القاهرة ـ «القدس العربي»: الصور التي تبرز آلاف الفلسطينيين ينامون في العراء، والتي نشرت على نطاق واسع في الفضائيات والصحف، تثير المخاوف من أن يكون وراء الأمر بداية لحملة الهدف منها تمهيد الرأي العام لتقبل تهجير الفلسطينيين، تحت ذريعة إغاثة الملهوف والمضطر، ما قد يسفر في نهاية الأمر عن تحقيق الحلم الإسرائيلي وضياع فلسطين إلى الأبد.. وقد اعترفت الأمم المتحدة، بأن عشرات الآلاف من النازحين الفلسطينيين تكدسوا في منطقة رفح على حدود قطاع غزة مع مصر، هربا من القصف الإسرائيلي، على الرغم من مخاوفهم من أنهم لن يكونوا في مأمن هناك أيضا. وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير، أن معظم النازحين في رفح ينامون في العراء بسبب نقص الخيام، رغم أن الأمم المتحدة تمكنت من توزيع بضع مئات منها. ويصل المدنيون إلى المنطقة بعد أوامر إخلاء أصدرها الجيش الإسرائيلي، شملت مناطق داخل وحول مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.. ومن جانبه علق البابا تواضروس بابا الكنيسة الأرثوذكسية على الحرب التي تشن على فلسطين قائلا: “حينما أتابع الأخبار أتساءل: أين ذهبت الإنسانية؟ وحذر من أن: العنف لا يجلب سوى العنف، بل يجلب عنفا أكبر، ومع تصاعد العنف يضيع معنى الإنسانية. وأضاف: “المشاهد التي نراها لضحايا أو مصابين مشاهد صعبة. رأيت منذ أيام فيلما قصيرا عن غزة قبل الحرب، وهو فيلم يصور مناطق وشواطئ جميلة وخضرة، واليوم ما نراه في الأخبار يقدم لنا مشاهد مؤلمة إلى أقصى حد”. واختتم مكررا الدعوة للصلاة: “فلنصلِ جميعا في الكنائس القبطية في مصر وخارجها، خلال شهر كيهك لأجل المسؤولين والقادة في كل العالم، ولاسيما من في يدهم الأمر، لكي ما تستيقظ فيهم الإنسانية”.
وفي الكلية الحربية تابع الرئيس السيسي اختبارات كشف الهيئة لطلبة الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية. أما الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، فقام بجولة تفقدية في المتحف المصري الكبير، لمتابعة تطورات الأعمال في المشروع، والتعرف على سير التشغيل التجريبي لعددٍ من أقسامه، حيث رافقه اللواء هشام آمنة وزير التنمية المحلية، وأحمد عيسى وزير السياحة والآثار، واللواء أحمد راشد محافظ الجيزة، وأكد رئيس الوزراء أنه سيتابع بشكل أسبوعي ما يتم إنجازه من أعمال في المتحف، خلال الفترة المقبلة، لافتتاحه بشكل كامل في أقرب وقت، مشيرا إلى أن الدولة تعتبره صرحا ثقافيا مهما، سيعيد إظهار نتاج الحضارة المصرية وإرثها العظيم إلى العالم بصورة عصرية وجذابة..
يهلكها جبروتها
فى الإنجيل آية نافذة تستحق التأمل، كما أوضح الدكتور محمود خليل في “الوطن” تحكي موقفا حاول أحد الحواريين (التلاميذ) فيه الدفاع عن المسيح، عليه السلام، بالسيف، فقال له: «رُدَّ سيفك إلى مكانه؛ لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون». إنها قاعدة حياتية مهمة، فمن يغصب غيره على شيء بالقوة، لا يترك له أي فرصة لرفع الظلم عن نفسه، إلا باستخدام القوة. قد ينظر طرف معين إلى نفسه فيرى أنه الأكثر امتلاكا لأدوات القهر، وقد ينظر إلى غيره فيراه خلوا منها، وبالتالي يثق في قدرته على إخضاعه في أي مواجهة، والحقيقة أن هذه النظرة تحمل قدرا لا بأس به من التغفيل، فكل إنسان له نقاط قوة، كما له نقاط ضعف، فلا توجد قوة مطلقة أو ضعف مطلق، إنما كل شيء في الحياة نسبي. فمن يأخذ بسيف القوة والقهر، فبسيف القوة والقهر يهلك. لا ينطبق هذا المعنى على حدث كما ينطبق على ما تعيشه غزة من عدوان إسرائيلي، وما تشهده من مقاومة باسلة لمواجهته ودحره. فإسرائيل كما قال أحد السياسيين الغربيين ذات يوم «وُلدت بالسيف وعاشت به». ولا يمكن أن تأمل في السلام، وسوف يكون عليها أن تستمر في العيش بالسيف، إلا إذا هلكت بالسيف أيضا. ما ترتكبه إسرائيل اليوم من مذابح ومجازر بحق المدنيين في غزة هذه الأيام، سبق أن فعلته عام 1948، وهي تغتصب الأرض لتطرد أصحابها منها وتستوطنها، في واحدة من أكثر تجارب الاستعمار الاستيطاني بشاعة في التاريخ. الهدف الرئيسي من إعمال سيف إسرائيل في سكان غزة، هو دفعهم إلى النزوح وترك أرضهم، لقد حدث ذلك عام 1948، حين اضطر الفلسطينيون للنزوح من أرضهم وقراهم، بعد المذابح التي ارتكبت في حقهم، ليستولى عليها الصهاينة.
