صدي الروح : فانتازيا تقرأ الواقع وتفضحه
ما هي الحدود الفاصلة بين العقل والجنون؟ صدي الروح : فانتازيا تقرأ الواقع وتفضحهدمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: في رواية النهايات لعبد الرحمن مُنيف، نتعرف إلي شخصيّة مجنون في قرية الطيبة ، لنكتشف بسهولة أنه وكلما أمعن الكاتب في تأكيد سلوكيات الجنون حول هذه الشخصية، كلما اكتشفنا أنه عاقل، بل هو الحكيم في هذه القرية التي تتسع لمساحة الوطن.فيما بعد قرأت رواية اختبار الحواس لعلي عبد الله سعيد، حول مصح نفسي أو مشفي لعلاج الأمراض العقلية. ثم نكتشف في النهاية أنّ المشفي وطن، وأنّ الجنون يقبع في إدارته الدكتاتورية، وأنّ المرضي هم المواطنون في هذا البلد.وأنا لا أدعي أنّ أيّا ً من العملين قد ابتدع جديداً، فهذه الفكرة مطروقة كثيراً في الأدب، لكنهما نجحا في توظيفها ضمن نسيج أدبي رائع. وأنا أتذكرهما الآن وأتذكر كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو المراقبة والمعاقبة حين متابعتي لمسلسل صدي الروح والذي أعادت الفضائية السورية عرضه مؤخراً، إذ لم يتسن للكثيرين متابعته في العرض الرمضاني السابق. دون أن أتهم مؤلفه حافظ قرقوط بأنه سرق رواية عبد الله سعيد، بل علي العكس سأقول بأنه نجح في إعادة الشغل علي هذه الفكرة درامياً. وأعاد طرح السؤال: ما هي الحدود الفاصلة بين العقل والجنون في واقعنا؟ وما هي مسؤولية الواقع فيما نصل إليه من جنون؟ والكاتب قرقوط كان بارعاً في شدنا إلي عالم المصح النفسي ومرضاه الذين اختارهم من خلال شخصيّة الدكتور سامح رامي حنا الذي يتابع دراسة الطب النفسي في دولة أجنبية، وجاء قاصداً ليُعد رسالة الدكتوراه عن المرضي النفسيين في بلده. وهكذا يختار من إحدي مشافي الأمراض العقلية عدداً من المرضي النفسيين وينقلهم إلي فيلا يملكها بشكل شخصي، ويسعي إلي تأمين كل احتياجاتهم المادية والنفسية. وأهمّها الإحساس بالأمان. ليقينه بأنّ هؤلاء المرضي يحتاجون لمن يحبهم ويحترمهم ويخاطب إنسانيتهم .أقول أنّ الكاتب نجح في شدنا إلي عالم فانتازي، يتألف من مجموعة من المرضي النفسيين والطبيب سامح، كما بني جسوراً بين هذا العالم الفانتازي وبين عالم الواقع من خلال بعض العلاقات مع المشفي وإدارتها، أو مع المجتمع بنماذج تحمل قيماً معيارية تدين هذه الحالات المرضية، بل هي تهرب من مسؤوليتها تجاه هذه الحالات. قليلون هم الذين أبدوا تعاطفاً مع هذه الحالات أو مع مشروع الدكتور سامح العلاجي، نذكر منهم نسرين طافش بدور إيمان التي تتصدي للمجتمع والمرضي دفاعاً عن استمرار علاقتها مع خطيبها المريض نفسياً. كذلك هنالك مساعدة الدكتور سامح والتي تحمل اختصاصاً في دراسة السلوك البشري، لكن مثاليتها المفرطة تدفع بها إلي العالم الفانتازي الذي بناه المسلسل.مخرج العمل محمد شيخ نجيب الذي أبدع في مسلسل بكرا أحلي ينطلق هنا من افتراض طريقة جديدة لعلاج الأمراض النفسية، ويلعب علي المفارقات بين المجانين والعقلاء، لنكتشف العمق الروحي لدي من اعتبروا مجانياً، مُقابل الجشع والخسة عند العقلاء، وبشكل خاص أولئك الأهل الذين يستغنون عن ابنهم لمُجرّد دخوله المشفي العقلي، بل هم يرفضونه حتي وإن شفيّ تماماً.تكمن أهميّة العمل في تنوّع الحالات التي تعاني اختلالات نفسية وعقلية، جراء الضغوطات التي تعيشها، أو الظروف التي مرّت بها. ابتداءً من فؤاد إياد أبو الشامات الذي ما يزال في مرحلة الطفولة، بتأثير سلطة والدته وحبها لابنها الوحيد، إلي مروان عابد فهد الذي افتقد في طفولته للرعاية الأبوية مما دفع به إلي حالة من التمرّد علي الواقع، وصولاً إلي مُنير بسام كوسا المثقف والموظف النظيف الذي يُحال علي التقاعد، فيما يُرقي من هم دونه أهليّة إلي مراكز هامة في الهرم السلطوي، فيعيش حالة من الاكتئاب والانفصام تضعه في التعارض مع زوجته وابنته الكبري حتي يدخل في الوهم مُتعشقاً شخصية قائد عسكري يحمل استراتيجية لإصلاح المجتمع والخلاص من الفوضي. ولا يقل عنه في هذا الدور أداء حُسام فايز قزق الذي درس الفيزياء في أميركا، وتزوّج من كاترين وأنجب منها ابنته الوحيدة. لكنه يفقد كل شيء مع أحداث 11 أيلول/ سبتمبر إذ يُعتقل بتهمة أنه أيمن ويُحقق معه علي هذا الأساس، حتي أصبح يُعاني من الشيزوفرينيا بين هاتين الشخصيتين.كذلك تعرفنا بين مرضي الفيلا علي صباح ف سامي التي حرمت الإنجاب فتخلي زوجها عنها، مما أدي إلي فقدانها للتوازن العقلي. وأصبحت تتوهم أنها أنجبت طفلاً جميلاً، خطفه زوجها الشرير. وكذلك حياة ندين سلامة التي أصرّ والدها علي تزويجها ممن لا تريد، فهربت من الأسرة ومن الواقع إلي عالمها الوهمي.مع هذه الشخصيّات وإشكالاتها في الواقع والمجتمع،رسم المخرج كركترات متميزة وصعبة، اشتغل عليها الممثلون بحب قلّ أن نشاهده في عمل آخر، كما لجأ المخرج إلي لقطات الفلاش باك السريعة والتي منحت العمل حيوية، استطاعت أن تعيد التوازن إليه مقابل كثافة الشخصيات، وتعدد القصص. حتي أنه أخذنا كمشاهدين ضمن دراما اجتماعية تتكئ علي الكوميديا والفانتازيا إلي قراءة الواقع وفضحه، بل تعريته، خاصة ونحن نقارن بين الدكتور سامح ورؤيته الإنسانية للمريض، وبين مدير المشفي وإدارته اللاإنسانية. 2