صدور الأعمال الشعرية لخيري منصور: استعادة للأخوة الشعرية وإقصاء لضجيج الخطاب
صدور الأعمال الشعرية لخيري منصور: استعادة للأخوة الشعرية وإقصاء لضجيج الخطابالقاهرة ـ القدس العربي: أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر خيري منصور ، تضمنت الأعمال دواوين: غزلان الدم، لا مراثي للنائم الجميل، التيه وخنجر يسرق شكل البلاد، ظلال، الكتابة بالقدمين، سيرة خاطفة، ونعاس أزلي .كتب مقدمة الأعمال الناقد الراحل إحسان عباس، وكتب كلمة الغلاف الأخير الشاعر محمود درويش.كتب الشاعر مقدمة لأعماله تلت مقدمة عباس تناول فيها الإبداع من حيث كونه عصيانا للتقاليد ورفضاً للامتثال، وننقل هنا كلمتي إحسان عباس، ومحمود درويش.خيري منصور وظلالهإحسان عباستترك القصيدة لدينا أحيانا شعورا باستمرارية متوهمة لأنها تقدم علي التوالي الشيء وظله، فالشيء هو القصيدة نفسها والظل هو القسم الذي لم يكتبه الشاعر، ولهذا فإن خيري منصور حين سمي أحد دواوينه ظلال ، لم يكن يعني فقط ما تعنيه قصيدة قصيرة لديه ترسم صورة، وأن الصورة علي اكتمالها لا تزال تفرض لها ظلا أو صورة أخري مقابلة.إن هذا الإحساس الواعي لدي الشاعر بأن القصيدة القصيرة ذات وجود مزدوج جعله إذا أحس انها عاجزة عن الامتداد التلقائي اختار لها الازدواج المتعمد، فهي تحمل هذا الازدواج في موضوعها منذ البداية مثل امرأتين، شيخوختين، اثنين، يدين، رجل وامرأة، موجة وموجة، وهكذا.وإذا اطمأن الي هذا الازدواج فإنه سرعان ما يتحول بالثنائية الي وجود رباعي، فالاثنان اللذان وقفا في المصعد ظهرت صورتهما في مرآة المصعد فإذا هم أربعة وهذا الرباعي يتحقق في قصيدة ظلال نفسها حيث يجتمع أربعة رجال، فالأول لا يعجبه ترتيب الأيام والثاني لا يعجبه ترتيب الأرقام والثالث لا يعجبه مجيء الأحلام في المنام والرابع لا يعجبه أن يموت المرء مرارا بالجسد الواحد، أي أن كلا منهم ثائر علي نوع من الرقابة في نظام الناس والأشياء، فهو يطلب تغيير ما لا يمكن تغييره.وليس هذا هو المثل الوحيد علي مضاعفة الثنائية، بل هناك أمثلة أخري عديدة لعلنا نقتبس منها مثلين آخرين يزيدان في توضيح طبيعة هذا النوع من شعر خيري منصور، أولهما قصيدة رجع ، وبطل القصيدة يحاول أن يتذكر أين نسي قصيدته الأولي فيحدد لتسمياتها أربعة مواضع:لربما نسيتها في السترة الأولي ولكنها سترة بلا جيوب ، لربما نسيتها في مكتب في الغرفة الأولي ولكن المكتب كان بلا أدراج .لربما نسيتها في القبلة الأولي ولكن المرأة كانت بدون شفاه ، لكنه يذكر جيدا أنه لم ينسها في المرأة الأولي .والحقيقة أنه لم تكن له قصيدة أولي لأنها ولدت ميتة طفلا مشلولا .