سيهزمون
حديث المسؤولين في تل أبيب عن أن هدف الحرب استرداد المخطوفين وتفكيك «حماس» هدفه كما يرى الدكتور محمود خليل “الغلوشة” – ليس أكثر- على الهدف الحقيقي من هذه الحرب، وهو دفع الفلسطينيين إلى النزوح من أراضيهم، ليضعوا يدهم عليها، تماما كما تعودوا، فإسرائيل كيان يعمل بمبدأي التوسع والاستيطان، باستخدام سيف القوة. والمراجع لتاريخ هذا الكيان في المنطقة منذ عام 1948 وحتى الآن سوف يتأكد من ذلك، ويتأكد أيضا أن إسرائيل لا تريد السلام. في كل المواجهات السابقة بين الدولة الصهيونية والعرب نجحت إسرائيل في مد يدها على الأرض، وحصدت المزيد، لكن الأمر مختلف هذه المرة، لأن من يواجهها مقاومة أفرزتها الشعوب، ولن تمكنها من تحقيق ما تعودت عليه. المواجهة هذه المرة مختلفة كل الاختلاف، فمن تجبرهم إسرائيل على النزوح تحت ضغط القصف العاتي يعودون في اليوم التالي إلى منازلهم، ويؤثرون العيش فوق أطلالها على ترك أرضهم. المقاومة ستواصل، بل وستتوسع، وحرب المقاومة الدائرة الآن فوق تراب غزة، قد تتمدد رقعتها، لأن الشعوب العربية والإسلامية متحفزة هذه المرة. دخول المقاومة التي أفرزتها الشعوب في معادلة حرب تحرير الأرض سوف تقلب الأمور. وثمة فارق كبير – قد تدركه إسرائيل مستقبلا – بين مواجهة الحكومات ومواجهة الشعوب. فهذه المرة يقف سيف المقاومة في مواجهة سيف الاحتلال.
اعتادت خداعهم
تواصل أمريكا هوايتها المفضلة في ممارسة الكذب المفضوح على الحكومات والشعوب العربية، بشأن القضية الفلسطينية، ما دامت تجد من يصدقها من بعض الحكومات. أمريكا كما أخبرنا أشرف البربري في “الشروق” تتحدث باستمرار عن رفضها قتل المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، لكنها قدمت أكثر من 72 ألف صاروخ وقذيفة لإسرائيل منذ بداية عدوانها على القطاع، حتى تواصل تل أبيب قتل الفلسطينيين، دون أي قلق من تراجع مخزونها من الذخائر والأسلحة. ويتسابق المسؤولون الأمريكيون في الحديث عن ضرورة اتخاذ إسرائيل الإجراءات اللازمة للحد من سقوط قتلى في صفوف المدنيين في غزة، لكن واشنطن قدمت لتل أبيب 100 قنبلة زنة 2000 رطل، لاستخدامها ضد الفلسطينيين في القطاع، رغم أنها تتحول إلى «قنبلة دمار شامل» تدمر عشرات المنازل، وتقتل مئات المدنيين عند استخدامها في المناطق السكنية، كما تفعل إسرائيل. وفي الموضوع الأهم والأخطر الذي يمس الأمن القومي لدول عربية، ومصير القضية الفلسطينية ككل، وهو خطط إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية إلى دول الجوار وغير الجوار، يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم يرفضون التهجير القسري، ويحتفي البعض بهذه التصريحات الأمريكية، لكن الواقع يقول إن أمريكا ما زالت توفر الغطاء السياسي والدعم العسكري للجيش الإسرائيلي، الذي حوّل 80% من سكان القطاع إلى نازحين في الداخل بعد حرب الإبادة التي شنها على شمال القطاع، وحولته إلى مكان غير صالح للحياة في الجولة الأولى من الحرب. الآن وبالدعم الأمريكي المطلق انتقلت الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى جنوب قطاع غزة لمواصلة دفع الفلسطينيين إلى الخروج من القطاع، تحت وطأة النيران، فيما تغض واشنطن الطرف عن الإجرام الإسرائيلي في الضفة الغربية، الذي أدى إلى تدمير عشرات القرى الفلسطينية وتهجير عشرات الآلاف من ديارهم.
لطالما صدقوها
المسألة بسيطة للغاية، من وجهة نظر أشرف البربري فمن يرفض التهجير عليه التصدي للجرائم الإسرائيلية التي تستهدف إجبار الفلسطينيين على النزوح، في حين أن الطرف الأساسي الذي يرفض هذا التهجير ويتصدى له على الأرض، هم الفلسطينيون الذين يتشبثون بأنقاض بيوتهم التي دمرتها إسرائيل، ويعيشون دون أي مقومات للحياة. الحاضر والماضي يؤكدان أن المواقف والتصريحات الأمريكية الإيجابية ليست إلا مغازلة الشعوب العربية. فبعد نكبة فلسطين عام 1948 وإجبار العصابات الصهيونية للفلسطينيين على النزوح إلى الدول المجاورة، ظلت أمريكا ومعها دول العالم تتحدث عن «حق العودة»، كجزء من أي تسوية عادلة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي، لكن لا التسوية حدثت ولا العودة تحققت. وبعد حرب يونيو/حزيران 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، وبدء الاستيطان الصهيوني في الضفة، ظلت أمريكا تعلن رفضها للاستيطان الإسرائيلي بتصريحات قوية وواضحة، لكن الدعم الاقتصادي والدبلوماسي للنشاط الاستيطاني لم يتوقف، وكانت النتيجة ارتفاع عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة من 250 ألف مستوطن عند توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 إلى أكثر من 700 ألف مستوطن حاليا. وفي ظل التصريحات الأمريكية المتكررة عن ضرورة حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، تواصل تل أبيب وبرعاية أمريكية كاملة جرائمها وعدوانها على حقوق الشعب الفلسطيني للقضاء على أي فرصة لإقامة الدولة الفلسطينية. أخيرا، إذا كان الاستسلام للمواقف الأمريكية الكاذبة قد أسفر عن تلاشي حق العودة لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، والتهام مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية بالنشاط الاستيطاني، والقضاء على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، فلماذا تراهن بعض الأطراف العربية على المواقف الأمريكية الآن، كضمانة لمنع تهجير الفلسطينيين رغم خسارة كل الرهانات السابقة؟
متى تنتهي؟
متى تتوقف الحرب، ومن يدير قطاع غزة هو ما يبحثه مستشار الأمن القومي الأمريكي في زيارته مع المسؤولين الإسرائيليين.. فإن واشنطن لديها رغبة كما أوضح عبد القادر شهيب في “فيتو” في إنهاء الحرب بعد بضعة أسابيع، وأن تتولى سلطة فلسطينية مجددة إدارة القطاع مستقبلا.. أي سلطة مختلفة عن السلطة الفلسطينية الحالية، التي تدير الضفة الغربية ويرأسها أبو مازن.. لكن إسرائيل لا توافق على ذلك.. فهي تريد الاستمرار في الحرب بضعة أشهر وليس أسابيع، وتريد أيضا استمرار قواتها في القطاع لفترة لا تقل عن العام، لضمان الأمن كما يقول نتنياهو.. وترفض وجود قوات دولية تتولى ذلك، كما ترفض أن تدير القطاع السلطة الفلسطينية، سواء الحالية أو المجددة، لأنها ترتب وتخطط لإخلاء القطاع أو مساحة فيه من السكان وتحويله إلى منطقة عازلة، ولذلك علينا ألا نتوقع في ظل هذا الوضع أن يكون هناك وقف للنار دائم في القطاع ما دامت القوات الإسرائيلية لن تنسحب منه، وستبقى فيه لعام على الأقل.. فإن وجود هذه القوات في القطاع أو بعض منها، سيحض على مقاومتها واستهدافها من قبل مقاتلي حماس والتنظيمات الأخرى المسلحة، وبالتالي سترد القوات الإسرائيلية بالقصف الجوي والمدفعي والصاروخي.. فأي وقف لإطلاق النار هذا؟ الأمر الوحيد الذي يمكن أن يوفر وقفا مستقرا لإطلاق النار هو أن يضغط الأمريكيون على الإسرائيليين لسحب قواتهم من القطاع بعد التوصل إليه، وأن تقترن به صفقة يتم التوصل إليها للإفراج عن كل الأسرى الإسرائيليين لدى حماس والتنظيمات المسلحة الأخرى بما فيها الجثث أيضا.
