الجزائر-“القدس العربي:”يسجل الحراك الشعبي الجزائري، على ضوء التفاعلات السياسية الحاصلة في المشهد، منعرجاً حاسماً، سيحدد مصير البلد للسنوات والعقود المقبلة، ومعه تتحدد بوصلة التغيير، إما الانتقال لدولة مؤسسات تحقق مطالب المحتجين، أو العودة لنقطة البداية، باستنساخ الطرف المنتصر ممارسات النظام الأبدية، وهي الاستئثار بمركز القوة لتحقيق المصالح الفئوية لأطرافه.
وتعكس حدة النقاش الحالي وتضارب مواقف الفاعلين والمؤثرين في المشهد الجزائري، مأزق الحراك، ورغبته تجاوز منتصف الطريق المؤدي نحو المخرج المناسب من الأزمة السياسية الحالية، وهو مؤشر عن طبيعة الصراع الحالي على السلطة بين زمر تعودت لعقود على لعبة تتقن بكفاءة إدارتها، بخبرات تراكمت لديها خلال سنوات من المناورات والمراوغات.
يجمع الجزائريون أن نضالهم يهدف لتحقيق مخرج واحد للأزمة، وهو تغيير النظام، ضمن مطلب “يتنحاو قاع”، ويصطدم بمقاومة اللاعبين المتنفذين، وسعيهم الدؤوب لدفع الجموع المطالبة بالتغيير، نحو متاهات التشظي، والغرق في دوامة التفاصيل المواكبة للمسار.
تأكدت السلطة في الجزائر، أن إفشال الحراك الشعبي السلمي، باستدراجه إلى العنف، هوايتها المفضلة، مسار مآله في الظروف الحالية الفشل، وهو الفشل ذاته الذي منيت به كل محاولات تأجيج النعرات الجهوية، والفتن الطائفية، والعنصرية بين الجزائريين.
وكان التعويل من فئات واسعة على تغيير يحدثه رئيس الأركان الفريق قايد صالح منذ دفعه حليفه السابق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للخروج من الباب الضيق، مخيبا لآمالها.
ويعكس تخبط الرجل الأقوى في المشهد حاليا، بخطاباته المتناقضة، الرغبة في محاولة استعادة السيطرة على المشهد مجدداً، لكنه يصطدم مع كل مناورة، بصمود الجماهير، متسلحة بوعي يتعاظم، يدفعها قدما نحو الأمام، مدركة أن أي تراجع معناه فقدانها لكل المكاسب المحققة منذ خروجها للشارع رمز قوتها الأساسي.
الجزائريون يواجهون هذه الأيام، بشراسة، مناورات وصراعات عصب السلطة، مدركين أن هذه الحرب، دائما ما تكون قائمة بين عناصر نظام تتنقل أطرافه بتغير التحالفات التي تعقد، كلما تحول مركز القرار مدفوعة بمصلحة اقتصادية، حسبما يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمحلل الدكتور توفيق بوقعدة.
ويقول المحلل لـ”القدس العربي” إنه كثيرا ما كانت زمر السلطة تحسم خلافاتها بطريقة سرية، سواء بالتوافق أو الاقصاء والتهميش، لكن منذ 2015، برزت ظاهرة جديدة في إدارة عصب النظام صراعاتها، بتصديرها للعلن، عبر وسائل الإعلام، واستقواء كل طرف بالبوق التابع له، والذي يقاسمه الريع الممنوح له.
عند طرح سؤال جوهري لفهم المشهد بدقة، من يصارع من؟ النتيجة أنه لا يمكن الحسم النهائي بإجابة شافية للسؤال، لقدرة أطراف النظام على تغيير تحالفاتها بين الفينة والأخرى، مع وجود وسطاء الصراع، لهم دور في توجيه دفة الصراع، أي يكون التحالف في قضية، مع انتقال ذات الأطراف للجهة الأخرى في قضايا أخرى، يشدد الدكتور بوقعدة.
محاولة تسمية الأمور بمسمياتها بشكل مباشر، تقود إلى نتيجة بينة، وهي أن مظاهر الصراع العلني حاليا، تتعلق بمحوري، قيادة الأركان من جهة، ضد مدير المخابرات السابق الجنرال مدين المدعو توفيق، المتحالف مع القوى غير الدستورية.
ويستطرد الباحث أن دلائل هذا التحالف غير واضحة المعالم في السياسة الحالية للبلاد، بما أن القايد صالح لا يزال حتى الآن يدعم قرارات القوى غير الدستورية، عكس رغبة الجماهير.
الجماهير التي يزداد تأثيرها تتنامى لديها رغبة أصيلة في تحقيق مطلب حيوي، يرمز له بشعار “لا للباءات الثلاث” وهم عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة السابق الذي أصبح رئيس الدولة بعد استقالة عبد العزيز بوتفليقة، والطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري الذي أقيل قبل فترة، ورئيس الحكومة بدوي.
المتابعون للشأن الجزائري الآن على قناعة أن التحالفات في الدول الريعية ليس قائماً على مشروع سياسي أو أيديولوجي، وإنما تتجه بوصلتها وفق حسابات محددة، تتمحور على ركيزة أساسية وهي تقسيم الريع، ما يجعلها سريعة التحول وشديدة البأس فيما بين أطرافها.
ويمضي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر في توضيح الفكرة، مؤكداً “نحن نعيش أزمة سياسية متعددة الأوجه بسبب صراع عصب السلطة، التي تعودت على إهانة الخصم وسلبه كل مكونات القوة السياسية والأخلاقية”.
ويشير إلى أن الطريقة التي أدار بها سابقا بوتفليقة معركة تصفية خصومه، ورسم سياسة البلاد على مرجعية تحييد المنافسين، وتصفية حساباته بحروب الوكالة للاستفراد بالحكم، هي ذاتها وبتفاصيلها التي ينفذها رئيس الأركان اليوم، الذي يسعى لتجفيف منابع قوة خصومه حالياً.
وعند السؤال عن محددات موقف القايد صالح الذي يعترف كثيرون أنه صاحب القرار الرئيسي في البلاد ويملك عددا من مفاتيح الحلول وسر خذلانه الجموع تكون الإجابة وفق محللنا أن الأمر يتعلق أساسا برغبة متجذرة في فرض الرئيس المقبل أي خليفة بوتفليقة بالقوة.
القايد صالح والذي تحالف لسنوات مع تيار الرئيس السابق بوتفليقة، وأدارا سوية معركة التخلص من مدير المخابرات، يختزل الأزمة الحالية بالترويج لها أنها مؤامرة تستهدفه هو شخصيا، وتهدد استقرار مؤسسات الدولة تحديدا الجيش، وتوجيه أصابع الاتهام غريمه الجنرال توفيق وتوصيفه بالدولة العميقة.
رئيس الأركان وفق هذا المسار يستغل الالتحام الشعبي مع المؤسسة العسكرية، خلال المسيرات، وتصدير عدد من القرارات التي توحي بتجفيف المنابع المالية للخصوم الذين كانوا المتحكمين في العملية السياسية.
عند الاستفسار عن سر تراجع رئيس الأركان عما تعهد به من قبل عشية الإطاحة بالرئيس بوتفليقة، يعتبر المحلل السياسي توفيق بوقعدة، أن القايد صالح يدخل بقراراته الأخيرة في مواجهة أخرى مع الشعب الذي وعده بالوقوف في صفه، لكن تحركاته توحي بعكس ذلك، حيث أن القرارات المتخذة لم تحقق فعليا مطالب الجماهير.
ويشدد قائلا: “المرحلة المقبلة ستشهد مواجهة من نوع آخر، والجميع يخشى أن تكون على مستوى قيادات المؤسسة العسكرية، لأن القرارات التي يصر القايد على تمريرها، لا تحظى بشعبية حتى داخل قيادات الجيش الوطني الشعبي.
السبيل لتجاوز مأزق المرحلة الحالية يكمن في إعادة قيادة أركان الجيش قراءة المسار السياسي الحالي في الجزائر، لتصحيح الخلل، تلافيا لأي صدام بين الشعب والمؤسسة العسكرية، لتحقيق الإرادة الشعبية من خلال الاحتفاظ بالمؤسسات الدستورية وتغيير قياداتها.
الصراع الحالي بين عصب النظام ليس جديداً أو الاستثناء في سلوك النظام السياسي الجزائري، كما أنه لم يكن وليد عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي انتفضت في وجهه جموع الجزائريين رافضين استمراره في الحكم لعهدة خامسة وهو مغيب عن الساحة.
وهي القراءة التي يشاركها الباحث والمحلل السياسي الإعلامي فيصل ساولي، الذي يؤكد هذا السياق، بالإشارة إلى أن صراع العصب في هرم السلطة الجزائرية، في ظل تعدد مراكز صنع القرار فيه منذ نهاية عهد هواري بومدين بسبب عدم التوافق في الرؤى حول الخيارات السياسية والاقتصادية.
وفي رأيه فإن الصراع يتغذى حتما من الطبيعة الريعية للنظام ولاقتصاد البلد وسعي هذه العصب “الفاسدة جميعها” إلى الاستحواذ على أكبر حصة من الثروة. ووصلت التوترات والصراعات في مرات عديدة إلى ذروتها وانفجرت في أشكال مختلفة، لكنها لم تكن صداما مباشرا (إلا فيما ندر) وكانت صراعات بالوكالة باستخدام كل عصبة لشبكات بنتها في جميع المجالات السياسية والحزبية والجمعوية والاقتصادية المالية وحتى الرياضية والثقافية.
وينتقد ساولي مسار بعض القراءات في اختزالها ما يحدث في الجزائر اليوم، بأنه يدور في حلقة صراع العصب والقول بأن الحراك الشعبي يعكس هذا التشرذم بين مختلف القوى على أساس أنه أي الصراع، يختزل في صدام بالوكالة تعودت عليه هذه الزمر، ووصفه بالتحليل القاصر عن استيعاب مكونات الحدث كاملة.
