لا شك ان عمليات القصير الاخيرة وفرت للرئيس السوري ونظامه متسعا من الوقت لاعادة التفكير في مستقبل نظامه السياسي وما تحتاجه البلاد من تهدئة ومصالحة، ولكن الانجازات العسكرية يجب ان لا تكون بديلا للاصلاح السياسي.
فمشكلة امة العرب والمسلمين غياب الاصلاح القائم على التمثيل الشعبي والشراكة السياسية وحكم القانون. ان من نافلة القول ان هناك رغبة جامحة في نفوس الجماهير العربية للحرية والممارسة الديمقراطية واحترام الحقوق وحماية الحريات. ومن نافلة القول ايضا ان ذلك غير متوفر في العديد من هذه الدول لاسباب عديدة من بينها التحالف غير المقدس بين انظمة القمع وما يسمى ‘العالم الحر’ الذي يؤطر علاقاته مع العالم العربي بالمصالح المادية وليس بالمبادىء او الاخلاق. يضاف الى ذلك ان التحالف الغربي يعيش اليوم واحدة من أشد حقبات تاريخه وادا، بعد ان شارف نظامه السياسي والاقتصادي على الوصول الى نهاية الطريق. فليس الشرق الاشتراكي وحده هو المحكوم بسنن التاريخ التي تقضي بسقوط اي نظام لا يستطيع تجديد نفسه ليلبي مستلزمات شعبه. وسقوط النظام الاشتراكي قبل عشرين عاما ليس حدثا فريدا من نوعه، بل انه حلقة من سياق تاريخي انساني شهد سقوط انظمة وقيام اخرى. فحين تصبح بريطانيا مدينة باكثر من الف مليار دولار، وامريكا باكثر من 16 الف مليار دولار، وحين تكون اقتصادات دول مثل اسبانيا واليونان وقبرص على حافة الانهيار، فهذا يعني ان النظام الرأسمالي الغربي، الذي يمثل النظام المصرفي والشركات المتعددة الجنسية اجنحته التي يطير بها، قد بدأ يفقد قوة اندفاعه الذاتي واصبح يستنزف طاقته المختزنة بدون ان يكون قادرا على تجديدها او الاضافة اليها.
هذا التداعي الاقتصادي يفسر جانبا من الدوافع الغربية لدعم انظمة الاستبداد في العالم العربي، وتسابقها لجذب اموال النفط الخليجية في مقابل التصدي، مع تلك الانظمة، للحركات المطالبة بالاصلاح السياسي. لقد اصبحت مصداقية المشروع الغربي على المحك بشكل غير مسبوق لاسباب عديدة. اولها ان مقولة ‘نهاية التاريخ’ التي طرحت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ودفعت الغربيين للاعتقاد بان نظام الديمقراطية الليبرالية يمثل ذروة ما انتجه العقل البشري في مجال ادارة الدولة، هزمت تماما امام ثورات الربيع العربي.
فقد وقف الغربيون ضد هذه الثورات ومنعوا قيام انظمة ديمقراطية بديلة للاستبداد. ثانيها: ان الدول الغربية تتحول تدريجيا نحو المزيد من مصادرة الحريات، حتى اصبح الكثيرون يتحدثون عن تجسد مقولة جورج اورويل في كتابه ‘1984’ ومفهوم ‘الاخ الأكبر’ اي العين التي ترصد المواطنين في كل شارع وعند كل منعطف. ثالثا: ان هذه الظاهرة اصبحت اكثر تقنينا بمنح اجهزة الامن والشرطة صلاحيات ادت الى تآكل الحريات والخصوصيات الشخصية، حتى اصبحت الدولة المدنية تتحول تدريجيا الى دولة بوليسية ولكن ضمن القانون وباساليب غير محسوسة الا لضحاياها.
