صراع الارادات بين مرسي والمجلس العسكري

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

واخيرا انتخب اول رئيس لمصر منذ سبعين عاما كأول ثمرة لثورة 25 فبراير، ولكنه تطور قلل من بريقه تطور كارثي آخر. فقد نفذت قوى الثورة المضادة واحدا من أشرس فصول التآمر ضد الشعوب العربية الثائرة، وكشرت عن انيابها بوقاحة تنذر بتفجير الاوضاع في اكبر دولة عربية. فبرغم فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية فان الانقلاب الذي قام به العسكر الاسبوع الماضي ضد البرلمان المنتخب نسخة طبق الاصل لما حدث في الجزائر قبل عشرين عاما، وينذر بعواقب وخيمة لا تقل سوءا عما حدث في شمال افريقيا آنذاك. ويستحيل ان يكون الانقلاب الذي نفذه المجلس العسكري المصري في وضح النهار واغتال به اول مؤسسة شرعية شارك الشعب في بنائها بحماس وامل، قرارا خاصا بجماعة المشير، ومن المؤكد انه تنفيذ لقرار مشترك بين العديد من الدول في مقدمتها الولايات المتحدة والسعودية والكيان الاسرائيلي. انها خطوة تشبه في ظروفها ودوافعها ما حدث قبل خمسة عشر شهرا في البحرين عندما عبرت القوات السعودية الجسر الفاصل بين البلدين واجتاحت اراضي بلد يبحث عن الحرية وتصدت لثورة سلمية شاملة لم يحدث لها نظير في منطقة الخليج. آنذاك تظاهرت امريكا بان القرار خاص بمجلس التعاون الخليجي وان واشنطن لم تكن على علم به. جاء هذا الادعاء برغم ان وزير الدفاع الامريكي آنذاك، روبرت غيتس، كان في المنامة قبل يوم واحد من الاجتياح، يجتمع مع رموز العائلة الحاكمة. ان السعودية او غيرها من دول مجلس التعاون الخليجي لا تجرؤ على اتخاذ خطوة كهذه بدون موافقة صريحة، (والارجح انه تحريض مباشر) من واشنطن. هذه الدول نفسها تعلم مدى خطر اختراق الحدود بين الدويلات التي أنشأها المستعمر الغربي لاضعاف الامة. فقبل عشرين عاما فقط تصدت قوى التحالف الغربي للقوات العراقية في الكويت ودمرت العراق بعد اجتياح قواته ذلك البلد في الثاني من اغسطس 1990، فهل من المعقول ان تكرر تلك الدول الخطأ الذي ارتكبه صدام حسين آنذاك؟ وكذلك الامر في مصر. فالقوات المسلحة التي لم تستطع حماية حسني مبارك لا تستطيع اتخاذ قرار الانقلاب ضد الشرعية الشعبية ما لم تحظ بموافقة القوى المضادة للثورة. فقد جاء الانقلاب قبل ايام من الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وبعد ان تأكد ان نتائجها لن تكون لصالح مرشح الجيش، احمد شفيق الذي ظهر فجأة على المسرح برغم انه من ابرز عناصر النظام السابق. قوى الثورة المضادة تختزن في ذاكرتها مصير العناصر المحسوبة على الانظمة المنهارة التي تثور الجماهير ضدها. وتدرك ان الوضع المصري يشبه في بعض جوانبه الوضع الايراني ايام الثورة الاسلامية التي قادها الامام الخميني في 1979. فقد نصب الشاه قبل فراره من ايران في 16 يناير 1979 شخصية محسوبة على التيار الوطني على امل كسب رضا الجماهير. ولكن شاهبور بختيار لم يستطع مواجهة الثورة العارمة برغم القمع الرهيب الذي مارسه ضدها في فترة اقل من شهر قضاها في منصبه قبل ان يجرفه تيار الجماهير الثائرة. الفرق بين الحالتين ان الامام الخميني كان قائدا صلبا، شديد البأس، عميق النظرة، فرفض انصاف الحلول مؤمنا ان نصف الثورة كارثة، وحث الجماهير على الصمود بوجه الجيش والشرطة حتى سقطت بقايا نظام الشاه. اما في مصر فقد تضافرت عوامل عديدة حالت دون سقوط نظام مبارك كاملا، واستطاعت قوى الثورة المضادة حصر التغيير بشخص الرئيس فحسب، وبقي الجيش الذي كان ماسكا بالسلطة منذ ستين عاما في مكانه. واستطاع خلال فترة ثمانية عشر شهرا منحه الشعب اياها طوعا او استغفالا بالتعاون مع قوى الثورة المضادة التخطيط لانقلابه الذي نفذه بدم بارد. ان عاما ونصفا كافية لاضعاف الحماس الثوري من نفوس الجماهير، خصوصا بعد المماحكات والتنافس بين القوى السياسية المتنافسة على السلطة. وما ان نفذ الانقلاب حتى كان التشرذم بين قطاعات الشعب المختلفة حالة عامة لاسباب عديدة من بينها العمل الدؤوب من قبل وسائل الاعلام التي تديرها قوى الثورة المضادة لتمزيق الصف الوطني وخلق التناحر بين الاتجاهات والايديولوجيات المختلفة. ولكن الامر الاهم في اعاقة مسيرة الثورة دور الاحزاب والحركات السياسية في السعي المتواصل للتأثير على الحراك الثوري اما بهدف وقفه او احتوائه. فالثورة لا تخضع لمقاييس السياسة واساليبها وانماط عملها، وبالتالي فما ان يرتدي السياسي ثوب الثورة حتى يبدأ التشوش ليس في الاذهان فحسب بل في الاولويات كذلك. فالسياسي الذي قضى حياته يتحرك ضمن اطر النظام القائم لا يستطيع ان ينظر الى نفسه متحررا منها ومتمردا عليها. فهو يلتزم بـ ‘الدستور’ وان كان ذلك الدستور مكتوبا بأيدي غيره ومفصلا ليناسب مقاسات من هم في الحكم، وهو يعترف بـ ‘شرعية النظام’ ولا يسعى للنيل منها او توهينها. كما انه يسعى للحفاظ على ‘هيبة الدولة’ ولا يرى من الضرورة بمكان السعي لكسر تلك الهيبة. وعندما يشارك في فعاليات الثورة فانه يحاول دائما تحاشي ما يعتبر تجاوزا على ‘القانون’ برغم معارضته ذلك القانون. وهكذا تؤكد التجربة المصرية صعوبة تغيير النظام ما لم يتوحد الثوار على مطلب واحد وواضح، وما لم تتخل القوى السياسية عن السعي للهيمنة على الثورة او توجيهها. ان الثوار عناصر مشتتة جاءت من كل حدب وصوب، وليست منشغلة بتفصيلات اوضاع الاحزاب السياسية ولا تضيع وقتها في اساليب الالتفاف او محاباة النظام. وبسبب طبيعتها الجماهيرية تنعدم لديها عادة مظاهر التنظيم الحزبي او الفئوي بينما يكبر الحس الوطني الجامع للشركاء في الثورة. واذا اضيف الى المعادلة قوى الثورة المضادة التي تتصدى بدون كلل للثورات العربية بهدف افشالها، اتضح تداخل القوى الفاعلة وتعدد وجهات نظرها وتباين اولوياتها. ولكن ثمة مؤشرات سلبية كانت واضحة للعيان لدى من انصهرت روحه ونفسه في بوتقة الثورة واهدافها، وضمرت لديه احاسيس الانتماء الفئوي او الديني او المذهبي. من هذه السلبيات التي كانت تقتضي موقفا واضحا من قوى الثورة العربية في الساحات الاخرى، الفشل في اتخاذ موقف حاسم وصريح ضد التدخل السعودي العسكري المباشر في البحرين، أيا كانت الاسباب. لقد شجع ذلك الصمت دوائر الثورة المضادة، فقررت منع نجاح الثورات بالتدخلات المباشرة ما امكن. ثانيا: محاباة قوى الثورة المضادة وترسخ الاعتقاد لدى بعض الحركات السياسية بان التغيير لن يتم الا بموافقة واشنطن ولندن والسعودية وغيرها. هذه المقولة تكفي لتعطيل الحراك السياسي الثوري، وجنوح الكثيرين الى خيار الانتظار السلبي الذي يمنع صاحبه من المساهمة في اي مشروع تحرري من الاستبداد. ثالثها: الاستجابة (ولو بالصمت) لقوى الثورة المضادة خصوصا حين يطرح القائمون عليها الاشكالات الطائفية. فهناك ادراك بان تلك الافكار مغمورة في الحس الوطني ولكن القيادات تقع احيانا في اشكاليات دينية او فقهية او ايديولوجية بسبب موقفها السياسي المعلن. ان الاستجابة للطرح الطائفي من اكبر وسائل انجاح مشروع الثورة المضادة. فبرغم ما يشاع عن الخلافات المذهبية فان الواقع ينطق شيئا آخر. فالجميع يتعايشون ضمن اسرة واحدة وان كانوا مختلفين دينيا او فقهيا. والطائفية واحد من امضى اسلحة قوى الثورة المضادة، فاذا سمح لها باستعمال ذلك السلاح وتمت الاستجابة لمستلزماته اصبحت اقدر على مواجهة الثورة بهذا السلاح وغيره. فالثورة في البحرين مثلا ثورة وطنية منذ انطلاقتها وقبل ذلك. وقد دفع الاحرار ثمنا لصمودهم خلالها، سواء من الشيعة ام السنة. فما يزال الاستاذ ابراهيم شريف، الليبرالي السني يشارك النشطاء الاسلاميين الشيعة زنزانات التعذيب، وكذلك الامر بالنسبة للناشط محمد البوفلاسة الذي اعيد اعتقاله مؤخرا بسبب تعاطفه مع الثورة والثوار. ودفعت الدكتورة نهاد الشيراوي ثمنا باهظا لموقفها الوطني مع الاطباء. مع ذلك سوف تتواصل النغمات النشاز التي تهدف لكسر شوكة الثوار في كل البلدان الثائرة. فاسلحة قوى الثورة المضادة متعددة وفاعلة، لانها تستعمل بدون اخلاق او ضمير. ولا يهم الديكتاتور نتائج اعماله ومواقفه واساليبه القمعية، وان ادت الى تفتيت الامة. هذه القوى تعلم ان التغيير السياسي في المنطقة العربية سوف يؤدي الى محاصرة الكيان الاسرائيلي وربما سقوطه. ولذلك اصبح الكيان الاسرائيلي شريكا فاعلا في الثورة المضادة لمنع نجاح اي من الثورات العربية لكسر معنويات الجيل الثائر وكبح جماحه وافشال جهوده للتغيير. ان نقص الوعي خصوصا لدى النخب التي لم تكتف بالصمت على دور قوى الثورة المضادة بل تعمقت القناعة لدى قياداتها بضرورة التحاور معها معتقدة خطأ ان ذلك يسهل مهمة التحول نحو الديمقراطية واحد من عوامل اجهاض الثورات. فمن السخف بمكان الاعتقاد بان اعداء التغيير سوف يساهمون في التغيير، او ان الانظمة الديكتاتورية ستساعد على التغير نحو الديمقراطية، او ان حلفاء ‘اسرائيل’ سوف يساعدون على قيام انظمة ترفض الاعتراف بكيان الاحتلال الاسرائيلي وتساهم في تحرير فلسطين. اما الثوار الحقيقيون فهم اقوى من ذلك، واكثر حصانة امام محاولات التأثيرات الفكرية او الايديولوجية او النفسية الهادفة للخداع والتضليل وكسر المعنويات والارادات. شباب الثورة لم يدخلوا معمعة السياسة، ولذلك ما تزال ثوريتهم مؤطرة بوعيهم الفطري، وليس لديهم مصالح مادية مع الانظمة القائمة، بل ان الكثيرين منهم تضرروا منها اما بالسجن او التعذيب او التجويع او التنكيل. ولذلك انطلق الجيل الشاب الذي لم تلوثه ثقافة مسايرة الطغاة رافعا هتافه التاريخي ‘الشعب يريد اسقاط النظام’، وهو شعار يختزن الكثير من المعاني ويعبر عن روح راغبة في التحرر ومستعدة للنضال من اجل تحقيقه. انها روح لا تتوقف عند حدود بلد دون غيره. فكافة الدول العربية مرشحة للثورة والتغيير خصوصا مع فشلها في القيام باصلاحات سياسية حقيقية لتطوير انظمتها السياسية. وحتى الكويت التي تميزت عن بقية دول مجلس التعاون بممارسة انتخابية استمرت خمسين عاما، تواجه هي الاخرى رياح التغيير التي ازداد عصفها وزئيرها في الشهور الاخيرة. وفي الاسبوع الماضي استقال اكثر من نصف اعضاء مجلس الامة وادخلوا البلاد في ازمة دستورية قد تضع البلاد على طريق ثورة جديدة توسع دائرة التوتر السياسي والامني في منطقة تعتبر الاكثر حساسية للعالم. انها منطقة النفط الذي تحتاجه اقتصادات الدول الغربية بشكل ملح. واذا كان التوتر مع ايران بسبب مشروعها النووي قد ضاعف القلق ازاء احتمال غلق ملف مضيق هرمز فان استمرار الانظمة الاستبدادية لا يقل خطرا هو الآخر على مصالح الغربيين. دولة الامارات افتتحت مؤخرا انبوبا كبيرا ينقل النفط من داخل الخليج الى ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، وذلك تفاديا لاي اضطراب في مرور النفط عبر مضيق هرمز فيما لو تعرضت ايران لعدوان غربي في المرحلة المقبلة. ولكن ذلك الانبوب لن يمنع اضطراب السوق النفطية فيما لو شنت امريكا او ‘اسرائيل’ عدوانا على الجمهورية الاسلامية الايرانية.

لقد وصل الربيع العربي الى مفترق طرق حاسم، فاما ان يأخذ اتجاه الثورة الشاملة كما بدأ قبل عام ونصف، او يتبع اشارات وضعتها على ذلك المفترق قوى الثورة المضادة تهدف للدوران به واعادته الى النقطة التي انطلق منها ليعود الوضع وكأن الربيع العربي كان حلما مزعجا للانظمة الديكتاتورية. ومصر ستكون مرة اخرى بوابة التغيير في العالم العربي. فان سمح لانقلاب العسكر ضد الحكم المدني المؤسس على ارادة شعبية واضحة بالنجاح والاستمرار، فسوف يكون ذلك بداية نهاية التغيير. ولكن اذا صمد اهل مصر وجددوا عزمهم على الكفاح فانهم قادرون على كسر شوكة من يخطط ضد الثورة، وحرمان المجلس العسكري من نتائج انقلابه الخطير على الارادة الشعبية. مصر تعيش اليوم خارج الاطر الدستورية بعد حل مؤسستها التشريعية من قبل المجلس العسكري، وتنتظر دستورا يكتبه العسكر وفق مقاساتهم، وانتخابات تجرى على ضوء ذلك الدستور الذي منح العسكر صلاحيات واسعة. واذا كان الاخوان المسلمون بطيئين في التحرك واللحاق بالثورة عندما انطلقت قبل عام ونصف، فانهم يدفعون اليوم فاتورة ذلك التردد بعد حل البرلمان الذي كانوا يمثلون الكتلة الكبرى فيه. الآن وقد حصل الانقلاب، فان السكوت عليه ليس خيارا واقعيا لان ذلك تجاوز لدماء الشهداء واعادة للوضع في البلاد عقودا الى الوراء. المطلوب وعي جماهيري وتحرك شعبي حاسم يتصدى للعسكر ويجبر المجلس العسكري على حصر دوره بقضايا الدفاع وامن البلاد، مع الابتعاد عن التدخل المباشر في شؤونها السياسية. واصبح مطلوبا تجديد الثورة المصرية كطريق لضمان حرية الانسان وصون حقوقه. لا شك ان فوز محمد مرسي بمنصب الرئاسة كأول رئيس عربي منتخب بشكل حر تطور ايجابي غير مسبوق، ولكن الرئيس الجديد سيظل مكتوف الايدي ومكسور الاجنحة اذا سمح للعسكريين بالاحتفاظ بالصلاحيات التي منحوها انفسهم، خصوصا اعادة تشكيل البرلمان والاشراف على كتابة الدستور. فالاخوان امام خيارين: فاما تجديد روح الثورة بشكل فوري ومواجهة طموحات الجيش واعادته الى ثكناته، او خسارة الموقفين السياسي والاخلاقي، ومواجهة الاتهام بالمشاركة في القضاء على الثورة. فالديمقراطية لا تستقيم مع حكم العسكر، هذا ما اثبتته تجربة ايران في 1952 وتركيا في 1980 والجزائر في 1992. فمن يريد استعادة تلك التجارب المرة؟’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية