كان يصعب الصمود أمام هذا السحر؛ فخلال ساعة، رسم رفيف دروكر صورة منصور عباس (“المصدر”، القناة 13)، وهو يثير الإعجاب ويواصل سحره ويوحي بالثقة. هذا الشخص الأصلع وثقيل الوزن بالبدلة القديمة يبدو مثل نقيض البطل في كل شيء: عربي، غير عصري، وعفى عليه الزمن كما يبدو، سياسي مخادع وغير طليق اللسان، وناشط سياسي يبدو في أفضل الحالات كسكرتير لمجلس العمال في المغار؛ وهو طبيب أسنان لن تسمحوا له بفحص أسنانكم.
ولكن كيف لشخص عربي، محافظ ومتدين، أن تبين بأنه عكس كل هذه الصفات، أو تقريباً عكسها؟ يبدو أن دروكر نفسه، المحلل الذكي الذي سبق وشاهد كل شيء وكره كل شيء، خرج عن أطواره بمحبته وتقديره العلني لبطل فيلمه. جاء عباس للمشاهد الإسرائيلي وقال له: ليس هذا هو ما تعتقده، ولا ما قالوه لك، لدي شيء آخر أعرضه عليك. عباس حطم الصورة النمطية أكثر من ألف مقال رأي لليسار. هو غير يساري على الإطلاق. وقد مرت بضعة أشهر وهو يحطم الصور النمطية.
ما ظهر في البداية كظاهرة عابرة، 15 دقيقة من الشهرة على لا شيء، أصبح حقيقة واقعة. نتنياهو يتصل، ونفتالي بينيت يهمس، ويئير لبيد يلاحق، واييلت شكيد تلتقيه، ومجلس الشورى أصبح أكثر أهمية من مجلس كبار التوراة. سياسيون لم يجتمعوا في السابق مع أي عربي عدا عن الذي يقدم الحمص والبطاطا والسلطة، اعتقدوا أنهم سيحصلون على مقاول أصوات أو عميل، وفجأة شاهدوا أمامهم شخصاً ثورياً. أحمد الطيبي يثير الإعجاب، عصري وأكثر طلاقة من عباس بدرجة لا تقدر. أيمن عودة شخص مقنع، يوحي بالثقة وصادق أكثر منه. ومحمود عباس، الأكبر منه، أكثر أهمية من منصور. ولكن عباس الرمادي هذا قد يحدث تغييراً في المستقبل. لست واثقاً بأنني أحب هذا التغيير، لكن لا بد أنك ستعجب بإنجازاته المحتملة.
يجب الإصغاء لرفيف دروكر وما يقوله عن عباس في هذا الأسبوع. يقترح عباس صفقة جديدة، صفقة جديدة ليس سهلاً هضمها، سواء من قبل العرب أو اليهود الذين يسعون للعدالة، لكن بالتحديد من يحلمون بدولة ديمقراطية واحدة، دون وهم حل الدولتين أو عار الأبرتهايد، لن يكون من السهل معارضة هذه الصفقة، التي تقول ببساطة: المزيد من الأموال بدلاً من الحرية، المزيد من الميزانيات بدلاً من الشعار، المزيد من البيوت بدلاً من الأقوال، المزيد من فرص العمل بدلاً من التصريحات، اسمحوا لنا بالعيش في هذه البلاد، النسخة العربية.
عباس سيعجب اليهود أكثر من محاربي الحرية الذين قد يثيرون الاحترام أكثر منه. هو يقترح نسيان إخوته الذين يسحقهم حذاء الاحتلال مقابل تحسين حياة أخوته من مواطني إسرائيل. بل ويتنازل عن الضريبة الكلامية. لن تسمعوه وهو يردد ويعظ مثل معظم السياسيين، وبسبب ذلك يوحي بالثقة أكثر منهم، ويعترف بأنه يضلِّل عند الحاجة. عباس رجل المباي الجديد للعرب. دونم بعد دونم، عنزة بعد عنزة، سور وبرج.
ما العمل فيما يتعلق بعباس؟ من غير السهل التنازل عن القليل من هذه الأحلام من أجل واقع أفضل بقليل. ومن غير السهل التحمس لعباس الذي سيصبح في لحظة بطلاً لمن يسمون اليهود المتنورين. شخصيات مثله تنزلق في الحلق أفضل وتسهل عليهم إخفاء نفاقهم. القلب يقول: نلسون مانديلا وليس عباس؛ مروان البرغوثي وليس عباس؛ صراع وليس الحل الوسط.
سينتهي هذا مرة أخرى بفوز الصهيونية التي هي التفوق اليهودي، والمقتنعة بأن يمكن شراء قلوب الأولاد بالدمى البلاستيكية، وعباس هذا يسهّل عليها مهمتها. ولكن في واقع أمل ضعيف تتلاشى فيه العدالة أمام العنصرية والقومية اليهودية المتطرفة، وفي واقع تُسقط فيه حكومة بينيت – ساعر – لبيد، فرح اليسار والاحتلال عن جدول الأعمال، ها هو الشك بدأ بالتآكل: رغم كل شيء، عباس؟ ولو في الوقت الحالي.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 4/7/2021