سورية تحتاج لاصلاح سياسي جاد وليس شكليا، والنظام السوري مطالب بعدم حصر اهتمامه بتسجيل الانتصارات العسكرية الميدانية خصوصا بعد ان ثبت للشعب السوري نفسه صعوبة الاختيار بين نظام الاسد القمعي وما تمثله حركات التطرف من دموية مفرطة واسترخاص لحياة الانسان وكرامته وقيمته. فالاصلاح المنشود يجب ان يكون ضمن الذوق الانساني وبما يعيد للشعب حريته وحقوقه ويوفر للبلاد امنها واستقرارها. وقد يتأجل هذا الاصلاح قليلا حتى تستقر موازين القوى لغير صالح التطرف او الاستبداد، وحتى يزول خطر التدخل الاجنبي والتقسيم، ولكن يجب ان لا يطول ذلك. وفي ضوء تطورات الاسابيع الاخيرة مطلوب من ذوي العقل والحكمة والغيرة على الامة والدين والانسانية ان يبتعدوا عن ثقافة التنميط او السقوط في وحل الفرقة والطائفية او آفة الانتماء الفئوي او المذهبي، فذلك انما يزيد المشكلة تأزما ولا يزيل الغشاوة عن الأبصار او البصائر. فمن يحرص على الاصلاح مطالب باثبات ذلك الحرص بالعمل على الوحدة ونقاء الانتماء للدين (أيا كان هذا الدين) والانسانية التي يفترض ان تكون قيمها جامعة للبشر. ليس المطلوب من احد التصفيق لهذا الطرف او ذاك، فالفتنة ليس فيها منتصر، والارهاب ليس له دين، والظلم لا ينتمي الى عرق او لون او طائفة. والعاقل من فقأ عين الفتنة، وتوقف عن صب الزيت على نيرانها لعلمه انها ستأتي على الاخضر واليابس وان سياسة دعم العنف والارهاب وفقا لقواعد التنميط والعصبية الجاهلية سترتد على داعميها ومروجيها. هذا ما حدث في العراق، وما يحدث اليوم في بلدان شتى. وعندما يقف فضيلة الشيخ راشد الغنوشي متحدثا عن دعاة العنف والتطرف من السلفيين قائلا ‘أينما حل هؤلاء الجهاديون، وهم خوارج العصر، حل الدمار والخراب’، فانما يكشف عمق الازمة التي تعيشها الامة في امصارها الممتدة من شرق العالم الى غربه. هذا الكلام لم يكن ليصدر عن الشيخ الغنوشي لو لم يكتو بنار التطرف والجهل والعنف، خصوصا ان هذه التيارات تحظى بدعم من رموز وعلماء يحترمهم الشيخ وقد يدافع عنهم. فالمكتوي بالنار ليس كالمتفرج بعيدا عنها. وعندما يصبح الانسان مسؤولا عن شؤون مواطنيه يصبح اكثر استشعارا لما يؤذيهم او يضرهم، واكثر بصيرة بمصادر تهديد الامن وترويج العنف والتطرف.
الاصلاح، تلك الكلمة التي يستعصي تطبيقها على الكثيرين ممن استمرأوا الاستبداد والظلم، ستظل مرادفة لمصطلحات ‘الثورة’ و’الربيع العربي’ وان كانت ستظل مستعصية على التجسد والتطبيق. فحتى تركيا التي كانت حتى وقت قريب مثالا للعديد من الرموز السياسية خصوصا الاسلاميين منهم، لم تسلم من الاضطراب السياسي الذي يهدد الدولة واجهزة الحكم فيها.
فما جرى في الاسبوعين الاخيرين من اضطرابات اتخذت ساحة ‘تقسيم’ منطلقا لها ورمزا على غرار ‘ميدان التحرير’ المصري و ‘دوار اللؤلؤة’ البحراني، يؤكد منحى جديدا سيظل يحاصر انظمة الحكم في البلدان العربية والاسلامية في المستقبل المنظور، بهدف الوصول الى دولة مدنية مؤسسة على خيار الشعب وانه حقا ‘مصدر السلطات’. ومن الصعب تصور استقرار الوضع التركي قريبا ما لم تحدث نقلة نوعية في عقلية الحكم خصوصا تجاه القضايا الرئيسية التي تهم المواطنين الاتراك بشكل اساس، ومنها العلاقات مع الغرب والاحتلال الصهيوني والشرق العربي الاسلامي. وليس مستبعدا ان تؤدي هذه الاضطرابات، اذا توقف الغربيون عن محاولة استغلالها وتو جيهها، الى تهديد حقيقي لمشروع حزب العدالة والتنمية الحاكم. وكان زعماء هذا الحزب حتى اسابيع قليلة يعتقدون انهم بمنأى عن الثورة الداخلية، وان بامكانهم احداث التغيير في سورية، خصوصا بلحاظ التاريخ التركي وما يختزنه من هيمنة سياسية على العالم العربي خلال حقب الدولة العثمانية. الازمة السورية وفرت للاسلاميين (المتشددين والاقل تشددا) فرصة تجاوز الحقبة العثمانية وانعكاساتها على عقلية الحكم في العديد من الاقطار العربية، لانها رفعت شعار الاسلام واضعفت موروثات التاريخ الحديث والجغرافيا الاقليمية. بينما شعرت التيارات العلمانية بعدم قدرتها على استحضار التاريخ الذي يعتقدونه مصدرا لاعادة قراءة ملفات الهيمنة التركية على العالم العربي، نظرا لهيمنة العقلية الجمعية التي كانت توجه بشكل كبير من قبل تيار السلفية الجهادية الذي يصادر الآخرين بقوة السلاح والبطش والتهديد.