ستون يوما
ستون يوما مرت على بدء العدوان الإسرائيلي على غزة.. ولا شيء يحدث من وجهة نظر مجدي سلامة في “الوفد” غير مزيد من الدم الفلسطيني المراق والأرواح المقتولة والمنازل المهدمة. ستون يوما وإسرائيل تتسرب أكثر وأكثر في أراضي غزة، وتمارس ضغوطا رهيبة على أهاليها للتوجه إلى الحدود المصرية. ستون يوما و468 مليون عربي، ومليار مسلم يصرخون: «أوقفوا العدوان على غزة»، ولكن أحدا لا يسمع صرخاتهم، وكأن من يصرخون كائنات بلا قيمة، أو كأن من يُقتلون في فلسطين مجرد أعشاب أو حشرات لا تستحق الحياة. ستون يوما وآلاف الأخبار والمقالات نشرتها الصحف الناطقة بالعربية، تتحدث عن المجازر البربرية التي يرتكبها الصهاينة ضد أطفال أبرياء ونساء ضعيفات وشيوخ نخر عظامهم الزمان، ولكن كل هذه الأخبار والمقالات ذهبت سدى، فلا هي نفعت ولا شفعت ولا أثرت بقدر جناح بعوضة في حكومات الغرب.. ستون يوما وآلاف الساعات بثتها قنوات فضائية عربية نقلت صورا للدمار في غزة ولأنهار الدم العربي في غزة، ولجثث الأطفال وجثامين الضحايا التي لا تجد من يواريها التراب في غزة.. ومقابل ذلك كله لم تعلن حكومة غربية واحدة رفضها للمجازر الصهيونية، بل اعتبروها نوعا من الدفاع عن النفس، وبعد ستين يوما من العدوان ما زال سيناريو تهجير الفلسطينيين مستمرا.. صحيح أن مصر ترفض التهجير، وكذلك كل بلاد العرب ترفضه، والفلسطينيون أنفسهم قالوا لن نهجر أراضينا، وواشنطن ومعها بعض تابعيها في أوروبا قالوا إنهم يرفضون تهجير الفلسطينيين، ورغم كل هذا الرفض لا يزال المخطط الإسرائيلي يستهدف تهجير الفلسطينيين، ويضيق الخناق على أهالي غزة ليتجهوا إلى الجنوب. وعلى كل مصري أن ينتبه، فالأيام المقبلة ملبدة بغيوم أحداث صعبة، ولهذا فمن العار أن يكون بيننا في ظل هذا الحال شديد الخطر، من يتلاعبون بالأسواق، ويشعلون النار في الأسعار، ويحتكرون السلع.. عار عليهم لو يعلمون عظيم.