ويشدد في تصريح خاص لـ”القدس العربي” أن من “الإجحاف في حق الشعب الجزائري، إنكار قدرته على الوعي وأنه مجرد أداة طيعة في يد العصب تحركها خدمة لمصالحها”.
ويستطرد قائلا أنه “ومما لاشك فيه أن الصراع بين عصب النظام كان له تأثيره أصلا في تشكل وعي الشعب – قد لا يكون كل الشعب ولكن بالتأكيد لدى شريحة واسعة منه- بضرورة إنقاذ البلاد من هذا النظام، بل إن لحظة ميلاد الحراك والاحتجاجات (وليس الوعي لأن الوعي تشكل تراكميا خلال فترة طويلة) كانت في خضم لحظة ذروة صراع العصب حول خلافة عبد العزيز بوتفليقة”.
وتتفق قراءة ساولي للحظة انبثاق الحراك والثورة هذه مع وجهة نظر الكثيرين، غير أنه يشدد بالتأكيد على اختلافه مع القراءة “الجاري ترويجها” للحظة ما بعد استقالة عبد العزيز بوتفليقة التي ترى أن عدم تحقق الخطوة التالية باجتثاث النظام وتحقيق شعار “يتنحاو قع” وإطلاق مسار التحول نحو نظام ديمقراطي وإعمال سيادة الشعب، إنما هو بسبب وجود صراع لعصب السلطة.
ويرفض الترويج لما يعتبره الهالة التي يصبغ بها الصراع المستمر والقائم بين قيادة أركان جيش التي انحازت إلى جانب الشعب، و”دولة عميقة” تحارب إرادة الشعب وتعمل على تهديد استقرار البلاد وأمنه. ويشدد أن هذه النظرة هي بالضبط ما أراد قائد الأركان الفريق القايد صالح ومن معه تسويقها لتبرير التناقض الصارخ بين خطاب “الوقوف مع الشعب” وواقع التسويف في الاستجابة للمطالب المرحلية مثل إزاحة بقايا زمرة بوتفليقة من الإشراف على الانتخابات الرئاسية المزمعة في 4 تموز/يوليو المقبل.
وفي تحليله لصيرورة الأحداث في المشهد الجزائري، يعتبر ساولي أن الأمور حسمت بشكل سريع بين عصب السلطة بعد إظهار الشعب قوته في الشارع بكل سلمية، فقرر الجيش فك الارتباط بزمرة الرئيس بوتفليقة التي كان متحالفا معها حتى لا تهوي به معها، فتحولت هذه الأخيرة التي تزعمها شقيق الرئيس السعيد للاستنجاد بعدو الأمس الجنرال توفيق. ومدير المخابرات السابق لم يجد برأيه، حرجا في وضع يده في يد السعيد (شقيق الرئيس السابق) رغبة في الانتقام من قيادة الأركان والقايد صالح، وواضح جدا ما آلت إليه تلك المعركة بإعلان بوتفليقة الاستسلام والاستقالة.
لقد تمت إعادة تشكيل النظام وأصبح الجيش سيد القرار الفعلي الوحيد وأعاد جهاز المخابرات تحت سلطته المطلقة، بعد أن كان بوتفليقة قد أقصى رأسه (الجنرال توفيق) في عام 2015 ووضعه تحت إشرافه وقام بتفكيك أدوات سلطة الجهاز. وهذا بالضبط ما يؤكد زيف خطاب قائد الجيش واستخدامه المغرض لمصطلح “الدولة العميقة” كورقة لتبرير تناقض خطابه وتمسكه الحرفي بتطبيق الدستور الذي لا يقدم في الحقيقة أي حلول للوضع الحالي، ولا يستجيب لمطالب الشعب. يشدد فيصل ساولي.
ويختتم تحليله للوضع الحالي بالتأكيد على أن صراع العصب في هذه اللحظة من الحراك الشعبي موجود فعلا، ولكنه في الحقيقة صراع من أجل البقاء مركزا وحيدا للقرار بالنسبة لقيادة الجيش، ومن أجل استعادة السلطة أو جزءا منها بالنسبة لجناح مدير المخابرات السابق، وليس تمكين سيادة الشعب محوره مطلقا.
إجماع معظم القراءات للشأن الجزائري على استمرارية الصراع بين مختلف العصب النافذة في النظام الجزائري، تبرز بشكل واضح سر استمرار الحراك في مسعاه متسلحا بمضادات حيوية تستحيل معها فيروسات السلطة من هدم مناعتها وتحصنها ضد محاولات الاستقطاب.
ويشدد عدد من النشطاء في مختلف المواقع على أن هذه المرحلة التي تعيشها الجزائر مفصلية في تاريخها، يسعى المواطنون لتحقيق مطلبهم الأساسي وهي بناء دولة المؤسسات، وهي أحد الشعارات التي يتم رفعها أيام الجمعة بدعوة كلا من القايد صالح والجنرال توفيق تصفية حساباتهما بعيدا عن الشعب الذي قرر عدم التراجع حتى الوصول لهدفه.