حين أكتب هذه السطور ثمة رائحة حرب تحوم في الهواء مرة أخرى. الخميس مساء يفترض بنا أن نستقبل مجموعة أخرى من المخطوفين. قد تضمن عودة بلينكن وزير الخارجية الأمريكي إلى المنطقة يوماً آخر لنا، 10 مواطنين ومواطنات آخرين نجوا. هذا كثير، لكنها ليست نهاية الطريق. إذا لم يحدث تغيير في اللحظة الأخيرة فستستأنف النار. الصيغة التي سمحت للأطفال وأمهاتهم بالخروج مقابل وقف النار وتحرير سجناء خفيفين نسبياً، استنفدت نفسها، بعضها بالتحرر إلى البلاد، وبعضها بطريقة مأساوية.
الجدال الدائر حول ما الذي أدى إلى الإنجاز في الجانب الإسرائيلي، هل هو تأييد وزيري الكابينت غانتس وآيزنكوت لوقف النار وضغط العائلات والرأي العام على الحكومة، أم الضغط العسكري في الميدان والمواقف الفاعلة ليوآف غالانت وقيادة الجيش؟ كان جدالاً مسموحاً به في سبيل تحرير المخطوفين: كان الصراع على الطريقة. ولم يحسم ولم ينته.
كان السنوار مطالباً الآن بتحرير الصنف التالي: نساء شابات ورجال مسنين. لكنه رفض الخميس صباحاً – مع إشارة جانبية: ففي القائمة التي رفعت في إسرائيل، أدرجت ثلاث نساء شابات مخطوفات من حفلة “نوفا”. فهل كان ضمهن يشكل دعوة لما سيأتي؟ من الصعب معرفة ذلك.
حسب الوسطاء، هو يرى في النساء بعمر 40 فما دون، قوة مقاتلة. ربما يخشى مما سيروينه عند عودتهن. لعله يشعر بأنه سيحقق ثمناً آخر مقابل هذا الذخر. لقد وضع الجانب الإسرائيلي أمام خيار وحشي: إما مواصلة وقف النار والاستعداد لتنازلات كبيرة في طرفنا، أو استئناف النار والأمل بالخير. شئنا أم أبينا، سلم الأولويات يتغير مرة أخرى: أولاً المناورة العسكرية، ثم المخطوفين.
ينطوي استئناف النار على مواجهة قاسية مع الرئيس الأمريكي. كان يفترض بغالانت أن يرى بلينكن أمس ويقول له: ما دمت وزيراً للدفاع، فلن نتوقف. سنهاجم في منطقة خانيونس وسنواصل القتال حتى تفكيك كتائب حماس هناك. إن تعلق إسرائيل بالإدارة الأمريكية أكبر من أي وقت مضى. فأمريكا توفر لنا إلى جانب الردع حيال إيران وفروعها إسناداً دولياً. ونحن متعلقون بها أيضاً في التموين العسكري الفوري. قد يبتلع البيت الأبيض الرفض الإسرائيلي، ويواصل القطار الجوي على عادته؛ ويمكنه أيضاً أن يوقفه.
القتال في وسط وجنوب القطاع سيكون أكثر تعقيداً مما في الشمال، وسيتم بينما قرابة مليوني مواطن يملأون الشوارع، وبينما حماس أكثر تنظيماً وجاهزية للقتال، في أرض مدينية مكتظة، وبقدر ما يدور الحديث عن خانيونس ومحيطها، قرب الخنادق التي يعمل منها السنوار والضيف، قرب المخطوفين. إن تصفية سريعة لزعيمي حماس ستكون بشرى طيبة، لن تنهي قصة المخطوفين ولن تبيد حماس، لكنها ستعطي القيادة السياسية وقيادة الجيش إنجازاً للتمسك به.
فتح فصل جديد في الحرب، هو أكثر تعقيداً من ناحية عسكرية، ومحدود في الزمان والمكان. كما أنه فصل جديد وخطير في حياة ورفاه المخطوفين. لا داعي للانشغال بالتخويف، يقول غالنت. لن نتمكن من الوصول إلى كل منطقة خانيونس، لكننا سنفكك حماس.
أسبوع جيد للإعلام الرسمي
سجلت على الطريق انعطافة إيجابية في مجال الإعلام الرسمي. في وابل النذر السيئة التي هبطت علينا في الشهرين الأخيرين، فإن كل بشرى طيبة جديرة بالإبراز.
أتعلم من أحاديث مع أجانب بأن الأسبوع الأخير كان الأفضل لصورة إسرائيل ولإعلامها، منذ بداية الحرب. فكل مساء، شهد العالم الجدات وأحفادهن يقتادهم إرهابيون مسلحون، ملثمون. كان المشاهدون يريدون أن تكون أولئك جداتهم: قويات، عزيزات، حكيمات؛ أرادوا أن يكونوا أبناءهن وأحفادهن: جميلون، يلمسون شغاف القلب.
اعتقدت حماس أن صور المخطوفين ستعرض المنظمة في ضوء إنساني: الأم تريزا ولدت من جديد، مسلحة بكلاشينكوف. هكذا أيضاً تخوف المحللون في قنوات التلفزيون في البلاد. الإخراج أثار أعصابهم: سيطرة حماس على الحدث. وداعات المخطوفين. شعر المحللون بأنهم مهزومون ومهانون. وربما هكذا شعر المشاهدون أيضاً.
لم يشاهد العالم الحدث على هذا النحو. شبكات التلفزيون الأمريكية، التي بعثت بأفضل موهوبيها، ملأت التغطية بمقابلات مؤثرة على المحررين ومع أبناء عائلاتهم. كان التضامن كاملاً، وكان هذا مخالفاً للتغطية الأولية، التي عرضت، في قسم منها على الأقل، المخربين كمقاتلي حرية، وكانت على نقيض أيضاً من تغطية السيطرة على مستشفى الشفاء في غزة، التي كانت معادية وضارة.
ليس مؤكداً أن التشديد الذي وضعه الجيش الإسرائيلي على احتلال المستشفيات وعلى رأسها “الشفاء” صحيح من ناحية عسكرية. لقد كان إشكاليا من ناحية إعلامية: قلة في العالم فهموا أهمية مهاجمة مستشفى، قلة اقتنعوا مما تم العثور عليه. منذ الاحتفال امتنعت إسرائيل عن مهاجمة المستشفيات. يخيل لي أنهم نسوا أن يبلغوا مواطني إسرائيل بذلك.
في الطريق إلى خانيونس
لقد كان وقف النار مطلوباً لحماس، وكان كذلك للجيش الإسرائيلي. في 49 يوماً من القتال، أثبت المقاتلون تمسكاً بالمهمة وشجاعة وقدرة مهنية مبهرة، لكن الجانب الآخر موجود أيضاً: تبذير ذخيرة، اكتظاظ زائد في الميدان، دمار زائد، أخطاء عملياتية كلفت ثمناً باهظاً. حتى اليوم، لا يوجد في إسرائيل نظرة متفق عليها حول اليوم التالي. ثمة مداولات داخل الجيش وهيئة الأمن القومي، لكن يُحظر على المتداولين عرض استنتاجاتهم على المسؤولين عنهم. اضطر نتنياهو تحت ضغط عضو كابينت الحرب غادي آيزنكوت، أن يطرح مسألة اليوم التالي على جدول الأعمال. أعدّ آيزنكوت ثلاث أوراق موقف في هذا الموضوع، لكن وبأمر نتنياهو، بقيت المداولات حبيسة وعقيمة. فدس الرأس في الرمال هو السبيل للحفاظ على حلفه مع سموتريتش وبن غفير. تتصرف الحكومة وكأنه لم يكن 7 أكتوبر؛ ويتصرف “كابينت الحرب” وكأنه لا حكومة موجودة. والكثير من الكلمات تقال للبروتوكول، ولكن في أحيان بعيدة تخرج منها تعليمات وتوجيهات للجيش.
لقد كتب سموتريتش مؤخراً كتاباً لنتنياهو – هو أحد الأشخاص الأخيرين في البلاد الذين يحرصون على إرسال الكتب – اتهم فيه قادة الجيش بأن ما يسيرهم هو معهد بحوث الأمن القومي، الجسم الذي يعتبره يسارياً؛ ليس يسارياً تماماً، ولا يسيّرهم تماماً، كل هذا لا يهم؛ المهم أن لسموتريتش عدواً ينشغل به.
إن الهجوم على معاقل حماس في الوسط والجنوب لن يتم بثلاث فرق: سيكون أكثر تركيزاً بكثير، وأكثر انتقائية بكثير. فقرابة مليوني نازح من الشمال نزلوا جنوباً يمنعون بوجودهم وابل القصف من النوع الذي كان في الشمال. وحسب تقرير الأمم المتحدة، قتل منذ بداية الحرب 15 ألف مواطن فلسطيني. كثير منهم بقوا تحت الأنقاض: العدد الحقيقي أعلى بكثير.
نشر نداف ايال هذا الأسبوع في الصحيفة تقدير الجيش عن عدد قتلى حماس: 5300. وعرض جهاز الأمن تقديرات أدنى بكثير: نحو 4 آلاف. عدد المقاتلين في منظمات الإرهاب يتراوح، حسب تقديرات إسرائيلية، بين 40 ألفاً و50 ألفاً. بكلمات أخرى: قتلنا من سُدس إلى عُشر القوة المقاتلة من العدو.
الاستنتاج: معنى الأعداد محدود. مثلما تعلمنا في حرب فيتنام وفي حروب أخرى، فإن التلويح لعدد قتلى العدو هو تضليل ذاتي. لا يمكن استبعاد إمكانية أن تتدرب الآن في رفح وجنين دورة تدريب جديدة لحماس.
أقوال عن حرب حتى النصر، وإبادة حماس وتصفية الإرهاب، كلام فقط. حماس فكرة وحركة تاريخية: لا يمكن إبادة فكرة. الإرهاب ظاهرة: لا سبيل لتصفيتها بعملية عسكرية. أحد وزراء اليمين قال لي هذا الأسبوع: حتى لو خرج السنوار من الخندق بيدين مرفوعتين، وسار كل المخطوفين وراءه في صف واحد، لن تنتهي هذه الحرب بالنصر.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 1/12/2023