صوت عاقل
من سوء الحظ على حد رأي سليمان جودة في “الوفد” أن تكون الأصوات العاقلة في الولايات المتحدة الأمريكية قليلة، ولأنها قليلة فإنها لم تشكل بعد ما يمكن أن يكون بمثابة رأي عام. ومنذ بدأت الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة، لا يكاد يوجد صوت أمريكي عاقل ينافس السيناتور بيرني ساندرز، الذي يمثل ولاية فيرمونت في الكونغرس، والذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الحاكم في البلاد. هذا السيناتور يتبنى موقفا أقل ما يوصف به أنه موقف شجاع، ورغم أنه موقف لم يؤثر في مسار الحرب عمليا، إلا أنه سوف يظل محسوبا في ميزان صاحبه، وسوف يظل كاشفا عن بقية أصحاب المواقف الجبانة في واشنطن. فمنذ أن تبين للعالم أن إسرائيل تقتل الأطفال والنساء والمدنيين في قطاع غزة، خرج ساندرز ليقول، إن هذه الحرب لا بد أن تتوقف، وإن الولايات المتحدة تستطيع أن توقفها، وإن ورقة المساعدات الأمريكية لإسرائيل أقوى الأوراق التي يمكن توظيفها، بل يجب توظيفها في هذا السبيل، وإن على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أن تبادر إلى ربط الاستمرار في تقديم المساعدات بوقف الحرب.. هذا موقف شجاع لا شك من جانب الرجل، وقيمته تأتي من أن صاحبه ينتمي إلى الحزب الحاكم، لا إلى الحزب الجمهوري الذي يجلس في مقاعد المعارضة. قارن هذا الموقف بموقف هيلاري كلينتون التي تنتمي إلى الحزب نفسه، والتي لم تُضبط متلبسة يوما بموقف من نوعية ما يتخذه ساندرز، فلما ذهبت إلى جامعة كولومبيا في نيويورك قبل أيام، لاحقها الطلاب هناك وطاردوها وهُم يرددون: العار عليكِ. ولا يقف ساندرز وحيدا بموقفه في عالمنا المعاصر، الذي بدا بلا قلب ولا مشاعر ولا أخلاق مع الغزاويين، وإنما هناك آخرون من الإسرائيليين أنفسهم يقفون إلى جواره، ومن بينهم الممثلة الإسرائيلية يولا بينيفولسكي، التي تعيش في كندا منذ سنين، والتي لم تحتمل ما تراه من مشاهد دموية على الشاشات، فأعلنت تنازلها عن جنسيتها الإسرائيلية، ولسان حالها يقول إن ما تراه لا يمكن أن يجتمع عندها مع الجنسية في وقت واحد. العالم لا يزال فيه أحرار، حتى لو كانوا عاجزين عن تخليصه من قسوته.
سحر غزة
هل يمكن لكاتب مقال أن يكتب في موضوع واحد لمدة ستين يوما من دون انقطاع؟ يجيب عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق”: في يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي نشرت مقالا في هذا المكان بعنوان «الموتوسيكلات.. حينما تهزم القبة الحديدية»، بعد أقل من يومين من عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، وفاجأت إسرائيل والعالم بأكمله صباح يوم السبت 7 أكتوبر الماضي. ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، أي منذ ما يقارب الشهرين، لم أكتب شيئا في هذه المساحة اليومية بخلاف متابعة العدوان الإسرائيلي الغاشم والبربري وغير المسبوق دوليا والمستمر حتى هذه اللحظة على القطاع. كنت أظن أن كاتب المقال اليومي خصوصا إذا كان يكتب في الشأن العام، يفترض أن ينوع في كتاباته بما يناسب الاهتمامات المختلفة، لجميع فئات المجتمع وقضاياه المتنوعة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، حتى لو كان هناك حدث جلل ومروع، لكن التجربة الشخصية في ما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على غزة جعلتنى لا أطبق هذه القاعدة. وعلى ما أتذكر لم أتوقف عن الكتابة إلا بسبب إصابتي بفيروس كورونا في مارس/آذار 2020 لمدة عشرة أيام، أو حينما توفي والدي رحمه الله في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 لمدة أسبوع تقريبا. وفي العام الأخير قررت أن أعطي لنفسى إجازة من الكتابة يوم الجمعة، من أجل التوقف عن اللهاث المستمر والتقاط بعض الأنفاس.
أمننا القومي
هذا العدوان لا يؤثر فقط على الأشقاء في فلسطين، بل على المنطقة العربية بأكملها، وبالأخص كما يواصل عماد الدين حسين على أمننا القومي المباشر في مصر. إن الشعب الفلسطيني يتعرض بالفعل لحملة إبادة منظمة، وعملية تدمير شاملة لكل شيء في القطاع من أول المباني السكنية إلى المؤسسات والمنشآت وصولا إلى المستشفيات والمساجد والكنائس وحتى مقرات الأمم المتحدة، التي احتمى بها مئات الآلاف من الفلسطينيين..
