سياسة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو تجاه حماس وم.ت.ف مثلما تم التعبير عنها في عملية “حارس الأسوار” قد تعطي حماس الأولوية لتمثيل الشعب الفلسطيني، مثلما أعطت عملية الكرامة في الأردن في آذار من العام 1968 م.ت.ف الأولوية لتمثيل الفلسطينيين. نجح عرفات في استغلال فشل إسرائيل في عملية الكرامة للقيام بعملية إزاحة للملك حسين من مكانته كممثل للفلسطينيين في الضفة الغربية. وبما يشبه ذلك، تستغل حماس الباب الذي فتحته لها إسرائيل في القدس لزيادة نفوذها في الضفة وفي أوساط جزء من عرب إسرائيل، وإزاحة “فتح” عن مكانتها الأولى في م.ت.ف، الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
باتباع بايدن “سياسة النعامة” ورغبة نتنياهو بدوام الانقسام الفلسطيني “وأدلجة” النزاع وتفكك “فتح” وتناسل “المستقلين”
بعد انتهاء حرب الاستقلال، في 24 نيسان 1950، صادق البرلمان الأردني الذي شمل ممثلين فلسطينيين على توحيد الضفة مع المملكة الأردنية. وعند إقامة م.ت.ف في 1964 برئاسة أحمد الشقير،ي تم استئناف الصراع بين الفلسطينيين والمملكة الهاشمية على مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني.
بعد حرب الأيام الستة، ركزت التنظيمات الفلسطينية النضال المسلح ضد إسرائيل من شرق نهر الأردن. كانت عملية الكرامة اقتحاماً واسعاً لإسرائيل لقيادة “فتح” في الكرامة التي تقع جنوبي غور الأردن. تكبد الجيش الإسرائيلي إصابات كثيرة، وترك في أراضي الأردن دبابات ومدرعات. ورغم أن الجيش العربي أدار أساس المعركة إلا أن عرفات حول فشل الجيش الإسرائيلي إلى انتصار فلسطيني باهر. وبذلك أدى إلى سيطرة “فتح” على م.ت.ف في 1969.
الدبلوماسي والصحافي الأمريكي كلوفيس مقصود، كتب في 1997 بأنه وفي أعقاب عملية الكرامة “تحولت م.ت.ف بالنسبة للعرب إلى أمل عاد ينبض… الشعوب العربية وضعت في أيدي م.ت.ف أمر وضع السياسات، وخلق الزعامات وبلورة استراتيجيات للنضال الجديد”.
وأعطي تعبير واضح عن ذلك في القمة العربية التي عقدت في الرباط في المغرب في تشرين الأول 1974، التي تم الاعتراف فيها بـ م.ت.ف كممثل وحيد وشرعي للشعب الفلسطيني. في الشهر نفسه، دعيت م.ت.ف للمشاركة في نقاشات الأمم المتحدة، وفي تشرين الثاني 1974 ألقى عرفات خطاباً في الأمم المتحدة وحصلت م.ت.ف على مكانة مراقب في الأمم المتحدة ومؤسساتها.
الانتفاضة الأولى التي اندلعت في كانون الأول 1987 أوضحت للأردن بشكل نهائي أن م.ت.ف قد احتلت مكانه. وحقيقة أن رئيس الحكومة في حينه، إسحق شمير، أعاق اتفاق لندن الذي تبلور على يد شمعون بيرس والملك حسين في تلك السنة للبدء بعملية سياسية بين الدولتين، كانت من الأسباب الرئيسية لقرار الأردن في تموز 1988 فك الارتباط التشريعي والإداري والقانوني مع الضفة الغربية، وبذلك استكملت م.ت.ف الانقلاب.
تأسست حماس على يد الإخوان المسلمين في قطاع غزة برئاسة الشيخ أحمد ياسين عند اندلاع الانتفاضة الأولى، بعد أن راكموا قوة في الثمانينيات بتشجيع من إسرائيل التي اعتبرتهم بديلاً لـ م.ت.ف.
