صديقي الكردي

حجم الخط
0

صديقي الكردي

عمر خليفةصديقي الكرديكيف عرفتني، يا صديقي الكردي؟هل تبعث المأساة المأساة؟هل أصبح لحزن المستضعفين رائحة تدل عليهم؟آخر ما كنت أتوقعه، عندما جئت الي أمريكا، هو أن أجاور انسانا يحمل مأساة شعب تساوي، أو لعلها تتجاوز، مأساة الفلسطيني.كنت أحلم بأن أعيش بعيدا، هناك، حيث سأغادر، مؤقتا، جدل السياسة ومآسي الشرق الأوسط التي لا تنتهي. توقعت أن مانهاتن ستفتح أبوابها لي، حيث البرجوازية الأمريكية والسيارات التي تحلم بمجرد الوقوف أمامها. كأي ساذج، رغبت في محو الرائحة السياسية التي عشعشت في قلوبنا سنوات، لا انكارا لأهميتها، لكن شوقا لأن أجرب امكانية العيش وراء البحار دون أن تدري عما يحدث وراءك.الجواب عن هذه الامكانية جاء أسرع مما توقعت، قبل أن تبدأ تلك الاجازة الموهومة. ففي حفل الاستقبال الذي أقامته جامعة كولومبيا لطلابها الجدد، رأيت شابا ثلاثينيا يقترب مني، هكذا بلا سبب، مخترقا لدائرتي الوهمية التي اكتشفت أنها لا توجد الا في وعيي الزائف، ليسألني، سؤال المتيقن من الجواب: هل أنت عربي؟المشهد الذي اتضح بعد دقيقتين هو أن هذا الشاب كردي ايراني هاجر الي أمريكا قبل بضع سنوات. أما ما اتضح بعد أسبوع فهو أن هذا الشاب ليس طالبا معي في الكلية ذاتها فحسب، أو في القسم ذاته، أو أنه يشاركني في أربع محاضرات أسبوعيا، أو أنه يسكن في ذات المنطقة التي أسكن فيها، أو حتي في الشارع نفسه. ليس هذا وحده ما يجمعني بصديقي الجديد، فهو يسكن في ذات العمارة التي أسكن فيها، يفصلني عنه طابق واحد فقط، مما يعني أن عدد الزيارات التي يمكن لكلينا تبادلها في اليوم قد تتجاوز العشر. كنت أظن، قبل صديقي الكردي، أننا العرب مهووسون بالحزن، نعشقه ونقدسه ونجعله ديدننا دوما، حتي في لحظات سعادتنا. هناك شيئ في نفوسنا حزين، كما قال صلاح عبدالصبور مرة. من بكائيات امرئ القيس علي الأطلال، الي ليليات أبي الطيب، وحتي آهات عبدالحليم وأم كلثوم. لكنني اكتشفت، في شهرين فقط، كم هو بسيط شعورنا بالحزن. هذا الرجل الكردي، وأنا هنا لا أطرح الموضوع سياسيا لأنني لست خبيرا به، يحمل معه قصة حزن تجسدت في شعب ورافقته عشرات السنين. حزن يتكلم كما لم أر من قبل. كلما دخلت غرفة صديقي، أجده يستمع لأغان كردية تشبه النواح واللطم، وهو، بكل مشاعره وأحاسيسه، ينساب مع تلك الأغنية، محاولا شرح كلماتها لي، مطعما ذلك بمعلومات تاريخية عن مأساة هذا الشعب الباحث عن قطعة أرض تحوي أحلامه. أرجوه أحيانا بأن يضع لنا أغنية أخري، أو يغير موضوع النقاش الي شيء لا علاقة له بالسياسة. لكننا نبدأ يوميا من حيث انتهينا: القومية العربية والكردية، احتلال العراق، تقرير المصير، الدور الأمريكي في المنطقة، هذا فضلا عن الي القضايا العامة التي اعتدنا مناقشتها في بلادنا كالاسلام والدولة وحقوق المرأة وغيرها.أطرف ما في الموضوع وأغربه أنني، ولأول مرة في حياتي، أجد العرب متهمين بالاعتداء علي الآخر ومصادرة حقوقه وحرمانه من حريته. فقد اعتدت أنا أن أكون دوما ضحية في أي نقاش، ضحية فلسطينية اذا كان النقاش عن فلسطين، وضحية عربية اذا كان النقاش عن الاستعمار والكولونيالية، بل حتي ضحية عالمثالثية اذا كان الموضوع عن اختلال العلاقة بين المركز والأطراف في هذا العالم. لكن صديقي الكردي، الذي يتقن العربية الفصحي، يؤمن أن بعضا من الدول العربية يتحمل جزءا من مأساة الأكراد كشعب، وأن العرب والمسلمين صمتوا عن ادانة المجازر التي ارتكبت في حق الأكراد في حين أنهم كانوا يقفون بجانب الشعوب الاسلامية الأخري كالشيشان وكوسوفو. ولجهلي المخجل حقا بالموضوع، مع أنه في صميم المنطقة التي جئت منها، فانني أكتفي باطلاق شعارات عامة كإنكار الظلم ومصادرة الحريات ومناصرة أي شعب في طريقه لنيل حقوقه.رحلتي الجسدية من هناك الي هنا، من الشرق الي الغرب، لم ترافقها رحلة في الموضوعات والاهتمامات. الشرق حاضر دوما، أعيشه يوما بيوم، بل ان مداه الجغرافي والانساني اتسع الآن. فصديقي الكردي يصر علي أن الفلسطينيين هم أكثر المطالبين بمناصرة الأكراد، لأنهم يعرفون ما معني أن يعيش الانسان بلا وطن. أخبرني صديقي عن قصص لمآس كردية تشبه الخيال، أخبرني عن رجل كردي عراقي كان يعيد بناء بيته كلما هدمته الجرافات والقنابل، وقد وصل عدد مرات اعادة البناء الي 14 مرة. أشعر، عندما أنظر الي عيني صديقي وهو يتحدث، بحزن مختلط بالصــدق، مع أنني أحاول أن أكون حذرا في اعلان تضامني المطلق، فأكتفي أحيانا بالقول: ان كان حدث هذا أو ذاك فهو جريمة. لكن صديــقي يستمــر في سرده المليء بالجراح، تحت سمـاء مانهاتن التي لا تعرف أحزان الذين تظلهم بعماراتها الشاهقة.31/10/2006طالب فلسطيني ـ جامعة كولومبيا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية