صدام يكسب الانتخابات الأمريكية

حجم الخط
0

صدام يكسب الانتخابات الأمريكية

د. عبدالوهاب الافنديصدام يكسب الانتخابات الأمريكية(1)توقيت النطق بالحكم علي الرئيس العراقي السابق صدام حسين بحيث يأتي في وقت حساس بالنسبة للانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي وحكام عدد من الولايات الأمريكية مثل الحلقة الأخيرة في استراتيجية فاشلة ارتدت علي من صمموها. هذه الاستراتيجية قامت علي فهم مقلوب للأمور من ناحية، وعلي انتهازية قبيحة من ناحية أخري.(2)من السذاجة والاستغفال أن يردد البعض بأن القضاء العراقي والحكومة العراقية مستقلان، وأن توقيت النطق بالحكم لا علاقة له بوضع بوش اليائس قبيل الانتخابات. وتصبح هذه الدعاوي أضعف حين يصدح بها بوش وحليفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في نفس النفس الذي يصرحان فيه بالترحيب بالحكم الذي اعتبراه فتحاً مبيناً. ولكن السذاجة الأكبر هي ما اعتقده بوش وأنصاره بأن هذه المسرحية الهزلية يمكن أن تجوز علي الشعب الأمريكي (أو أي شعب آخر) فينخدع بها.(3)لقد كانت مأساة كبيرة للرئيس بوش أنه ربط مصيره بصراعه شبه الشخصي مع الرئيس العراقي السابق. فمنذ وقت مبكر في رئاسته جعل بوش إطاحة الرئيس العراقي وإعادة تشكيل العراق بعده هي التحدي الأكبر لعهده. وأدي هذا بدوره لتركيز غير مبرر علي دور صدام وشخصه. وهكذا أصبحت إطاحة تمثاله (في غيابه هو) عنوان النصر في العراق! ثم جاء اعتقاله ليعلن عنه كفتح مبين آخر، ثم أخيراً الحكم بإعدامه. وهكذا أصبحت منازلة صدام وأشباحه شغل بوش الشاغل، وأيضاً شغل بلير وبقية الحلفاء.(4)كنت قد علقت حتي قبل بدء الحرب بأن بوش وبلير وضعا نفسيهما في مقارنة سالبة في حقهما مع صدام، بحيث أصبح هناك ما يشبه الإجماع علي أن صدام كان هو المظلوم والمعتدي عليه. وقد علقت حينها بأن من يخسر معركة العلاقات العامة في معركة خصمه فيها صدام حسين لا بد أن يكون من أكثر الناس خيبة. ولكن الذي حدث أن بوش وبلير خسرا المعركة مع صدام قبل أن تبدأ، ولم يبق لهما سوي التبجح بغطرسة القوة. وبعد أن مرغت المقاومة العراقية أنوفهما في التراب، خسرا هذا التبجح أيضاً.(5)الخاسر الأكبر في هذه المعركة هو العراق وشعبه. لقد جعل المحافظون الجدد من العراق حقل تجارب لمخططاتهم لتركيع العالم، وخسروا أبشع خسارة. ولكن كما حدث في أفغانستان التي أفشلت التوسعية السوفيتية، فإن الثمن الذي دفعه العراقيون كان فادحاً، لأن ثمن التصدي للقوي العظمي من قبل شعب صغير قليل الموارد، ويفتقد إلي الناصر والمتضامن، هو ثمن فادح. لقد تم تدمير العراق وإهدار مئات آلاف الأرواح. ولكن الثمن الأكبر هو تدمير النسيج الاجتماعي في العراقي وتمزيق لحمة التضامن بين مكونات ِشعبه، وهو تمزيق قد يصعب رتقه.(6)لقد بدا واضحاً أن من راهنوا علي الاحتلال قد خسروا الآن. وإذا كان ذلك الرهان يفتقد إلي الأرضية الأخلاقية في الأساس، فإنه كان أيضاً مسؤولاً عن التعنت غير المبرر الذي أبداه البعض في التعامل مع إخوانهم العراقيين. ولعله من المأمول ألا يبادل الآخرون إخوانهم تعنتاً بتعنت الآن وأن يسارع كل العراقيين إلي طي صفحة الماضي المؤلم، وأن يبادروا إلي بناء دولتهم علي أساس التكافؤ ومبدأ لا غالب ولا مغلوب.(7)إذا كان التعنت ممن استخدموا بنادق الاحتلال لقهر إخوانهم وفرض إرادتهم عليهم لم يكن مبرراً، فإن من الخطأ كذلك أن يجعل الطرف الآخر من معركة صدام المفتعلة هي معركة مستقبل العراق. إن نظام صدام قد يبدو للبعض اليوم للبعض عصراً ذهبياً في ضوء ما خلفه، ولكن هذا لا يمنع أن ذلك كان عهداً مظلماً لا يشرف العراق. وإذا حصر السنة معركتهم في هذا الإطار الضيق فإنهم سيصبحون من الخاسرين خسارة من راهن علي الاحتلال.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية