صديقي

حجم الخط
0

فاطمة الزهراء الرغيوي يفكر صديقي كثيرا؛ على مقعد الحافلة، في مواجهة البحر، أمام المبنى الحكومي. صديقي هذا تحديدا، يفكر كثيرا؛ لأنه بلا يدين ينشغل بهما في إشعال سيجارة، أو بالتكتكة على لوحة مفاتيح الحاسوب. هو بلا ذراعين! لذا يجلس فقط على أقرب كرسي أو على الرصيف.

صديقي لا يقرأ، لا أصابع له يقلب بها الصفحات. يقرأ على الوجوه العابرة فقط، تعبها المتكرر والخوف الكبير المطبوع فيها.

لا يتحدث صديقي كثيرا، لأن الثرثرة تثقل كتفيه، يشعر ـ حين يتحدث ـأن ثقلا ما يجذبه إلى الأرض وهو الذي لا يريد أن يموت، يخفي صوته، ويكتفي بالنظر ولا يشبع من الدنيا، لا يشبع من شمسها وليلها والعابرين والعابرات والأطفال. صديقي يحب الأطفال، ويحب الورد، لكنه لا يقطفه، فهو بلا يدين!

لا يمل صديقي الانتظار، على كرسي الحافلة، في مواجهة البحر، وأمام المبنى العمومي.

لا ينظر صديقي إلى ساعته اليدوية ليعرف الوقت، فلا معصم له ليعلق فيه ساعة صينية رخيصة. وهو لا يقتل الوقت.. الوقت يقتله. هكذا يشعر عندما يستيقظ صباحا ويكون في حاجة ليريح مثانته من الماء الثقيل فلا تمتد يد تفتح سحاب سرواله، فيضطر للجوء إلى الحلاق في آخر الشارع، فينهمر الماء ويستريح.

لا يبكي صديقي.. صديقي لا يحب البكاء.

ولا يحب البنات، لا ذراعين له تضمان جسدا متعطشا للعناق.

يمشي صديقي عبر أزقة المدينة، لا يتسول، فلا يد له تمتد طالبة صدقة عابر.

لا يخوض صديقي إضرابا، فلا يد له ترفع لافتة أو إصبعي النصر.

لا يهتم صديقي بالأخبار، بالحكومة الجديدة والحكومة القديمة وحكومة الظل وبالحاكم الكبير وبأذرع كل هؤلاء، الطويلة منها والقصيرة، فلا ذراعين ولا أصابع له تحمل الجريدة وتقربها من عينيه بما يكفي لكي يقرأها ويعرف أخبار السياسة ويدها الطويلة التي تصل إليه لتعدل شكل الطريق المعبد؛ من طريق معبد يتجه صوب المبنى الحكومي إلى طريق معبد يميل إلى المبنى الحكومي. لم يعد رجل الأمن يستوقف صديقي ويطالبه بأوراقه الثبوتية، فلا يد له تمتد إلى جيبه لتخرج بطاقته الوطنية، أو لتخرج ما يكفي ليغض رجل الأمن بصره عن وجود صديقي في المدينة. يتأمل صديقي فقط ويفكر. ويمشي عبر المدينة، ويجلس على كرسي الحافلة، في مواجهة البحر، وأمام المبنى العمومي… عندما يعود صديقي مساء إلى حجرته، وتكون أمه قد أطعمته وسقته بعض الماء وهي تلعن حظها في ابن عاثر وكسول مثله، لا يجلس على سريره؛ لكي لا يرفع نظره إلى الجدار المقابل؛ لكي لا يرى البرواز المعلق هناك؛ لكي لا يرى الشهادة الجامعية.

يستلقي صديقي على سريره، ولا يرفع فوقه الغطاء لأنه لا يريد تذكر ذراعيه ويديه وأصابعه. صديقي يفضل أن يبقى خفيفا بلا أطراف!*كاتبة من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية