تسبب قضية العلمانية في العالم العربي انقسامات حادة، لدرجة تتخذ فيها طابعا قريبا من الصراع الطائفي. يُتهم من يوصفون بـ«العلمانيين» بالتصرف كطائفة أو أقلية لها معتقد وأسلوب حياة، تخشى عليه من تسلّط الأغلبية المتدينة، وهم لهذا مستعدون للدخول في تحالفات مع أنظمة قمعية، أو أن يصبحوا جزءا من «تحالف أقليات» ما، لتجنّب الخضوع لإرادة الأغلبية.
من جهة أخرى حاول كثير من المثقفين، وأغلبهم يُحسب على «العلمانية» أيضا، تجاوز ذلك الانقسام، ونعته بـ«الوهمي» استنادا لمنظورات متعددة: التركيز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والطبقية، بدلا من «الثنائيات الزائفة» بين العلمانية والإسلامية؛ الحديث عن نشوء «إسلام ديمقراطي» متمسك بالهوية الثقافية، ويعطي مساحة للحريات العامة والفردية في الآن نفسه؛ الاستناد إلى دراسات نقدية عن «طبيعة العلماني» بوصفه أفق عصرنا، القائم على نوع من مركزية غربية – مسيحية، لا يستطيع حتى الإسلاميون الفكاك منه؛ التعويل على الطروحات الديمقراطية للربيع العربي، التي حققت، في فترة ما، حدا أدنى من الإجماع بين الإسلاميين والعلمانيين؛ التنظير عن «ما بعد إسلاموية» و«ما بعد علمانوية» في مرحلة «المابعديات» التي تسم الحداثة المعاصرة.
ورغم كل هذه المحاولات، التي لا يخلو بعضها من وجاهة، فإن قضية العلمنة والأسلمة لا تبدو «زائفة» للدرجة التي يتمناها أصحاب هذه المنظورات، وغالبا ما تعود للواجهة مع كل قضية مركزية في العالم العربي، مثل التغيير الديمقراطي، إعادة هيكلة جهاز الدولة، حقوق النساء والمثليين، الصراع الطائفي، إلخ. فيظهر الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين والعلمانيين غير قابلٍ للتجاوز، ولا يمكن تخطيه بمجرد تعديلات طفيفة على التوجه الأيديولوجي للأطراف المتنازعة.
ربما كان سبب هذا الالتباس الشديد في التعاطي مع قضايا العلمنة، هو طرحها دوما من زاوية ثقافية بحتة، وربطها بهوية المجتمع أو التراث. ما يضيّع إمكانية فهم استقلالية الأنظمة الاجتماعية المختلفة: لا يمكن استخلاص آليات عمل نظامي السياسة والقانون بشكل مباشر، من تصور ما عن الهوية والتراث، فلهذين النظامين منطقهما ولغتهما الخاصة، ومشكلة العلمنة تبرز أساسا داخل نسقهما، ولذلك فربما كان الأجدى طرح الأسئلة بعيدا عن معطيات التحليل الهوياتي، أو حتى التاريخي: هل يمكن تجاوز قضية العلمانية في أي تصور لبناء سياسي وقانوني متماسك في العالم العربي؟ وهل يمكن الحديث عن أي تغيير ديمقراطي مع اعتبار العلمنة جزءا من ثنائية «زائفة»؟
يمكن لنقد غير متقن للحداثة، ولممارسة سياسية لا تقوم على أسس كونية الحقوق، أن تهدد بإنشاء نظام هرمي مشابه، خاصة مع تفتت الحيز العام نتيجة تغيرات بنيوية في المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، وهي قضية تبرز بشدة في الدول الغربية مع تقدم سياسات الهوية.