طبعا كانت هناك أحداث أخرى كثيرة ومهمة، لكن كنت دائما أعتقد أن لا صوت يعلو فوق صوت المذبحة الجارية في عموم فلسطين، وبالأخص في قطاع غزة، والمخطط الإسرائيلي الذي صار علنيا بمحاولة تهجير سكان القطاع إلى سيناء المصرية وفلسطينيي الضفة إلى الأردن. كنت أعتقد وما أزال أن كل إنسان عربي عليه واجب الدفاع عن فلسطين، في حدود ظروفه وإمكانياته، وأن دور الكاتب أن يكتب ويشرح ويوضح الحقائق للقراء. كنت أعتقد أن مقالا يوميا كافيا لأي كاتب لأن يؤدي هذه المهمة، لكن شراسة وعنف ووحشية العدوان تفرض على أي كاتب أن يكتب كل لحظة عارضا ومفندا وموضحا ما يحدث. خصوصا أن هذا العدوان يريد أن يقتلع الفلسطينيين من كامل أرضهم ويقتلهم أو يهجرهم خارج فلسطين. نجاح المخطط الإسرائيلي هو تهديد مباشر لكل البلدان العربية خصوصا مصر والأردن وسوريا ولبنان، وبالتالي وجب علينا جميعا أن نجاهد كلٌّ في مكانه وحسب إمكانياته حتى نفشل هذا المخطط دون أن يمنع ذلك التطرق إلى بعض الأحداث الأخرى، خصوصا إذا كانت مرتبطة أيضا ـ بصورة أو بأخرى ـ بالعدوان الإسرائيلي ومخططاته في فلسطين والمنطقة.
أيهما أهم؟
المتابعون للتصريحات الصادرة من صندوق النقد الدولي عن مصر، لا بد قد لاحظوا ما انتبه إليه الدكتور زياد بهاء الدين في “المصري اليوم” من تغير واضح في موقفه من أزمتنا الاقتصادية الراهنة وكيفية الخروج منها. حتى الصيف الماضي، كان الموقف متشددا ومتمسكا بضرورة قيام مصر بتحقيق ثلاثة مستهدفات: تحرير سعر الصرف، الإسراع في برنامج الخصخصة، والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد. وكان واضحا أيضا أن هذا الموقف الصارم لا يعبر عن الصندوق وحده، بل عن توافق عام بين الدول الكبرى والمؤسسات الدولية، وأشقائنا العرب بشكل ضمني. لهذا جاءت تصريحات مديرة صندوق النقد الدولي منذ يومين، خلال حضورها لمؤتمر المناخ، مفاجئة، إذ قالت إنها والصندوق يدعمان سياسة مصر في إعطاء الأولوية لمكافحة التضخم، قبل تحرير سعر الصرف، بينما كانت كريستالينا جورجييفا نفسها قد قالت في حديث تلفزيوني يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي – قبل طوفان الأقصى بيومين – إن مصر ستستمر في «استنزاف مواردها» ما لم تصحح سعر الصرف فورا. سبحان مغير الأحوال كل هذا بسبب الحرب في غزة؟ للدقة والأمانة فإن خطاب صندوق النقد الدولي كان قد بدأ يتغير بحذر في الأسابيع السابقة على حرب غزة، استنادا إلى أن الحكومة المصرية حققت تقدما في برنامج التخارج من الشركات المملوكة لها، بلغت قيمته – حسب تصريحات رئيس الوزراء في يوليو/تموز الماضي – ملياري دولار، ولا شك أن القيمة زادت من وقتها. ولكن ظل موقف الصندوق والمنظمات الدولية الأخرى والدول الداعمة مرحبا بهذا التقدم، ولكن محذرا من عدم تحرير سعر الصرف ومن غياب برنامج أشمل للإصلاح الاقتصادي. ثم وقع طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، ومن بعده رد الفعل الانتقامي لإسرائيل الذي تحول إلى عدوان شامل لتهجير شعب بأكمله والقضاء على إرادته وتدمير البنية التحتية المدنية قبل العسكرية والعصف بكل القوانين والأعراف الدولية.