وفي 2006 أدارت حماس حرباً ضروساً ضد إسرائيل واتفاقات أوسلو. وإن أخذ قرار حماس بعد انفصال إسرائيل عن غزة في 2005، دوراً في الصراع السياسي على قيادة الشعب الفلسطيني بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في 2006، كان خطوة ذات أهمية. رئيس حماس، إسماعيل هنية، شرح الأمر كما يلي: “حماس الآن في نقطة تمر فيها من وضع توفير احتياجات المنظمة ومؤيديها، إلى وضع توفير احتياجات جميع السكان. حماس غير معنية بسيطرة محلية، بل معنية بخلق تغيير تاريخي كبير… بتوجيه الجهود للدخول إلى حكومة السلطة الفلسطينية وخلق م.ت.ف جديدة”. أي أن حماس أرادت أن تسرق مكانة م.ت.ف باعتبارها الممثلة الشرعية للشعب الفلسطيني.
حماس التي سيطرت عسكرياً على القطاع في العام 2007 وانفصلت عن السلطة، لم تنجح في إحداث تغيير ووراثة م.ت.ف، لا في أوساط الفلسطينيين ولا لدى المجتمع الدولي الذي يعتبرها منظمة إرهابية. بناء على ذلك، اختارت أن تغير الاستراتيجية والسيطرة على م.ت.ف من الداخل.
في 2017، اقترح رئيس حماس يحيى السنوار، على محمود عباس إدارة القطاع، كما اقترح ذلك سلفه إسماعيل هنية في 2014 قبل عملية “الجرف الصامد”. واعتبرت هذه الخطوة في نظر السنوار خطوة ناجعة ستحرره من المسؤولية عن سكان القطاع، وستمكنه من اختراق حدودها الضيقة إلى الضفة الغربية وشرقي القدس وإسرائيل ودول المنطقة.
في مسألة الذراع العسكري، قطع السنوار أيضاً طريقاً طويلة ومهمة، وقال في العام 2017: “نحن كشعب، ما زلنا في مرحلة التحرر الوطني، ولا يمكننا التنازل عن سلاحنا. يجب أن يكون سلاحنا تحت مظلة وطنية شاملة يشارك فيها جميع الفلسطينيين، وهذه المظلة هي م.ت.ف”. اعترف السنوار بما لا يعترف به معظم وزراء حكومة إسرائيل، وهو أن م.ت.ف، رغم ضعفها، هي المنبر الأفضل لحماس لاختراق حدود غزة نحو الضفة.
من الجهة الأخرى، تعاونت إسرائيل في العقد الأخير مع حماس مثلما فعلت في الثمانينيات. سياسة نتنياهو تسعى إلى الحفاظ على حكم عباس واستمرار انقسام السلطة الفلسطينية. يكفي التذكير أقواله في منتدى مغلق لأعضاء الليكود في 11 آذار 2019: “نقل الأموال (حماس) هو جزء من استراتيجية التفريق بين الفلسطينيين في غزة والضفة. كل من يعارض إقامة دولة فلسطينية عليه أن يؤيد تحويل الأموال من قطر لحماس. هكذا نقضي على إقامة دولة فلسطينية”. منذ العام 2012 صادق نتنياهو لقطر على أن تنقل إلى غزة بصورة متراكمة حوالي مليار دولار، ونصف هذه الأموال على الأقل وصلت إلى حماس.
فتحت إسرائيل الباب أمام حماس في الطريق للقيام بانقلاب محتمل في تمثيل الفلسطينيين من خلال عدة أخطاء ارتكبتها في القدس في شهر رمضان، مثل وضع الحواجز في باب العامود، وإلغاء الخطب في الحرم وما شابه. وأيضاً مكنت عباس من إلغاء الانتخابات بذريعة أن إسرائيل قد منعت وضع صناديق اقتراح في شرقي القدس. منح نتنياهو لحماس المنبر الأكثر تماهياً معها، وهو البعد الديني، كهدية. أمسكت حماس ذلك بيديها كي تحصل على التقدير كحامية للقدس والمسجد الأقصى. في المقابل، أعطي الضوء للفلسطينيين، داخل إسرائيل وفي الضفة وغزة وشرقي القدس، للقيام بأعمال عنف حتى لو كانت جذور ذلك غير مغروسة فقط في البعد الديني، بل في التمييز والتجاهل الاجتماعي وفي ضائقة السكن والعمل، وفي أزمة الهوية وفي تنكيل المستوطنين وتجاهل المجتمع الدولي وعلى رأسه إدارة بايدن.