علمنة القانون
قد يوضّح المنظور القانوني البحت، مدى صلابة وحقيقية الانقسام الإسلامي-العلماني: المساواة أمام القانون بين المواطنين، تعني بشكل حتمي أن الدولة يجب أن تكون محايدة دينيا، وليست دولة المسلمين أو المتدينين أو المحافظين اجتماعيا. كما أن أجهزة الدولة مؤسسات مادية، تعمل وفق قانون مدوّن ولا تمتلك ضميرا فرديا، ولذلك لا يمكن أن يكون لها دين، ما يمكّنها نظريا، في الوقت نفسه، من تأمين حرية الضمير والمعتقد لمواطنيها، في حين اعتمدت الدول الثيوقراطية على مضامين ضمائر الأفراد (ملوك، باباوات، ملالي، إلخ) ومن ثم قوننتها مؤسساتيا، ولعل النص الدستوري العربي الوحيد، الذي لحظ ضرورة تجنّب هذا الخلط بين الضمير والجهاز، هو الدستور السوري المكتوب في العهد الفيصلي عام 1920، الذي نصّ على أن «الإسلام دين الملك» وليس دين الدولة.
يمكن نقد هذا المنظور القانوني الحديث من زوايا متعددة أبسطها، أن توطين الدين في الضمير الفردي هو من خصائص الإيمان المسيحي البروتستانتي، ولا يمكن تعميمه على كل الأديان والثقافات، وكذلك فإن الإيمان، وأيضا الضمير الفردي، تنتجه ممارسات مادية لمؤسسات سلطوية، يستشهد كثيرون هنا بمقولة الفيلسوف الفرنسي باسكال: «اسجد، حرّك شفتيك بالصلاة، وستؤمن» وأفعال الأمر هنا صادرة عن مؤسسات السلطة، التي تنتج الذات الفردية نفسها. كذلك فإن المساواة أمام القانون تتعامل أساسا مع تصور عن الذات القانونية، مطابق تماما لذات الرجل الأبيض البورجوازي، الحائز للملكية الخاصة، وتستبعد أو تهمّش الفئات الأخرى، وعلى رأسها النساء وسكان المستعمرات ومعدمو الملكية.
قد تكون هذه الانتقادات صحيحة من زاوية تاريخية واجتماعية، ولكن لا معنى قانونيا لها، فسواء كانت حرية الضمير من أصل بروتستانتي، أو كانت الذات القانونية بورجوازية بيضاء، والقانون نفسه مرتبطا بنموذج الدولة الحديثة ومفاهيمها عن السيادة وحالة الاستثناء، فنحن لا نملك أفقا قانونيا مغايرا، ولا يمكن إنتاج لغة قانونية حديثة متسقة، بدون هذه المفاهيم، وربما كان الباحث الفلسطيني الكندي وائل حلاق أفضل من انتبه لهذا، لدى حديثه عن استحالة الدولة الإسلامية، فالشريعة لا يمكن ترجمتها إلى اللغة القانونية، المرتبطة بجهاز الدولة الحديث، وإن كان من الصعب أخذ الحل الذي يقترحه حلاق على محمل الجد، عند معارضته نموذج الدولة الحديثة بالطبيعة الأخلاقية لـ«الحكم الإسلامي».
وإذا كان لا أحد يطرح جدّيا التخلي عن نظام القانون الحديث، فالأجدى حل التناقضات الموجودة في القوانين والدساتير العربية: يُفترض أن تتعامل الدولة مع ذوات قانونية تتمتع بالمساواة الشكلية أمام القانون وحرية الضمير، ولذلك فلا يمكن لها أن تعتمد بشكل صريح شريعة مستمدة من دين فئة معينة من السكان، حتى لو كانت الأغلبية، ولا يمكن أن تمنع «الردة» وتلاحق «الكفار» وتحكم بحضانة الأطفال لـ«أصحاب الدين الأشرف» وتجعل الدين أو الإرادة الإلهية سابقين على السيادة الشعبية، التي تستمد شرعيتها نظريا منها. باختصار لا يمكنها أن تكون دولة المسلمين. لنصر الدين عبد الباري، وزير العدل السوداني، محاججة شبيهة تتسم بالتماسك، في حين بدا منطق الرئيس التونسي قيس سعيد متناقضا، رغم كونه فقيها قانونيا، عندما رفض تعديل قوانين الإرث في بلاده بناء على مبدأ المساواة بين المواطنين، بحجة وجود نص ديني بيّن حول قضايا الإرث، و«لا اجتهاد بما فيه نص واضح». وربما كان سبب تناقض سعيد هو تناقض الدساتير العربية نفسها، التي تصرّ على المساوة وجعل الإسلام مصدرا أساسيا للتشريع في آن واحد.
