في المنطقة على شاطئ البحر، التي هي ربع مساحة القطاع في بيوت متهالكة وخيام. عندما يعود النازحون من شمال القطاع إلى بيوتهم ويجدون جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا مدمرة تماماً، سيقيمون مآويهم هناك، وسيكون هذا أسوأ بكثير لغياب البنى التحتية والمسائل الصحية بالحد الأدنى.
إلى جانب ذلك، ليس واضحاً بعد إذا كان ترامب ورجال إدارته درسوا الفكرة مع حكومة إسرائيل ومع دول مثل قطر والإمارات والسعودية، التي يفترض أن تمول المشروع. لكن الواضح أن فكرة إعادة التموضع لجزء هام من سكان القطاع إلى مكان آخر إلى أن تبنى، بحثتها الإدارة الجديدة حتى قبل أن يؤدي ترامب اليمين القانونية رئيساً. والآن، يبدو أن ترامب يقصد بجدية كبيرة خطة “إخلاء بناء” غزة، بل وتحدث مع ملك الأردن، وسيتحدث فيه مع رئيس مصر.
مع ذلك، نعلم من حديث ترامب مع الصحافيين السبت، أن ملك الأردن لم يعطِ رداً إيجابياً، لكنه لم يرد بالسلب أيضاً؛ ربما لأنه تخوف من إغضاب الرئيس الأمريكي. لكن كل الجهات العربية، المشاركة أو الكفيلة بأن تكون مشاركة في هذه الخطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، ستعارضها.
في إسرائيل تأييد للفكرة لأنها تتيح تأجيل حل مسألة الحكم المدني في غزة إلى بضع سنوات على الأقل، تتواصل فيها أعمال إعادة البناء للقطاع بشكل يسمح لإسرائيل بالإشراف على البناء من جديد، بحيث لا يستغل لإقامة بنى تحتية عسكرية لمنظمات المخربين من تحت ومن فوقها. إضافة إلى ذلك، فإنها تسمح لإسرائيل بالتأثير على مبنى القطاع وعلى ترتيبات الأمن فيه، ناهيك عن المرابح التي ستكون نتيجة توريد المواد وعبور البضائع لإعمار القطاع عبر موانئ إسرائيل ومعابر الحدود مع غزة.
لكن معظم الغزيين، كم يفترض الاعتقاد، وكذا الفلسطينيون في الضفة، سيعارضون الفكرة بكل قوة. منذ بداية المناورة البرية، ادعى الفلسطينيون، بمن فيهم رجال سلطة أبو مازن وحماس، بأن هدف الحرب الإسرائيلية في القطاع هو دفع الفلسطينيين للهجرة منه لإدخال مستوطنين إسرائيليين للاستيطان فيه. هذا الادعاء كان أحد المعاذير التي استخدمتها مصر كي لا تسمح للاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا عن مناطق القتال في القطاع للفرار والسكن في مخيمات لاجئين تبنى لهم في شبه جزيرة سيناء، في المنطقة القريبة من رفح المصرية.
وعليه، ربما نتوقع ألا يرى الفلسطينيون في فكرة إعادة التموضع التي طرحها ترامب فكرة إيجابية، بل محاولة فظة لنفيهم إلى الأبد عن أرضهم أو ما يسمونه الآن “نكبة ثانية”. ترامب كرجل عقارات وكذا مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، رجل عقارات هو أيضاً، يريان في خطتهما مشروعاً يهدئ المنطقة ويجني أرباحاً جميلة لمن يمولها وينفذها، بما في ذلك تركيا مثلاً. لكن الفلسطينيين الذين لا يزال يتذكرون ما يسمونه “النكبة الأولى” التي أرسلتهم إلى مخيمات لاجئين في دول وأرجاء الشرق الأوسط لن يوافقوا. وإذا لم يكن هذا بكاف، فمن المتوقع أن يخربوا حتى مسيرة إعادة البناء للقطاع، رغم أنها في صالح أبناء شعبهم.
ملك الأردن هو الآخر، الذي لم يعرب عن معارضة واضحة في حديثه مع ترامب، قد يعارض الخطة كونها ستهدد الاستقرار الديمغرافي بين البدو والفلسطينيين في دولته. ثمة أغلبية للاجئين الفلسطينيين الذين استقروا في الأردن على القبائل البدوية التي أقام البريطانيون لهم في إطار اتفاقات سايكس بيكو، المملكة الهاشمية. إضافة إلى ذلك، فإن الأردن الذي استوعب لاجئين من العراق، ونحو مليون لاجئ من سوريا في العقد الحالي، ينهار تحت العبء. كما أن مسألة نقل الغزيين إلى الأردن معقدة، لأن الحل الأردني ليس قابلاً للتنفيذ.
بالمقابل، إن إقامة مخيمات لاجئين مؤقتة في أراضي سيناء، أي في المنطقة التي هي تحت سيادة مصر، تبدو أكثر منطقية. فإذا أقيمت مخيمات لاجئين كهذه في منطقة رفح وبين رفح والعريش، فهذا سيسمح للغزيين أن يكونوا قريبين من القطاع ويهدئ مخاوفهم من سلب أراضيهم. كما يمكنهم أن يشاركوا في أعمال الإعمار والربح. لكن مصر ورئيسها السيسي، يرفضون بشدة الموافقة على انتقال الفلسطينيين إلى أراضيهم. مصر، التي فيها 112.7 مليون مواطن، معظمهم فقراء، لا تحتمل مزيداً من الأفواه لإطعامهم، ناهيك عن أن الفلسطينيين يعتبرون مثيري مشاكل مهنيين ومحبين للإخوان المسلمين الذين يرى فيهم الرئيس السيسي وكبار مسؤولي رجال نظامه وجيشه عدواً وتهديداً حقيقياً على النظام.
حماس، التي هي حركة فرعية للإخوان المسلمين، يفضل المصريون أن يروها خلف جدار عال يقام في محور فيلادلفيا داخل قطاع غزة، وليس في أراضيهم، رغم أن مئات الكيلومترات تفصل بين شمال سيناء ومصر. المصريون يرون في الفلسطينيين تهديداً على استقرار النظام وعبئاً اقتصادياً، وحتى لو وعدهم ترامب بمليارات الدولارات التي سيتلقونها من السعودية والإمارات وقطر فلن يرغب السيسي باستقبال مليون ونيف من الفلسطينيين في بلاده. ربما يفضل الغزيون مخيمات لاجئين “محلية” في أراضي القطاع قرب البلدات والقرى التي يعاد بناؤها يطمئنهم بأن لا أحدا يغزو أراضيهم وبيوتهم وبأنهم سيعودون إليها ما إن ينتهي البناء.
يديعوت أحرونوت 27/1/2025