“لأنها الشيء الأكثر جمالاً الذي نقش في ذاكرة لبنان، ولأنها رافقت اللبنانيين في جميع أيامهم الحلوة والمرة، ولأنها الملكة المتوجة في قلوب الناس… أرسلت أمس رسالة للبنانيين ذكرتهم فيها بأنها تقف إلى جانبهم وأنها ستبقى في لبنان، في بيتها في حي الرابية، مثلما كانت دائماً”، نشر هذا المقال القصير في موقع “لبنان 24”. قليلة هي الأمور التي يمكن أن تفرح اللبنانيين في الوقت الحالي، ولكن عندما نشرت فيروز، المطربة الأسطورية، الخميس الماضي، صورة “سيلفي” لها مع ابنتها، المخرجة المسرحية ريما الرحباني، خرج المعجبون عن أطوارهم، وترك المحللون الأزمة السياسية والاقتصادية التي تهدد بتحطيم الدولة وحاولوا العثور على تفسير ميتافيزيقي للصورة.
فيروز (86 سنة) ذخر وطني ليس للبنان فقط، فملايين المعجبون بها في أرجاء العالم يحتفظون بأغانيها في هواتفهم المحمولة، ورافقوا كل مقطع موسيقي لها. فهي ترمز في نظرهم إلى ماضي لبنان الفاخر. بعد الانفجار المخيف في ميناء بيروت في آب الماضي، كلف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، نفسه عناء زيارتها في بيتها كبادرة حسن نية للتماهي مع مشاعر اللبنانيين. صورة السيلفي الأولى لفيروز مع ابنتها جاءت بعد سنوات كثيرة لم تظهر فيها على الملأ. فضائح العائلة حول استخدام حقوقها، والنزاع العميق لريما وزياد، وهما ابنا فيروز وعاصي (الذي توفي في 1986)، مع أبناء عائلة منصور الرحباني، شقيق عاصي (الذي توفي في 2009)، وهما موسيقيان عظيمان تركا إرثاً موسيقياً متشعباً، هذا النزاع مول وسائل الإعلام في لبنان والدول العربية، لكن فيروز نفسها اختفت في بيتها وكأنه خلاف لا يعنيها.
إلى جانب هزة الأحاسيس التي خلقتها صورة السيلفي، جرى نقاش حول ما إذا كانت فيروز ذخراً ثقافياً فقط أم أنها تمثل أيضاً العظمة النسوية، هل يمكن أن تشكل رمزاً نسوياً فقط أم أن تشغل دور نصب تذكاري حي يمثل لبنان؟ مطربات مثل أم كلثوم وأسمهان وفيروز أو الجيل الجديد من المغنيات مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي وأصالة وغيرهن، حصلن على مكانتهن، أولاً وقبل كل شيء، لأنهن جلبن بشرى موسيقية وثقافية جديدة. أما فيروز فما زالت صوتاً تقليدياً، مسيحياً وحتى محافظاً. تحولت أغانيها وأغاني أم كلثوم إلى نوع من الأناشيد الوطنية، لكنها اعتبرت مؤيدة للنظام أيضاً. في المقابل، الجيل الشاب من المغنيات أثار ثورة ثقافية، ليس فقط بسبب أسلوب الغناء والصفات الجديدة، لكنهن تحدين تقليد العروض “اللائقة” حيث كان المطربون يرتدون الملابس المتواضعة والمحتشمة في مبنى موسيقي كلاسيكي، فقد بدأن بالظهور بملابس مكشوفة وبمرافقة رجال ويغنين بحركات شهوانية. هذا التغيير منحهن ألقاباً مهينة مثل “المطربات الفاسقات” و”الزانيات” الأمر الذي أدى إلى تحطيم قيم المجتمع والدين. ورغم ذلك، هؤلاء المغنيات كن محل تقدير الشباب والفتيات الذين أكثر مما رأوا فيهن رمزاً للاستقلال النسوي، أحبوا دمج الموسيقى العربية بالموسيقى الغربية والتجديدات البصرية التي أعطت الشعور بالقرب من الغرب.
النسوية العربية الحديثة وجدت مكانها في مقالات وفي أبحاث السينما والمسرح، وفي الزخم الذي خلقته حركة “مي تو” في منظمات نسوية وفي الشبكات الاجتماعية، ولا يقل عن ذلك المشاركة النشطة للنساء في ثورات الربيع العربي. مؤخراً، اقتحمت النسوية مساراً أصلياً جديداً بعد نشر كتاب برندات داو ويزن سعدي بعنوان “ماري، إلى أين؟ قصص نسوية من لبنان”. داو، باحثة نسوية مخضرمة، وسعدي فنان ورسام سوري – كندي، وكاتب عمود، إلى جانب خمس فنانين: تريسي شهوان، وسيرين مخيبر، وجوان باز، ورواند عيسى، ورزان وهبي – نشروا الكتاب الذي يمكن تحميله بالمجان. الجديد في الكتاب هو دمج نتائج أبحاث داو مع الصور الهزلية التي ترافقها. الكتاب يستند إلى عشرات المحادثات مع نساء، خلق الكُتاب منها شخصيات خيالية تمثل المواضيع التي تشغل النساء في لبنان. في مقابلات معهم، شرحوا بأن الهدف هو إيصال القضايا الجوهرية هذه إلى الجمهور بطريقة تثير التفكير دون الإثقال على القراء بمعلومات نظرية مملة، وكي يكونوا على صلة بالواقع اليومي للنساء في لبنان – بدءاً من تسريحات الشعر، ومروراً بالسياسة والصعوبات الاقتصادية، وانتهاء بصعوبة المواصلات.
وأشارا في الكتاب أيضاً إلى التاريخ الصامت لمشاركة النساء في إقامة الدولة المستقلة، وانتقدوا الرواية الذكورية الدارجة التي تعطي الذكور في لبنان احتكار تحقيق الاستقلال. بطلة الكتاب شخصية خيالية: لارا، وهي شابة، مثقفة، بملابس وتسريحة شعر من الخمسينيات، تنتقد حتى النساء. في إحدى الصور الهزلية، تحكي بأن إحدى قريباتها قالت لها ذات مرة بأن “حقوق المرأة بالنسبة لي هي المجوهرات والسائق والخادمة. بفضل هؤلاء، أصبحت أكثر تصميماً على العمل من أجل حقوق النساء”.
استخدام فيروز الأول للسيلفي لم يحولها بعد إلى مرساة للشبكة، لكنه بالتأكيد يقربها من جيل الشباب الذي ابتعد عن أيقونات الثمانينيات والتسعينيات. ربما الآن، في سنها المتقدمة، ستشكل نموذجاً أيضاً لنجاح نسوي، وليس لنجاح موسيقي فقط.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 28/6/2021