بسبب غزة
يواصل زياد بهاء الدين كلامه، الواضح أن الحرب غيرت كل الموازين، وعلى رأسها عودة مصر للصدارة الإقليمية باعتبارها البوابة الوحيدة لأي تسوية محتملة للمأساة الواقعة في غزة، سواء إدخال مساعدات إنسانية، أم إجلاء الجرحى، أم إخراج الأجانب المحجوزين، أم على المدى الأطول إعادة بناء غزة. ومع تغير هذه الموازين الإقليمية، تغير الخطاب الصادر من صندوق النقد ومعه باقي المنظمات الدولية، تغيرا واضحا لا يكاد حتى يسعى لتبرير تناقضه مع المواقف السابقة. المهم ما أثر ذلك فينا؟ طبعا ما يسعدني مثل أي مصري حريص على مصلحة بلده، أن تكون هناك بوادر لانفراج وضعنا الاقتصادي. وكل ما يخفف عن الناس صدمة الغلاء المستمر منذ أشهر طويلة محل للترحيب. ولكن مصلحتنا الأبعد تستدعي التوقف عند ثلاثة أمور: أولها أن موقف صندوق النقد الدولي «المرن» مؤخرا يؤكد أن مواقف المنظمات الدولية، مهما جرت إحاطتها بسياج من الاحترافية والبحوث والأرقام والنظريات الرصينة، فإنها بلا شك ناطقة بمواقف الدول الكبرى ومعبرة عن سياساتها العامة. الأمر الثانى أن الاقتران المستقر في الرأي العام المصري بين تحرير سعر الصرف والغلاء قد يكون صحيحا على المدى القصير، ولكنه ليس كذلك على المدى الأطول. بمعنى آخر فإن كان البعض يخشى من أن يؤدي تحرير سعر الصرف إلى قفزة جديدة في الأسعار، فإن الأكيد أن عدم تصحيح سعر الصرف على المدى الطويل، واستمرار الفجوة الكبيرة بين السوق الرسمية والسوق السوداء، سيسبب بالتأكيد المزيد من الضرر العميق للاقتصاد القومي ويجعلنا نواجه موقفا أصعب مستقبلا. أما الثالث فهو أن هذه الانفراجة الدولية، التي لم تكن متوقعة، ينبغي أن تتحول إلى حافز لنا على الإصلاح الاقتصادي الحقيقي، ولا تكون مثل المسكن الذي يخفي أعراض المرض لفترة وجيزة، بينما الأسباب قائمة وستعود للصدارة متى ما زال مفعوله. نريد لهذه الانفراجة المحتملة – إن كانت حقيقية – أن تدفعنا وتساعدنا وتمنحنا الفرصة لدعم المسار الاقتصادي، ولإطلاق طاقات الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير، كى نبدأ في الخروج من الأزمة بشكل حقيقي ومستدام.
صمت مخز
فلسطين دولة عضو في الجامعة العربية، وما يحدث في غزة الآن حرب على دولة عضو فيها، وهي ليست حربا ككل الحروب، وإنما حرب إبادة جماعية، ومجزرة لم تشهد لها البشرية مثيلا في العصر الحديث، لذا يتساءل عبد المحسن سلامة في “الأهرام”: ماذا لو تقدمت دولة فلسطين، ورئيسها محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية، بطلب إلى الجامعة العربية يطلب فيه تفعيل «اتفاقية الدفاع العربي المشترك» التي تم توقيعها عام 1950 بين الدول الأعضاء في الجامعة، والتي تشير إلى أن أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول يعتبر عدوانا على بقية الدول، وأي مساس بدولة من الدول الموقعة على البروتوكول يعتبر مساسا صريحا ببقية الدول الموقعة عليه. يتضمن البند الأول من بنود المعاهدة مواجهة جميع الأخطار المتوقعة، والاعتداءات المسلحة التي تقع على أي دولة من الدول الأعضاء، بالإضافة إلى تقديم المساعدات المختلفة التي يمكن أن تطلبها الدول وقت الحروب والتنسيق، وإعداد المعلومات، وتقديم المقترحات، وإعداد الخطط العسكرية. هناك العديد من البنود في معاهدة الدفاع العربي المشترك توضح طريقة التعاون المشترك في الدفاع عن الدول الأعضاء في الجامعة العربية، والمفروض أن يتم تشكيل مجلس للدفاع العربي المشترك من بين الدول الموقعة على تلك المعاهدة. في عام 2015 تم استحداث بروتوكول لتشكيل قوة عربية مشتركة، حيث وافق مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة على القرار رقم 628 بتاريخ 29/3/2015 الذي ينص على إنشاء قوة عربية مشتركة لصيانة الأمن القومي العربي التزاما بميثاق الجامعة العربية، والوثائق العربية ذات الصلة، بما فيها معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة، وقد أوضحت المادة الثالثة مهام القوات العربية المشتركة، بما فيها المشاركة في تأمين عمليات الإغاثة، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين في حالات الطوارئ الناجمة عن اندلاع نزاعات مسلحة، أو في حالة وقوع كوارث طبيعية، وكذلك مواجهة التحديات، والتهديدات الإرهابية، وحماية، وتأمين المواصلات البرية والبحرية والجوية، وعمليات البحث، والإنقاذ، بالإضافة إلى أي مهام أخرى يقررها مجلس الدفاع. فلسطين دولة موقعة على معاهدة الدفاع العربي المشترك عام 1950، فماذا لو طلبت دولة فلسطين، العضو في الجامعة العربية، تفعيل معاهدة الدفاع المشترك لمواجهة العدوان الإسرائيلي الغاشم على أراضيها، وشعبها بعد شهرين من اندلاع معركة بين جيش عدواني مجرم من جانب، وشعب أعزل من جانب آخر؟
تنزف وتداري
الجانب الآخر من الحرب هو جانب اقتصادي بحت اهتم به على نحو خاص عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم”: إسرائيل تخسر يوميا ملايين الدولارات. وغزة بالتأكيد تم تدميرها بما يكفي، وهي خسائر مؤكدة على الجانب الفلسطيني، ومسألة إعادة الإعمار ستتكلف هي الأخرى مليارات الدولارات. في حين تستمر حملات المقاطعة التي تؤذي اقتصادات الدول العربية، التي يدعو بعض سكانها لمقاطعة الماركات العالمية المساندة لإسرائيل، في حين لا يشغلون بالهم بمن يعملون فيها من أبناء وطنهم، ما يعرضهم لخسارة وظائفهم. الاقتصاد العالمي عموما سوف يتأثر بتلك الحرب، مثلما تأثر بإغلاق كورونا، ومثلما تأثر بالحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي خفت صوتها أو تراجع وسط ضجيج الحرب في غزة. ولكن في خضم كل هذه الخسائر هناك مكسب معنوي ذو دلالة، وهو أن مبيعات الكوفية الفلسطينية قفزت على نحو غير مسبوق في الولايات المتحدة الأمريكية، رغم بعض الحوادث التي وثقت مضايقات أمنية لمن يرتدي الكوفية الفلسطينية في أمريكا وفي بلاد أوروبية أخرى. وزاد الطلب على شرائها في المتاجر العالمية وأظهرت بعض بيانات التجارة الإلكترونية أن مبيعات الكوفية زادت 75٪ بين يومي 7 أكتوبر/تشرين الأول و2 ديسمبر/كانون الأول على المتجر الإلكتروني الأشهر «أمازون»، في حين انضم آلاف المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي على صفحات مصنعي وموزعى الكوفية، بينما زاد البحث عنها عبر محركات البحث بنسب تتراوح بين 75٪ إلى 333٪ على اختلاف كلمات البحث.
لو كان حيا
يتزايد عدد الذين يرتدون الكوفية الفلسطينية في دول العالم كتعبير منهم لرفض الحرب على غزة، والمطالبة بوقف إطلاق النار وإنهاء الهجمات الإسرائيلية، أو للإشارة إلى دعمهم للفلسطينيين، حتى إن بعضهم كما أخبرنا عبد اللطيف المناوي يتعرض لمخاطر مثل الذين تم الاعتداء عليهم في تظاهرة في أمريكا أو الذين تعرضوا لمضايقات في ملعب بروكلين، أو تلك الطالبة الجامعية في هارفارد، التي قيل إنها ترتدي وشاحا إرهابيا. وأظن أن أشهر من ارتدى الكوفية الفلسطينية هو الزعيم الراحل ياسر عرفات، الذي فضّل ارتداءها حتى رحيله، لكنها في الأساس كانت رمزا للمقاومة الفلسطينية خلال الثورة العربية على الانتداب البريطاني عام 1936، بل هي وشاح يعود تاريخه إلى أكثر من 3 آلاف عام، إلا أن رمزيته تعود كل فترة، خصوصا مع أي اعتداء إسرائيلي جديد. ربما أغلب الذين يرتدون الكوفية من الأجيال الجديدة لا يعرفون شيئا عن رمزيتها التاريخية، ولا يعرفون ارتباطها بالزعيم ياسر عرفات، لكنهم أدركوا في لحظة ما أنها تمثل الهوية الفلسطينية، وهو مكسب معنوي لا يدركه إلا من اقترب من القضية الفلسطينية وعلم أهدافها جيدا، وأتصور أن أبوعمّار لو كان حيا بيننا الآن لكان أسعد الناس بهذا الانتشار الكبير للكوفية. أما المفارقة التي لابد من ذكرها فهي أن قادة حماس لا يرتدون تلك الكوفية، ونادرا ما يظهرون بها.