حين قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ان الحوار قد وصل الي طريق مسدود فقد صدق، وحين قال أيضا رئيس الوزراء اسماعيل هنية أن الحوار لم يصل الي طريق مسدود وان هناك نقاطا تستلزم مزيدا من الحوار فقد صدق أيضا، وأنا لا أري أي تناقض في حديث الفريقين، فكل منهما قد تحدث حسب ما يراه وما ينوي القيام به مستقبلا. فالرئيس عباس قد رأي أن الطريق مسدود منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية وهو يعلم علم اليقين أن لا مجال لمخالفة أمريكا والتسليم بحكومة تقودها أو تشارك فيها حماس، وهذه الحقيقة هي من المسلمات والثوابت التي أعلنتها منذ البداية المعارضة البناءة ـ كما يسمونها ـ. وكذلك السيد هنية فقد رأي منذ استلامه كتاب التكليف أن حكومة الوحدة هي الخيار الأفضل للشعب الفلسطيني، وعلي هذا الأساس بدأ الصراع بين مؤسستي الرئاسة والحكومة.
لا شك أن الحكومة استطاعت علي مدار الشهور السابقة الوقوف أمام التحديات المختلفة رغم بعض العقبات التي لم تحل كليا كمسألة الرواتب، ولا شك أيضا أن الشعب ما زال يثق في حكومته ثقة مبصرة لأنه أدرك أن حكومته تعمل بكل تفان واخلاص من اجل الخروج من المأزق الذي فرضته القوي الغاشمة لاخضاع الشعب الفلسطيني. وفي المقابل يجد أن الرئاسة يتركز عملها في محاولة تسويق ما تقدمه أمريكا واسرائيل من مبادرات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تعمل أي خطوة حقيقية من اجل رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني بل علي العكس تماما فشغلها الشاغل منصب علي تسليح وتدريب الحرس الرئاسي واستقدام مزيد من قوي الأمن كقوات بدر وكأن السلطة الفلسطينية أمام أم المعارك وهي التي وجدت من اجل حفظ الهدوء في مناطق تسيطر عليها. الشعب الفلسطيني كله أمل بوفاق يتم بين عباس وهنية وبين فتح وحماس، ولو تم الاعلان عن حكومة الوحدة الوطنية سيكون هناك عرس فلسطيني ونصر حقيقي للقرار الفلسطيني المستقل عن الأجندات والارادات الخارجية.
اذن مصيرنا يتحدد، اما بحكومة وحدة وطنية مدعومة من الشعب كله من اجل فك الحصار وبناء الدولة المؤقتة واما بحكومة فاقدة للشرعية لا تعمر طويلا، و لا يمكنها الا تحقيق الغاء السلطة الفلسطينية. واذا ما انتهت السلطة الفلسطينية أو انتهت شرعيتها فلا شك أن الخيار السياسي لن يكون يوما خيارا لحماس التي ستجد نفسها أمام خيار المقاومة فقط مما يؤدي الي ردود فعل اسرائيلية، اضافة الي برنامجها اليومي القائم علي الحاق المزيد من الخســائر البشرية والمادية في صفوف الشعب الفلسطيني. ولا اعتقد أن الصراع سيظل مقتصرا علي الساحة الفلسطينية لأنه قد يمتد الي دول عربية مجاورة والتي حكوماتها ليست في منأي عن التقلبات بطبيعة حالها، وربما اشتداد الصراع علي الساحة الفلسطينية سيعجل في ثورة الشعوب المقهورة في ظل وجود جماعات اسلامية كبري تستغل مخزون الغضب الجماهيري وتوقه لتغيير الواقع الأليم الذي تفرضه الأنظمة العربية المستبدة في المنطقة.
اذن بكل بساطة لا يمكن تجاوز حماس، لان الغرب ليس من صالحه الغاء السلطة ولأن سياسة بوش لن تدوم في ظل الهزائم التي لحقت بالجيش الأمريكي وبالتالي بالحزب الجمهوري وكذلك فانه ليس بمقدور اسرائيل حماية شعبها الغاصب من عمليات المقاومة في ظل غياب أفق سياسي، وكذلك لا يمكن تجاوز حماس لان مطالبها عادلة، وشعبيتها غالبة، كل هذا مستحيل حتي لو تنطع بعض الواهمين من أبناء شعبنا وطالب بحل الحكومة الشرعية للشعب الفلسطيني. د. عصام شاوركاتب فلسطيني6