تعميم الحق البورجوازي
لم تؤد علمنة القوانين إلى المساواة، حتى الشكلية منها، بشكل أوتوماتيكي، لسنوات طويلة ظلت النساء وفئات كبيرة من الطبقة العاملة محرومة من حق التصويت، واضطُهد المثليون، ومن اعتبروا «منحرفين جنسيا» وفُرضت القوانين العنصرية بحق السود وسكان المستعمرات.
إلا أن المبدأ الشكلي للمساواة أمام القانون أتاح الإمكانية لمعظم الفئات المضطهدة للمطالبة بحقوقها، وفقا للمبدأ القانوني البورجوازي نفسه الذي تمتّع به «الرجال البيض» وهو ما يمكن وصفه بـ«تعميم الحق البورجوازي» على الفئات المحرومة منه نظرا لجنسها وميلها ولونها وانعدام ملكيتها، ولعل الإشارة الأبرز لإمكانية تعميم الحق البورجوازي كونيا حدثت عقب الثورة الفرنسية بسنوات قليلة، عندما ثار العبيد السود في هاييتي، المستعمرة الفرنسية آنذاك، مطالبين بالحقوق الكونية لإعلان حقوق الإنسان والمواطن. وإذا تجاوزنا المنظور التاريخي نحو منظور نظام السياسة، وكوده الأساسي هو السلطة، فإن سلطة الرجال البيض البورجوازيين اهتزّت، نتيجة فعل سياسي منظّم قامت به الفئات المضطهدة، وهذا الفعل لم يكن ممكنا، لولا الطابع الجدلي لما يسميه الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس «انعطافا بنيويا في الحيز العام» حققته البرجوازية عن طريق فتح المجال العام لتواصل قائم على لغة مشتركة، مغايرة جذريا للغة الدينية المحصورة بين المؤمنين بها فقط، فأصبح بإمكان الجميع، حتى ضحايا السلطة البورجوازية، المطالبة بالحقوق ذاتها، التي برّرتها الثورات البورجوازية بلغة عامة، عقلانية، كونية. يحتاج التغيير الديمقراطي في العالم العربي لغة مشابهة، لا يوفرها الدين بالتأكيد.
هرمية غير حقوقية
إذا كانت بنيتا نظامي القانون والسياسة الحديثين تتيحان الإمكانية لتعميم الحقوق على كل الفئات، بغض النظر عن الهرمية الطبقية والجندرية والثقافية الموجودة بالفعل، فإن كل النماذج قبل الحداثية، التي عاد التغني بها مؤخرا، لا تتيح إمكانيات مشابهة. نظام الملل العثماني على سبيل المثال، الذي أتاح تنوعا دينيا وحرية طقوسية نسبية لمعظم الملل والنحل، قد يثيران حماس دعاة التنوع المعاصرين، قام على هرمية صارمة، على رأسها المسلمون، وعلى حدود مغلقة لا يمكن عبورها بين الفئات المختلفة، فلا يمكن لأحد أن ينال أكثر مما هو محدد سلفا لطائفته وهويته.
يمكن لنقد غير متقن للحداثة، ولممارسة سياسية لا تقوم على أسس كونية الحقوق، أن تهدد بإنشاء نظام هرمي مشابه، خاصة مع تفتت الحيز العام نتيجة تغيرات بنيوية في المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، وهي قضية تبرز بشدة في الدول الغربية مع تقدم سياسات الهوية. لا يمكن بالتأكيد عزل العالم العربي عن التأثر بهذه التغيّرات، إلا أن الحيوية الاجتماعية التي لم تتوقف فيه طيلة السنوات الماضية، ورغبة كثيرين بالتخلّص من اللامساواة والحكم الديني، قد تعطي إمكانيات كبرى لحراك ديمقراطي – علماني عربي.
٭ كاتب من سوريا