في المواجهة، تبين أن عباس هو الشخص الأكثر عزلة في الشرق الأوسط. معزول في السياق العربي العام، لأنه لم يتحدث مع الزعماء العرب لتنسيق المواقف حول الأزمة الحالية؛ ومعزول في منظمته، حركة فتح، التي انقسمت بسببه إلى ثلاثة معسكرات (من يؤيدونه، وقائمة القدوة – البرغوثي، ومن يؤيدون محمد دحلان)، وبدأ اثنان منهما بالعمل معاً على استبداله قبل الانتخابات، وبصورة أقوى في أعقاب إلغائها. وهو في م.ت.ف وضعه بائس. حلفاؤه هم ست منظمات صغيرة وعديمة الحضور الجماهيري. وانضمت لمعارضيه أربعة تنظيمات أخرى في م.ت.ف، التي لها حضور في الشارع الفلسطيني، أو تبنت مواقف حماس. في السنة الماضية، فقد عباس أيضاً رمزين من رموز م.ت.ف في العالم، السكرتير العام في م.ت.ف، صائب عريقات الذي توفي، وحنان عشراوي التي استقالت بصورة استعراضية بسبب سلوكه الديكتاتوري. يحظى عباس في الحقيقة بشرعية مؤسساتية، لكونه رئيس م.ت.ف، لكنه فقد الشرعية التي تستند إلى انتخابات. لأنه انتخب مرة واحدة ووحيدة في 2005. ولم تكن له في أي يوم شرعية نابعة من محاربة إسرائيل (مثلما لمحمد الضيف ومروان البرغوثي وغيرهما).
اتفاق فتح مع حماس في أيلول الماضي على إنشاء مجلس وطني فلسطيني جديد يحل محل الذي تسيطر عليه “فتح” منذ 1968، هو التهديد الأكبر لعباس و”فتح”. يضم المجلس الوطني الجديد 350 عضواً؛ 132 منهم هم أعضاء المجلس التشريعي الذين كان يمكن أن ينتخبوا في الانتخابات التي تم إلغاؤها. حتى قبل الأحداث العنيفة، كان يتوقع أن تكون حماس الحزب الأكبر في المجلس التشريعي الجديد، وأن تفوز، حسب الاستطلاعات، بـ 50 – 60 مقعداً، التي تشكل 15 في المئة من المجلس الوطني الجديد. أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الآخرون قد ينتخبون بصورة لم يتم تحديدها بعد من أوساط الجاليات الموجودة خارج المناطق، والتي في الغالب تؤيد مواقف معارضي عباس والمرشحين المستقلين. وكان متوقعاً أن تتحول فتح إلى أقلية صغيرة. ولكن مهددي عباس و”فتح” لا يقتصرون على حماس فقط؛ فالقصة الفلسطينية الساخنة أكثر في الوقت الحالي هي “القوائم المستقلة”، وهم شباب متحمسون، لهم نزعة عسكرية، كانوا هم النواة الصلبة للمتظاهرين في شرقي القدس وداخل إسرائيل وفي الضفة في الشهر الماضي. يدور الحديث عن نشطاء في الشبكات الاجتماعية لديهم مئات آلاف المتابعين. وهؤلاء يتوقع أن يشكلوا كفة الميزان في أي برلمان أو مجلس وطني في المستقبل.
تستطيع إسرائيل برئاسة نتنياهو القول بأنه لا يوجد شريك فلسطيني لاتفاق دائم، مع تجاهل أنها هي نفسها التي خلقت هذا الواقع. في ظل غياب مبادرة لإدارة بايدن الذي يتمسك بسياسة النعامة، سيأخذ النزاع طابعاً دينياً، بالضبط مثلما يريد المتطرفون، مثل بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غبير وآخرين، حرباً ضروساً، إما نحن وإما هم. إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة ومصر، يمكنها وقف هذه العملية إذا اتبعت سياسة معاكسة تتمثل في تعزيز م.ت.ف وإضعاف حماس. هذه السياسة قد تقود حماس، التي أظهرت في السنوات الأخيرة دلائل على الاستعداد للتنازل، إلى الاندماج في عملية سياسية في ظل الاتفاقات التي وقعت عليها م.ت.ف مع إسرائيل.
بقلم: شاؤول أريئيلي وأرنون رغولر
هآرتس 28/5/2021