الجزائر “القدس العربي”:
صدرت في الجزائر وبإشراف جمعية البيت للثقافة والفنون، وفي إطار تظاهرة الجزائر عاصمة للثقافة العربية، ضمن مشروع انطولوجيات عالمية، أنطولوجيا عنوانها (رعاة العزلة حارسو ظلال أيضا) خاصة بشعراء قصيد النثر في مصر منجــــزة من طرف الشاعر عماد فؤاد.
وقد جاء في مقدمة الكتاب: نعم.. نحن رُعاةُ ظلالٍ، وحارسو عُزْلات أيضاً.. طوال عقود خلت، وقصيدة النَّثر المصريَّة تتواجد في الظِّل، وتنأي بنفسها عن أضواء النِّيون المشعّة في ردهات المهرجانات واحتفالات المؤسَّسات الثَّقافية المصريَّة الرَّسمية، صرنا نتعرَّفُ علي بعضنا البعض مثل لصوص الحانات ومجرمي الطَّريق، نخطُّ سطورَنا ثم نمحوها، لنخطَّها من جديد، ندَّخر من مالنا ـ القليل أصلاً ـ كي نطبع به كتبنا، ثم نوزِّعها علي أصدقائنا يداً بيد، أو عبر عناوينهم البريدية الموزّعة علي شتَّي بقاع الأرض، نحن ـ في عرف الآخرين ـ أولاد ضلال، وأفَّاقون، وتجَّار كلمات، وفي أفضل الأحوال: نحن أصوات لم تتشكَّل خصوصياتها بعد، ومحاولات لم تزل في طور التَّكوين، وحين نعرِّف أنفسنا، نقولُ بابتسامةٍ: نعم، نحن رُعاةُ ظِلالٍ، وحارسو عُزْلات أيضاً.
ہہہستكون هذه الأنطولوجيا ـ في ظنِّي ـ الأولي من نوعها، وعلي الأرجح؛ ستكون أوَّل أنطولوجيا لقصيدة النَّثر المصريِّة تصدر حتَّي الآن بين دفَّتي كتاب، وليس غريباً أن تصدر في بلد آخر غير مصر، صدورها في بلد كبير بحجم الجزائر لا يدهشني كثيراً، بل يكاد يكون متسقاً أكثر مع طبيعة تلك النُّصوص وشعرائها، فحتَّي هذه اللحظة، لم تزل المؤسَّسة الثّقافية الرّسمية في مصر تتمسّك بشعرائها المكرَّسين لتزيد من تكريسهم، وتنفي شعراءها الجدد وكأنَّهم أبناء سفاح، ليكن، نحن أيضاً تعوّدنا علي ذلك، علي الرُّغم من أن شعراء قصيدة النَّثر المصرية احتلوا ـ خلال العقدين الماضيين ـ متن المشهد الشِّعري الرَّاهن، فيما تمَّت إزاحة الشُّعراء الآخرين إلي الهامش، حدث هذا من دون مساندة الصَّفحات الثَّقافية أو المنابر أو الدّوريات أو المجلات الرَّسمية المصريَّة، بل دعنا نقل إنَّ المبدعين المصريين قدَّموا خلال الأعوام العشرين الماضية منابرهم المستقلَّة، التي أخرجوها إلي النُّور من مالهم الخاص ووزَّعوها بأنفسهم، وهي التي أفرزت أجيال مبدعيها الرَّاهنين، تلك المنابر الثَّقافية التي جاءت كاستمرارية لحركة الطِّباعة المستقلّة، والتي بدأت تباشير ظهورها الأول في مصر عشيَّة الحرب العالمية الثَّانية، مع تأسيس جماعة الفن والحريَّة في التاسع من كانون الثاني (يناير) عام 1939 بمبادرة من الشَّاعر السُّوريالي جورج حنين ورفاقه رمسيس يونان وأنور كامل وكامل التِّلمساني، هذه الجماعة التي أصدرت نشرة الفن والحريَّة، وفي العام التَّالي أصدرت مجلة التَّطور، والتي كان تأثيرها في الحركة الثَّقافية المصرية كبيراً.
واستمرت المحاولات الدؤوب من المبدعين المصريين في إصدار منابرهم المستقلة، وصولاً إلي العقدين الماضيين، هل ننسي ـ مثلاً ـ الدّور البارز الذي قدَّمته مثلا مجلة الكتابة الأخري، والتي أشرف علي إصدارها طوال عشر سنوات الشَّاعر هشام قشطة مع مجموعة كبيرة من الشّعراء والمبدعين المصريين الذين يتصدَّرون المشهد الإبداعي الرَّاهن في مصر؟
، هل ننسي الدّور الذي قامت به مجلات أخري أصدرها الكتَّاب المصريّون علي نفقاتهم الخاصة وتوقّفت سريعاً بسبب تعثُّرها المادي، مثل: الكتابة السّوداء و الأربعائيون، و الفعل الشعري، و الجراد، و إيقاعات، و العصور الجديدة، و خماسين و شعر وغيرها؟ من هنا، ولكل ما سبق، نعتبر أن كلّ شاعر من الشُّعراء المتواجدين في هذه الأنطولوجيا، إنَّما قدَّم منجزه الشِّعري بعيداً عن ضجيج المنابر الرَّسمية، منفرداً وحيداً، لا يظلَّه إلا نصّه، وعزلته، وإيمانه العميق بما يفعل.
