عندما نشر رجل القانون اليهودي الأمريكي الن درشوفتس قبل نحو 25 سنة كتابه واسع الانتشار «وقاحة» وصف وضع يهود الولايات المتحدة كقمة النجاح اليهودي في الازمنة كلها. فقد وصلوا إلى انجازات استثنائية في المجتمع الأمريكي، ولم يعد لهم ما يخافوه من التصنيفات واللاساميات، كما قضى درشوفتس. وبناء على ذلك، طلب من اليهود في أمريكا، بعد جيلين من الكارثة، ان يكفوا عن ان يروا انفسهم كمواطنين من الدرجة الثانية او ان يكونوا خائفين. أبرزوا يهوديتكم، هكذا طالبهم، ولا تخجلوا من تحقيق نجاحكم. وهكذا الان بالذات، في اعقاب تعاظم التيارات اللاسامية من جانبي الطيف في الولايات المتحدة، فان اقوال درشوفتس توضع تحت الاختبار.
ايام البهاء ليهود أمريكا لم تصمد زمنا طويلا، واليوم توجد أمريكا في حرب ثقافية مستمرة وخطيرة، فيما المركز السياسي يراوح في المكان. في الاطراف تهب ريح فوضوية تعطي النبرة لكراهية اليهود في اوساط التقدميين والاشتراكيين الجدد من اليسار، مثلما ايضا في اوساط النازيين الجدد البيض من اليمين. المعسكر الاول ينفر من الوطنية «الشعبوية» و «البيضاء»، ويرى في ترامب عدوه اللدود. ويصنف اليهود من اليسار كمجموعة من خاصة وكمن يعطون الرئيس ريح اسناد عبر سيطرتهم المزعومة في وول ستريت وبدعمهم لاسرائيل «الشوفينية» التي تعتبر حليفته. السناتور اليهودي بارن ساندرس، الذي تنكر لاسرائيل في حملته الانتخابية ملزم بالعمل بكد كي ينظف الاعشاب الضارة في معسكره.
مقابل اليسار، فان اليمين الأمريكي المتطرف الذي يرى في ترامب المخلص من «السيطرة المعادية» لباراك اوباما وجماعته، كان له موسم في الاشهر الاخيرة: فالعنصرية البيضاء جاءت لتقوض عهود «الكونية» للرئيس الاسود الاول التي اتخذت صورة السيطرة المعادية لأمريكا. وجاءت شعارات كراهية اليهود، التي اطلقت بصوت عال في شارلوتسفيل في نهاية الاسبوع لتقول: إن اليمين المتطرف لن يسمح «لليهود» بان يسيطروا ايضا على الرئيس الابيض حبيبهم. وفي الاضطرابات التي ادت ايضا إلى عملية الدعس في فيرجينيا، التي قتلت فيها متظاهرة من اليسار، أخرج الاسبوع الماضي نشطاء اليمين المتطرف الصلبان المعكوفة على مرأى الجميع واطلقت الشعارات النازية ولم يخف النشطاء من القول ان كوشنير وايفنكا اليهوديين لن يحتلا مكاننا.
ان المعارك الأمريكية الداخلية بعيدة ظاهرا عن القدس، ولكنها ليست كذلك. فاعداء اسرائيل، لا سيما المواجهة العلنية مع رئيس الوزراء نتنياهو، جعل المسألة الفلسطينية مركزية في خطاب اللاسامية الجديد لليسار الأمريكي. ويعتبر تأييد نتنياهو لترامب هو ايضا في اوساط قسم من نشطاء اليسار اليهود كـ «خيانة» للقيم الليبرالية. وفي موجة اللاسامية التي اجتاحت أمريكا في الربيع الماضي بعد انتخاب ترامب، لم تسارع القدس إلى شجب الرئيس الأمريكي او مستشاره الكبير ستيف بانون، المتماثل مع اليمين المتطرف.
الكثير من اليهود الليبراليين شجبوا اسرائيل، كمن تتنكر للقيم الكونية وتتحالف مع اللاساميين. وسياسة اسرائيل في مسألة التهويد واقصاء اليهود الليبراليين عن صيغة المبكى صبت الزيت على الشعلة، لان دولة اسرائيل تتعاون مع كارهي اليهود في الولايات المتحدة.
ان كراهية اليهود لدى النازيين الجدد الأمريكيين، مثلما هو ايضا العداء لليهود في اوساط القوى التقدمية من اليسار، يجب ان تقلق القدس. فمكانة يهود أمريكا حرجة لاسرائيل في العالم الغربي ومحظور التردد عندما يكون اليهود واليهودية عرضة للهجوم من كل جانب. على اسرائيل ان تتحدث بشكل واضح سواء هاجمها «اللاساميون الجدد» من منتقدي اسرائيل، ام تعرض يهود أمريكا للهجوم من «اللاساميين القدامى» والنازيين الجدد، ممن سيربطون دوما في النهاية الصهيونية مع كراهيتهم الشاملة لليهود. وبرأي النازيين الجدد في أمريكا، تسلل اليهود إلى العرق الابيض ونجحوا حتى في الوصول إلى البيت الابيض نفسه. في هذا الوضع، فان صوت القدس ضد اللاسامية باشكالها كلها يجب أن يكون اليوم حادا وواضحا. هذه هي الفرصة للشروع في حملة مصالحة وتقارب واسعة بين اسرائيل ويهود أمريكا.
يديعوت ـ 17/8/2017
يوسي شاين