والمثل الثاني أن للشعر أربع لغات:لغة للحجي الوجود المتبلور لغة للشعر حزن علي الذبول لغة للمطر ازدواج محبين لغة للبشر حين يكونون صادقين وفي ارتفاع الثنائية الي أربعة تطوير صاعد، ولكن حين تخضع هذه الثنائية إلي الاختزال تعود إلي الوحدة إلا أنها لا تبلغها إلا في أربع مراحل:هكذا تبدأ المسألةرجل وامرأةرجل نصفه ميت وامرأةرجل ميت وامرأةميت وامرأةهكذا تنتهي المسألةأرملة!وفي حال التطوير الصاعد تتجه الثنائية إلي مضاعفاتها ستة ـ ثمانية فالذين بحثوا عن الغائب في الجهات الست يئسوا أن يطل عليهم من إحداها فوجهوا عيونهم نحو سابقه .ما معني هذا كله؟ دعنا لا نسرف في التأويل، هنا حالات إنسانية ولكن بناءها يتم علي نحو متشابه رغم تباعد موضوعاتها فتشابه المبني يكسبها وحدة في الظاهر.ٍمركبات الاثنين كما أن الاثنين في أساس كل شيء في الوجود الانساني الخير والشر، النور والظلام، الجمال والقبح، إلخ فهذه القصائد وإن كانت في معظمها تعالج حالات قد تكون صغيرة إذا هي قورنت بالمشكلات الإنسانية الكبري فإنها تعالج تلك الحالات علي أساس فكري.ومثلما أن الثنائية تصعد وتتزايد ببزوغ ثنائيات جديدة، فإن القصيدة تبدأ من نقطة صغيرة تأخذ في الاندماج حتي تصبح دوائر متحددة المركز وفي الحركتين معا التربيع والتدوير يتعانق المبني والمحتوي وهذه ثنائية ليست جديدة ولكنها تتركب بشكل جديد لكن فكرة الدوائر قد تتعارض مع فكرة القصيدة حين يراد لها أن تكون قصيرة ولكن في هذا نفسه يكمن سر الإيحاء المتمدد الذي تمثله قصيدة خيري منصور.ومن الطبيعي ما دامت الثنائية هي العنصر الأول في الوجود الانساني أن يحتوي هذا الشعر علي ايحاءات أو رموز جنسية، لكنها عند الشاعر وفي ديوان ظلال بالذات مغلفة بأقنعة كثيرة.ففي قصيدة ذئاب يبدو رجل وامرأة في حضرة الطبيعة الساكنة، الماء راكد ينظر إليها، والشجر المائل لم يقل من، والحجر الحاني لم يقل أين، وهما ايضا ساكنان لا يرميان ـ ولا يهمان برمي ـ حصاة واحدة في الماء، ولا يسمحان لظليهما أن يرقصا علي الصفحة المائية تعبا من عد ليال ملأي بنداء مكتوم ولكن فجأة يتبدد هذا الركود ويزدوج ما كان منفردا فيصير الحجر حجرين والقمر قمرين، ويتوحد ما كان مثني إذ يصبح الرجل والمرأة شخصا واحدا يتوزع في جسدين ولكن يعادل هذه الايحاءات والرموز صور كثيرة تتحدث عن البرد ويباس البحر والجفاف وفقدان الماء والضياع والموت:آن لي أن أقولهذه غلطتيوغدا يبدأ الموت أسبوعهوهو حتما يطولويلاحظ قاريء هذه المجموعة أن كثيرا من عناوين القصائد تبدو مصمتة لا توحي بثنائية وكأنها لا تنبض فيها الحياة، مثل خاتم ـ بوصلة ـ برد ـ هجاء ـ عنوان، ولا يمكن لها أن تمتليء بالحيوية إلا إذا افترضنا أنها قد تكون رموزا عن قضايا تشغل ذهن الشاعر وخياله، وأن نقرأها علي هذا الأساس فالخاتم الذي ضيعته الجميلة لم يكن خاتما من ذهب أو بلاتين بل كان مكونا من الحب والبراءة معا:خاتم ضاع هذا المساءفتوزع بين أصابع كل النساءهل هذه القصيدة القصيرة للجميلة لأنها ضيعت أغلي شيئين؟ هل اجتماع هذين العنصرين معا لا ينفصل ازدواج تجريدي ؟ هل يقول الشاعر أنها الزينة الحقيقية لكل النساء؟ وهل نقول أن الخاتم أيا كانت مادته زينة، وهذه الجميلة دون كل النساء الأخريات لا تحتاج الي زينة؟ بهذه الأسئلة علي تباعدها يصبح الخاتم رمزا، دون أن تتدخل في تحديد هذا الرمز.ان أي تصفح لهذه القصائد يدل علي أنها كتبت بطريقة جديدة أو جعلت علي كل شيء خطوطاً مكتنزة بالمعاني والإشارات والتلويحات، ولا يضيرها أنها خطت في سهولة ظاهرة ويسر، وفي استرسال طبيعي، وبمشاركة غير قليلة من اللاوعي دون لجوء الي التعمية والتعقيد مع الحفاظ علي ايقاع داخلي وبعض ايقاع خارجي، ونحن نقرؤها لا نملك إلا أن نقول من حق الشاعر أن يطالعنا بصور غريبة إذ لا قوة تستطيع أن تحدد له خياله وبخاصة إن كان يحاول ـ كما حاول خيري منصور ـ أن يؤالف غربة هذه الصور بطريقته الاسترسالية مع الربط الدقيق بين أجزاء الصورة.أخيرا فإن للقصيدة القصيرة امتدادات في دواوين خيري منصور الأخري وبخاصة ديوان لا مراثي للنائم الجميل وهي تستحق حديثا مستقلا.فنجان قهوتنا الأولمحمود درويشهذه مناسبة صالحة لإعادة الحياة إلي كلمة محذوفة من لسان العرب المنقح، هي كلمة الصداقة بين أبناء المهنة الواحدة، فهل في هذا خروج عن مألوف النميمة، وثقافة الإقصاء، وتقاليد الاغتيال المعنوي السائدة بين من لا يحبوننا إلا موتي؟ربما، ربما صار كل شيء، كالشرف، نادرا، وصار جديرا بالمكافأة من لا يضع السم في حبر صاحبه، ولا يرسم للخنجر شكل التحية.ما لنا ولطنين البعوض، فنحن حولك لأننا نحبك كاتبا وشاعرا وصديقا، ولي منك ما لك مني، كرم الضيافة في حضرة الموهبة، ووفاء النص لسلالة القص، وعثور الغريب علي نفسه في الغريب، وأسبقية القراءة علي كفاءة الكتابة، لكنني أغبطك، دون أن أعلم إذا كنت تغبطني، فما زلت فيك طاقة علي منصاص الليل، وفتوة هجاء لتاريخ من النوم لا يستحق غير الهجاء.أما أنا المريض بأمل الصباح المريض هو أيضا، فأجهد نفسي في البحث عن مديح صغير لعشب لا ييأس، الشمس عنه، وعن أحد!كم تبدو تقليديا يا خيري وأنت تدافع عن حق العرب في الهواء والغنائية في الشعر كي لا أقول: عن فلسطينهم ووعيهم لذاتهم، وعن غد يؤجله حاضرهم الي أجل غير مسمي، وتطرده تبعيتهم الي زمن مائع لا ماضيه يمضي، ولا مستقبله يلوح ولو من بعيد.لكأنك يا خيري واحد من عصبة صغيرة لا يسأل أمه: هل انت حقا أمي؟ أم لأنك تدرك أن المبدئية الجامدة الغافلة عن استيعاب المتغير لا تعني إلا التحجر، وأن البراغماتية الخالية من المبدئية لا تعني إلا العدمية؟ما لنا ولهذه الأسئلة الآن؟فنحن هنا للاعتراف بأن الصداقة ممكنة، والمحبة ممكنة، وصيانة جمرة المباديء ممكنة، ونحن هنا لنقول لك: إنك فنجان قهوتنا الأول، فلا يبدأ نهارنا إلا بك، أحببناك، وأدمناك، ولم ينج أحد منا من عدواك!!.QMK0