اما ايران فهي الاخرى تواجه تحديات الاجيال الجديدة ورغبة افرادها في المشاركة السياسية بشكل فاعل. واذا كان احمدي نجاد قد تمكن في بداية الامر من تحييد اي تمرد شعبي ضده بتقديم انموذج شخصي متميز لنمط الحاكم المطلوب، فان الرئيس الذي ينتخبه الشعب هذا الاسبوع، لن يستطيع ان يتفادى ‘ثورة’ ضده الا بتطوير
نظام سياسي واقتصادي قادر على تلبية تطلعات جماهيره واستيعاب جيل الشباب الايراني المتطلع للحرية والحصول على مستلزمات الحياة خصوصا في مجالات فرص العمل والسكن والتعامل المهني والتجاري. فلا يمكن الجمود على منظومة سياسية او ادارية ثابتة، بل مطلوب منها ان تكون قادرة على التكيف مع تطور الذوق الشعبي وتطلعات الاجيال. صحيح ان النظام الايراني يمثل نموذجا سياسيا خاصا بسب انتمائه الاسلامي الواضح واصراره على تمايزه علنا، الا انه محكوم ايضا بالقوانين والسنن التي تحكم المنظومات السياسية الاخرى. فالعدل اساس الملك، وما لم يستطع النظام السياسي اقناع جماهيره بجديته في ممارسة العدل فسيظل عرضة للمساءلة والتمرد والاحتجاج. طهران اليوم تواجه التحديات الداخلية والاقليمية والدولية، لاسباب غير خافية على احد، ولكي تحمي نفسها فانها مطالبة بتطوير الاداء السياسي واحترام منظومة حقوق الانسان الدولية والاسلامية، وتمتين علاقاتها بمحيطها الاقليمي الراغب في الانعتاق من التبعية للغرب والقادر على التخلي عن ارث الماضي الديكتاتوري.
ان آفاق الاصلاح المنشود في الدول العربية قد تتوسع في بعض الحالات حتى تطال النظام السياسي القائم اذا كان غير قادر على اصلاح نفسه، وهذا هو حال اغلب انظمة الحكم العربية. واذا كانت دعوات الفرقة والتجزئة والتبعية هي الاكثر ضجيجا هذه الايام فانها لن تغير من طبيعة الجماهير ومطالبها شيئا. هذه الضوضاء انما تؤجل مشروع الاصلاح ولكنها لا تستطيع الغاءه، وقد تؤدي الى تراجع الحماس للتغيير مؤقتا بعد ان هيمنت قوى الثورة المضادة على الساحة السياسية، ولكن ذلك اجراء لا يحظى باسباب النجاح والاستمرار لانه مناقض للفطرة الانسانية والتطور البشري. فلم يعد ممكنا القبول باي مشروع تسوية سياسية في اي من بلدان الثورات ما لم يؤسس على مبدأ ‘لكل مواطن صوت’، وما لم يؤد الى انقراض الديناصورات السياسية التي جثمت على صدور الشعوب زمنا وتجاوزت وقت بقائها. هذا المبدأ يلغي تدريجيا ظاهرة التطرف والجنوح نحو العنف، ويعمق مشاعر الانتماء للدين او الطائفة او الحزب. وحتى لو اجريت الانتخابات على اسس حزبية فلن يكون للايديولوجيا القرار الحاسم في ما يتعلق بمصالح المواطنين. من المؤكد ان الايديولوجيا سيكون لها دور في توجيه مسار الدولة، ولكن في ظل نظام تعددي سيتضاءل دورها وتكون اكثر استيعابا للمكونات المجتمعية واقل انحيازا لطرف دون غيره، وسيساهم ذلك في تقليص مساحات الاحتكاك او النزوع نحو التطرف. وليس سرا القول ان ظواهر التطرف انما تنشأ في بيئات الاستبداد والديكتاتورية، بل ان انظمة تلك البيئات تقوم بتوجيه التطرف السلفي نحو اهداف خارجية لتبعده عن ساحاتها ولكي تستعمله سلاحا ضد الانظمة الاخرى.
من هذا تتضح اهمية تواصل العمل الشعبي لاقامة دولة القانون في اقطار العالم العربي، والاصرار على الاصلاح السياسي الحقيقي والرفض القاطع للاستبداد والديكتاتورية. فذلك يقطع الطريق على اليأس، ويدفع الشعوب بشكل اكبر باتجاه التغيير، ويكسر شوكة القوى الاجنبية المعادية لمشاريع التغيير، ماضيا وحاضرا.
المشكلة الكأداء ان انظمة الحكم التقليدية غير قادرة على اصلاح نفسها، وان الرهان على ذلك تضييع للوقت وتبديد للآمال وتفويت لفرصة التغيير المتاحة. وبذلك لا مجال للرهان الا على النضال الشعبي المتواصل الذي لا يعرف الكلل. بعد عقود عديدة على تغول الاستبداد اصبح المطلوب اصلاحا حقيقيا يعيد للشعوب دورها وكرامتها، وهذا يقتضي استمرار الحراك الثوري واستيعاب اساليب قوى الثورة المضادة ومنعها من مصادرة حق الشعوب في تقرير مصائرها. وما لم تجدد دماء الحراك الثوري فستطوى صفحات ثورات التغيير وتستعيد الديكتاتورية عافيتها، ومعها الهيمنة الاجنبية والاحتلال والتبعية، ثم يتبعها تقسيم البلدان العربية الكبرى.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن