عبرت الأزمة الحالية في السودان بين الجيش والفرع المدني من الحكم عن نفسها من خلال تظاهرات متنافسة، تؤيد جماهيرها الطرفين أو الأطراف المتنازعة على السلطة. ويبدو أن المشهد المصري عام 2013 قابل للتولد وإن باختلافات في شوارع العواصم العربية التي شهدت الثورات أو ما أطلق عليه سابقا بالربيع العربي. وكان هذا واضحا في التظاهرات المتنافسة بين المعسكر التابع للرئيس قيس سعيد والجماعات الرافضة لاستيلائه على السلطة. وزعم سعيد أن أكثر من مليون متظاهر خرج دعما له، ويبدو أن المشهد يتكرر في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم التي يتنافس فيها العسكر والمدنيون على حشد قواهم، فيما يظهر أن التوافق الذي تم الحديث عنه بين الحكومة المدنية والعسكر بات يتداعى. ويدفع الأوضاع للتوتر الانقسام الحاصل بين قوى الحرية والتغيير بين داعم لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك وتيار آخر يدعو لحل حكومته وترك الجيش يدير البلاد. واستعرض المعسكران قواهما يوم السبت والخميس، حيث استقبلت قوات الأمن المحتجين بالغاز المسيل للدموع وأطلق الرصاص على صحافي سوداني حسبما أوردت صحيفة «الغارديان» (21/10/2021) وأظهرت الصور على منصات التواصل الاجتماعي الحشود وهي تزحف من مناطق متعددة من العاصمة باتجاه البرلمان، ما يؤكد مناخ الشك وعدم الثقة بين أطراف العملية الانتقالية منذ الإطاحة بنظام عمر البشير بعد 30 عاما في الحكم.
وشهد السودان في أيلول/سبتمبر محاولة انقلابية اتهم بتدبيرها أنصار النظام السابق، ما زاد من سخونة المشهد السياسي في البلاد. وفي التظاهرات الداعمة للحكم المدني الكامل، استهدف المتظاهرون رئيس المجلس السيادي الذي يدير البلاد بالتناوب مع الطرف المدني منذ عام 2019 عبد الفتاح البرهان، وكان هذا قد دعا في الأسبوع الماضي لحل حكومة عبد الله حمدوك المدنية.
حل أم تعديل
وأشار موقع «ميدل إيست آي»(19/10/2021) إلى أن دفع العسكر في السودان لحل حكومة أو إجراء تعديل حكومي فيها هي أكبر أزمة تواجه السودان منذ المرحلة الانتقالية. ونقل الموقع عن مصادر قولها إن عملية حل أو تعديل الحكومة المدنية قد بدأت بشكل سيؤدي لتغيير الصيغة التي تم التوافق عليها بعد رحيل البشير بأشهر وتبادل الحكم بين الجيش والمدنيين الذين مثلتهم في المفاوضات قوى الحرية والتغيير، وهي جماعة باتت اليوم منقسمة على نفسها. ففي آب/أغسطس 2019 تم الاتفاق على تشكيل مجلس سيادي انتقالي يتكون من خمسة مدنيين وخمسة عسكريين وتداول في رئاسته بين الطرفين. إلا أن التناقض كان واضحا منذ البداية، وزادت المخاوف من أن الجيش الذي تدعمه ميليشيات مسلحة عازم على وقف عملية التحول الديمقراطي في السودان. وعليه تفهم دعوات الجنرال البرهان لحل حكومة حمدوك، لحل الأزمة السياسية في البلاد حسبما يرى. وتم تعليق عمل المجلس السيادي وأصدرت قوات الأمن قرارات بمنع السفر على عدد من المسؤولين المدنيين.
وزادت دعوة الاعتصام أمام القصر الرئاسي في الخرطوم من أنصار الجيش وعناصر الميليشيا السابقين من حالة الخوف. وشاركت عناصر سابقة في حركة تحرير السودان التي يتزعمها ميني أركو ميناوي، حاكم دارفور الحالي وحركة العدالة والمساواة التي يترأسها زعيم وزير المالية جبريل إبراهيم. وتتهم الجماعتان اللتان قاتلتا البشير في أثناء أزمة دارفور ببداية الألفية، الحالية الحكومة المدنية بتأخير تطبيق اتفاقية جوبا الموقعة العامة الماضي. ويبدو المشهد من السودان اليوم مكونا من أنصار حركات التمرد السابقين وتيار منشق عن قوى الحرية والتغيير. وفي الجانب الداعم للحكومة المدنية التيار الرئيسي من قوى العدالة والتغيير ونقابة المهنيين السودانيين ولجان المقاومة التي تعهدت بالقتال بعودة الحكم المدني بأي ثمن. وتتهم القوى المؤيدة للحكومة المدنية البرهان وبقية العسكر بالتعاطف مع النظام السابق. وفي بيان للجنة مقاومة في الخرطوم «سنري بقايا النظام القديم بمن فيهم الجيش كيف تجذر الكفاح من أجل الحرية بين شعبنا». وكانت دعوة قوى الحرية والتغيير إلى تظاهرة الخميس متزامنة مع الثورة الشعبية السودانية ضد حكمة العسكري إبراهيم عبود عام 1964 في تذكير للجيش على أنه لا يستطيع التفرد بالسلطة.
مشاكل في الشرق
ويجري التدافع بين القوى المدنية والعسكرية في الخرطوم على خلفية التوتر الحاصل في الشرق، حيث أغلق أنصار مجلس البجا ميناء بورتسودان، الشريان الوحيد للسودان على البحر الأحمر، ما أدى لتأثر توزيع الطعام والخبز والوقود وبقية البضائع. ويطالب أنصار البجا، الحكومة بإلغاء البنود المتعلقة بشرق السودان في اتفاقية جوبا. ويتهم أنصار الحكومة المدنية الجيش بالتلاعب بالبجا وزعمائهم. ووصف عبد الله حمدوك الأزمة الحالية بأنها الأسوأ ولا تهدد العملية الانتقالية فقط ولكن البلاد بشكل عام. ونقل موقع «الجزيرة الإنكليزي» (20/10/2021) عن المحلل في الخرطوم حافظ إسماعيل قوله إن الأزمة هي «نتيجة لضيق نظر في السياسة بالإضافة إلى مراكمة المنافع الشخصية وليس العامة». وأضاف أن جماعات التمرد لديها «أجندتها» الخاصة بالإضافة لأنانية عناصر في قوى الحرية والتغيير التي لا تهتم بما سيحدث. وفي الصراع على السلطة مسألة تسليم رئاسة المجلس السيادي التي حدد اتفاق عام 2019 موعد أيار/مايو 2021 لكي يسلم العسكر رئاسته للمدنيين. ويخشى المراقبون من دخول السودان مرحلة من الفوضى حال لم يحكم الفرقاء العقل والمنطق. وفي هذا السياق أشار موقع «ميدل إيست أي» إلى أن حمدوك بدأ بالإتصال مع كل الأطراف السياسية. وأشار نقلا عن دبلوماسيين ومصادر مقربة من رئيس الوزراء إلى أن المحادثات بدأت بين الطرفين من أجل التوافق على صيغة جديدة للتشارك في السلطة. وقالت المصادر «قد لا تكون عملية حل مباشرة للحكومة أو تغييرات كبيرة للإعلان الدستوري في آب/أغسطس 2019 ولكن تعديلا واسعا يمنح حصة لجماعات التمرد وأنصار الجيش». وقال باحث سوداني في معهد بحث دولي، إن السودان قد يواجه نكسة في العملية الانتقالية عبر «انقلاب ناعم» يسمح لبعض المرتبطين بالبشير المشاركة في الحكومة الانتقالية. وأشار لعوامل عدة أسهمت في الأزمة الحالية، منها مخاوف قادة الجيش من الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن مجزرة المدنيين في 3 حزيران/يونيو 2019 وعلاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع النظام السابق. ويرى كاميرون هدسون، الباحث في المجلس الأطلنطي أن القوى السودانية تحاول تأمين طرق تتجنب فيها المحاسبة. وتساءل «هل هناك طريقة للتسوية؟ فقوى الأمن تريد الحصول على استراتيجية خروج، ويشعر عناصرها بالقلق لما سيحدث لهم لو حصل المدنيون على ما يريدون». و»نعرف أن هؤلاء القادة لن يسيروا طوعا إلى أحضان المحكمة الجنائية الدولية أو سجن كوبر، وهم بحاجة لضمانات عند تخليهم عن السلطة أنهم سينجون في سودان المستقبل، وهو ما يعني مقايضة قد لا تحظى بشعبية».