ہہہقصرنا أنطولوجيتنا هذه ـ إذن ـ علي شعراء النَّص الشِّعري الجديد، ذلك النَّص المنفي قسراً في وطنه، رغبة منَّا في اكتشاف أرض جديدة، أرض طالما غضَّ الآخرون أبصارهم عنها تحت وطأة ما أشيع عن أصحابها من غموض و فقر في الموهبة و شحّ في الأفكار، سعياً منهم إلي وضع هذا النّص تحت الإقامة الجبريّة وتضييق الخناق عليه، والتّعتيم عليه، ووأده بمحاولات مستمرّة ودؤوبة يحسدون عليها، وعلي الرُّغم من ذلك، استطاع شعراء هذا النَّص أن يجدوا فضاءات أوسع وأرحب لنصوصهم عبر وسائل عدّة، من أهمّها نشر نصوصهم ودواوينهم علي العديد من المواقع، والفضاءات الثَّقافية العربية المتخصّصة علي شبكة الإنترنت، والمشاركة في المهرجانات الشِّعرية والثّقافية العربية والعالمية، وإصداراتهم التي تخطَّت الحدود المصريّة، ولا يعني حديثنا هنا أننا نقدِّم شعراء مصر الجدد فقط، بل إنّ هذه الأنطولوجيا إنّما تقدم شعراء من ثلاثة أجيال هي: السّبعينات، والثّمانينات والتسعينات، ثلاثة أجيال قدّمت قصيدة النّثر بأشكال متباينة ومختلفة، يكاد يكون لكلّ شاعر منهم منطقته الخاصّة، والتي لن نعدم ـ بالتّأكيد ـ تقاطعها وتشابكها، واستفادتها مع ومن شعراء آخرين في الآن نفسه.
ہہہكلّ من تورّط في عمل مختارات شعرية أو إبداعية من أيّ نوع، يعرف جيداً أنّه وهو يختار اسماً ما ليكون ضمن مختاراته، إنّما يقصي اسماً آخر، لذا لا نستطيع ـ نهايةً ـ أن نزعم بأنّ هذه الأنطولوجيا تغطّي كافة الشُّعراء المصريين الرَّاهنين الذين يكتبون ما اصطلح علي تسميته بـ قصيدة النثر، فثمّة العديد من الأسماء الأخري التي قدَّمت منجزها اللافت ضمن هذا الإطار، وحالت مساحة العمل دون ضمّ أسمائهم إليه، كانت مهمّتنا أن نقدّم شرائح مختلفة ومتباينة من شعراء راهن قصيدة النَّثر المصرية، والذين لن نبالغ حين نقول إن وضعهم في أنطولوجيا واحدة شيء يكاد يكون مستحيلاً، ليس فقط بسبب ضخامة عدد من يكتبون هذا النَّوع من الشِّعر في مصر اليوم، بل أيضاً بسبب شساعة المنجز الشِّعري الذي نتج عن أصحاب هذا التَّيار خلال الأعوام العشرين الماضية، ما يشكِّل خارطة متشابكة الأطراف والتَّيارات، ويصبح الخوض فيها أمراً شديد الصُّعوبة والتَّعقيد.
وقد ضمت الأنطولوجيا الشعراء: محمد آدم، عماد أبو صالح، رنا التونسي، هدي حسين علاء خالد حسن خضر، فارس خضر، محمود خيرالله، إبراهيم داود، أسامة الدناصوري، عبد المنعم رمضان، ميلاد زكريا يوسف، ياسر الزيات، حلمي سالم، رفعت سلام، ياسر شعبان، جرجس شكري، محمد صالح، أحمد طه، كريم عبد السلام، عاطف عبد العزيز، ياسر عبد اللطيف، فتحي عبد الله، عزمي عبد الوهاب، عماد فؤاد، صفاء فتحي، محمود قرني، فاطمة قنديل، محمد متولي، إيمان مرسال، علي منصور، مهاب نصر، زهرة يسري، أحمد يماني، أشرف يوسف.
هذا وقد صدرت ضمن نفس المشروع، أنطولوجيا (أمراء الرؤي) خاصة بشعراء العراق منجزة من طرف الشاعرة العراقية منال الشيخ، ومن المنتظر أن تصدر أنطولوجيا أخري ستغطي كافة الدول العربية، حيث كلفت جمعية البيت شعراء وكتاب هذه الدول بإعدادها، ومن المنتظر أن تصدر الأنطولوجيا السورية (نوارس سوداء) منجزة من طرف الشاعر (صالح دياب)، والأنطولوجيا التونسية (أريج قرطاج) لصاحبها فوزي الديماسي.
للتذكير يترأس جمعية البيت للثقافة والفنون الشاعر والإعلامي أبوبكر الزمال، وتضم بين أعضائها كتابا وشعراء وصحافيين جزائريين.