صراخ منسي: كلنا غارقون في العار
فرقة الفرات ومسرحية العرس الوحشي صراخ منسي: كلنا غارقون في العار ستوكهولم ـ القدس العربي ـ من عصمان فارس: في مهرجان ايام المسرح Riks teater في ستوكهولم شاركت فرقة الفرات مسرحية العرش الوحشي من اعداد الكاتب المسرحي العراقي والمبدع فلاح شاكر عن رواية الكاتب الفرنسي جان كيفلك والحائز علي جائزة جونجور الدولية. النص في الرواية احداثه تدور في فرنسا، اما النص في المسرحية المعدة احداثها تجري في جنوب العراق، والمسرحية من اخراج المخرج السويدي نيكلاس ساندستروم وتمثيل الممثل العراقي حسن هادي والممثلة العراقية عايدة عمر، وعازفة الغيتار نادين عمر. عرضت المسرحية باللغتين العربية والسويدية والترجمة علي الشاشة في اعلي وسط المسرح. المكان جنوب العراق بعد سنين عجاف من خروج المحتل، لأن القوات الامريكية موجودة في كل العالم جار غير مرحب به ومكروه في اليابان وفي كوريا وفي ابو غريب، اليانكي يغتصب النساء، ارضية المسرح عبارة عن ارض مغطاة بالقصب مع موقع ترابي اشبه ما يكون بأرض الحرام ومن مخلفات الحرب.منسي شاب يدخل مع حقيبته كالمجنون يبحث عن مكان لكي يدفن كومة او رزمة من المال في التراب يحفر ويحرك قدميه كالكلب ليغطيه بالتراب. الابن منسي خائف ومعلق بشكل جنوني يحب امه كالعقدة الاوديسية، يحاور نفسه وهو خائف ويردد نفس الاسئلة باحثا عن الاصل والوجود وسط هذا الركام والخراب في النفس البشرية.منسي ومهمل وسط خراب الدنيا والقيم يبحث عن اعز شيء مفقود وهو صلة الرحم والحب والحنان بحوارات عربية وسويدية خائف من كلمة انا لست امك.. والعرض يتيح للمتلقي المتابعة بالعربية والسويدية.. يلتصق منسي ـ حسن هادي وبشكل طفولي وجنوني بحب امه عايدة عمر.. مرة تكون الام والعروسة والقريبة والحبيبة ويتحرك الاثنان وبكل رشاقة وسط جزرة ترابية فيها عيون ضوئية تلمع توحي للمتلقي انها عبارة عن مصابيح وحقول الغام. فعلا الارض وسط خراب الحروب والاحتلال وضياع الانسان وفقدان الكرامة وتنكر الانسان لأدميته.. منسي يذكرني بشخصية منسي والتي ابتدعها الكاتب الكبير الطيب صالح في مقالاته، او حنظلة ناجي العلي وسط غفلة الحياة والسؤال المحير والجواب المفقود من أنا؟ ومن انت؟ ومن أمي؟ كل شيء ضاع مع الوطن والشرف، الفنان حسن هادي حاول زرع بذور الدراما المسرحية في النص وهو ممثل جيد يمتلك الايقاع المنوع في صوته وحركته.. ومن الوهلة الاولي تشعر انك امام ممثل يمتلك مقومات ومفاتيح دوره متوازن في الحركة ومثير يتعاطف معه المتلقي لأنه يطرح اسئلة عديدة ولكن بدون ان يتلقي اي صدي.. تشعر انه مهمل ربما لكونه يمثل العار وسط كابوس الجريمة والاغتصاب اي اغتصاب الام من قبل جنود الاحتلال.. اما الام والتي ادت دورها الممثلة عايدة عمر فتقف لأول مرة علي خشبة المسرح تجيد اللغة السويدية رغم قصر الزمن علي تواجدها في السويد.. كانت رائعة في ادائها وتتحرك بكل رشاقة وخفة وتمتلك الثقة العالية في فهم شخصيتها وكانت حتي في حواراتها السويدية تتصرف كأي امرأة عراقية ترتدي الملابس السوداء والشيلة.. امرأة محطمة وسط ظلام الحياة وقسوة الزمن وغدر الزمان وخلقت عازفة الغيتار نادين حالة التوازن والايقاع المناسب لبناء حالة الفراغ في الحوادث. ويتمتع المعد والكاتب فلاح شاكر بأنه جريء وكاتب مبدع يتناول موضوعات مهمة ذات قيم انسانية ولها علاقة اصيلة بمصير الانسان ومعاناته. هناك مركب شاعري في النص والاخراج مبني علي الاضاءة والموسيقي والحركة.كل المناظر والمعدات المسرحية رتبت بشكل دراماتيكي جميل، لغة الشعر في النص العربي والابداع التجريبي في الاخراج ابتعد الجميع عن الجوانب الشكلية والسطحية ودخلوا الي اعماق الحدث كما شاهدنا الام وهي تؤدي شخصيات عديدة: الحبيبة، المراهقة، القريبة، والام، وهي متوازنة وبارعة في ادائها، احيانا كنت اجوب اغوار نفسي كمتلق وكنت اتصورهم كأنهم في فضاء آخر مثل القمر او المريخ يبحثون في تساؤلاتهم الفلسفية عن الذات الانسانية في ظل واقع فاسد مليء بحقول الالغام المعدة للانفجار في اي لحظة وسط عالم سحري مليء بالكوارث، كيف ولا؟ اذا كان الموضوع له علاقة بكياننا واخلاقنا ووجودنا.. ام شابة بعمر الزهور يعتدي عليها اليانكي القبيح والهمجي يغتصبها في شهوة حيوانية فتنجب جنينا ملوثا مسخا يلقب بالعار وهو يصرخ بأعلي صوته كلنا غارقون في العار وهو يبحث عن ذاته وعن امه وهي رمز الوطن المغتصب.. منسي الانسان المحبط الكل ينفره ويرفضه يبحث عن كلمة واحدة من حنان ومصدر امه يرجوها ان تحبه، لماذا تكرهه؟ منسي متعلق بالحبل السري لأمه اخيرا تنطق الام كلمة الحب فيعطيها كيس النقود ويهرب في حقول الالغام فرحا وفق نهاية قدرته لغسل العار.. ترك عندي العمل تساؤلا لا اعرف كم منسي نشاهد نتيجة عدوان اليانكي والسجان الهمجي القبيح في سجن ابو غريب؟! مصير الانسان معلق بنسيج من خيوط العنكبوت في ظل قانون الغاب مات الملايين في ربيع الشباب في ظل النـظم السياسية والعسكرية من دمار القيم ومن تلك الامور المحزنة فقدان العدالة وتسود الانحرافات السياسية والقسوة الوحشية.2