مناورات الجيش
والاختلاف والتفرق هو سمة السياسة السودانية منذ الاستقلال، وفي بلد فيه ما بين 80- 100 حزب سياسي ومنظمات مجتمع مدني وجماعات غاضبة من عملية التحول في مرحلة ما بعد البشير، بل وقطاعات غاضبة استغلها الجيش لكي يبرز على أنه حامي البلاد، فالنزاع والنزعة للانقلاب على الذات تظل قائمة. ومن هنا يمكن رد الكثير من المشاكل التي عانى منها السودان في الفترة الأخيرة لنزاعات داخل الجيش الذي يحاول العثور على ذرائع لتأخير تسليم الحكم للمدنيين والتفرد بالسلطة. ولهذا يحاول إلقاء الفشل على الجانب المدني واستغلال غضب القطاعات الحانقة على المدنيين في العملية السياسية.
ويمكن رد العملية الانقلابية الأخيرة وإغلاق ميناء بورتسودان إلى الجيش. وكانت انتقادات قيادات بارزة في الجيش مثل البرهان ومحمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي للمكون المدني بحجة الحفاظ على أمن واستقرار البلاد دليلا على هذا التوجه. وقال نائب رئيس المجلس السيادي، وزعيم ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب جرائم حرب في دارفور عام 2003 إن تهديد الساسة بتنظيم تظاهرات لا يعني أن الجيش عاجز عن فعل هذا فلديه «شارعه الخاص». واتهم الساسة بالطمع في الحكم مقارنة مع الجنود أمثاله الحريصين على مصلحة البلد. وحذفت شركة فيسبوك أكثر من 700 حساب مرتبط بقوات الدعم السريع التي تتبع لأوامره بتهمة نشر أخبار كاذبة. ولا يستبعد أن الجيش الذي أقام مؤسساته الخاصة بعيدا عن مؤسسات الدولة تأسيا بالمؤسسة العسكرية المصرية التي استغلت أو هيجت الشارع ضد حكومة منتخبة للعودة إلى الحكم والسيطرة على كل مفاصل الدولة، يحاول عمل هذا. ولكن المؤسسة العسكرية ستجد الشارع السوداني في انتظارها.
قوة الشارع
وفي هذا السياق يرى سليمان بالدو الباحث في مشروع «كفى» في الولايات المتحدة أن السيناريو التونسي والمصري مستبعد في السودان، لكنه حذر من المخاطر التي تواجه المرحلة الانتقالية. ويرى أن عمليات التحشيد لا تزال قوية وهي التي ستحدد بقاء المد الثوري. وفي المقابل يرى هدسون إن التظاهرات المؤيدة للجيش هي مجرد غطاء وحملة تضليل مدروسة، والمطالب الشعبية لتوزيع السلطة هي ما تردع الساسة والعسكر عن المضي بعيدا في تحركاتهم. وعلى العموم، فلجوء أطراف اللعبة السياسية للشارع ليست المرة الأولى ولا الأخيرة. فقد أدى اعتصام المطالبين بالتحول الديمقراطي في نهاية أيار/مايو 2019 أمام مقر قيادة الجيش في العاصمة الخرطوم وما تبع ذلك من عملية دموية لفض الاعتصام وكانت النتيجة هي جلوس قادة الجيش مع المدنيين والاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية. ورغم تغير الصورة عما كانت عليه الحال قبل عامين، حيث حدث انشقاق في داخل صفوف قوى الحرية والتغيير ودخلت على الصورة جماعات التمرد التي تريد تعزيز مكاسبها، إلا أن الشارع يظل رادعا حتى الآن لأي محاولة انقلابية واضحة وستظل اللعبة قائمة في تحقيق كل طرف المكاسب التي يمكنه الحصول عليها.