صراع الفلسفة والسلطة: من يملك الحقيقة؟

عندما يتساءل الفيلسوف: ما السلطة؟ فإن سؤاله يتوجه نحو دروب الحقيقة الغامضة، لأنه إذا كان هدف الفلسفة هو الحقيقة، فإن هدف الفيلسوف هو تفكيك السلطة، لذلك نجد برينو لاتور ينطلق من تلك المسلمة التي تقول: «إننا نعرف من المسؤول عن مأساتنا» شعار يردده الشعب، لكن حين نسأل أحد أفراد الشعب عن اسم هذا المسؤول لا أحد يستطيع أن يجيب، بل الكل يظل مندهشا أمام هذا السؤال الأنطولوجي:
أين توجد السلطة؟
الواقع أن السياسة تحولت إلى درس من دروس الحرمان، لا تعلمنا إلا قاعدة واحدة وهي أن السلطة كيان فارغ من المعنى، ولذلك من المستحيل أن تكون لهذا الكيان حقيقة خاصة به، هكذا تبدأ معاناة الفيلسوف الذي يتفرج صامتا في عبثية السلطة مع الفلسفة، لأنها تخشى الفكر الحر، كما أن الفكر الفلسفي يسعى إلى جعل الأمل اللاشرعي للسلطة يبدو في الانكشاف حتى الظهور عاريا أمام الحقيقة.
هكذا بدأ الصراع بين الفلسفة والسلطة حول ملكية الحقيقة منذ سقراط، الذي كان أول ضحية لهذا الصراع، ومعنى ذلك أن هذا الصراع لم يكن منطقيا، لأن من يعرف الحقيقة يسعى إلى جعلها في خدمة الإنسان، ومن يجهلها يريد حرمان الإنسان منها، فمن لا يعرف عدد أقدامه: «لأنه لم يتعلم الحساب، فأي قائد هذا الذي يقال عنه أنه يحكم أمته» . ولعل العقل يحار ويتساءل عما يعنيه هذا الجاهل بتدبير أرواح الأبرياء. والحال أن سقراط يمتلك نفسه حين قال: «إنه قائد غريب حقا، أعني ذلك الذي يمنع العلم من إيقاظ القدرة على التفكير، والقرب من الوجود الحقيقي» وبما أن الذي يمنع العقل من التفكير، فإنه يربي الناس على الإيمان بالشيء ونقيضه، ولذلك لا يستطيعون التمييز بين المعقول والمحسوس، والعلم لا ينمو في روح الإنسان إلا بنمو العقل في أرض التفكير، فالفكر وحد يستطيع أن يبلغ ماهية الحقيقة: «فهل تظن أن أناسا عاجزين عن تبرير أقوالهم عقليا، وعن جعل الآخرين يقبلونها يمكنهم أن يصلوا إلى المعرفة».
دون معرفة لا يمكن إدراك الحقيقة، ما دام أن الوجود الحقيقي يظل أشبه بالحلم، ولا يمكن تأمله في نوره الوهاج، بل إن الفيلسوف سيعترف أمام هذا الوضع المضطرب قائلا: لقد مررت على سبيل السعادة كفيف البصر فرميتم على طريق الأعمى كوما من الأقذار، فأصبحت كارها الطريق القديم الذي تلمسته». هكذا فقد متعة التفكير في الراهن، وأصبحت الكلمات تخرج من ذهنه متشائمة، إلى درجة أن الفلسفة اندهشت من الفيلسوف، حيث لم تعد الدهشة هي أصل الفلسفة بل أضحى الفيلسوف يثير سخرية الدهشة بعدما هرب من سبل السعادة.
كم هو محير هذا المأزق الذي وقع فيه الفيلسوف، ولذلك لن يستطيع الدفاع عن الفلسفة، بقدر ما سيدافع عن نفسه، لكن مع ذلك يظل صامدا: «أجل إن فيّ شيئا لا تنال منه السهام مقتلا.. وما هذا الشيء إلا إرادتي». وبما أن الإرادة تجتاز مراحل السنين صامتة لا يعتريها تحول وتغير، فإن إرادة الفيلسوف ميتافيزيقية لا تتراجع إلى الوراء، إنها متصلبة ومتعالية عن الفناء، مثل الأبدية، ولم يعد له سواها، لا لأنها تحمي الحب، والحرية، والصداقة من الانهيار، بل لأنها تحمي الفيلسوف أيضا.
والحق أن ما تمنحه الميتافيزيقا للفيلسوف هي إرادة القوة، فبواسطتها يستطيع أن يقاوم القمع والاستبداد والهيمنة والخضوع للعبيد، الذين حولهم العامة إلى سادة، ذلك أن هؤلاء الخاضعين يطمحون إلى السيادة، لأن في إرادة الخاضع مبدأ سيادة القوي على الضعيف: «فإرادة الخاضع تطمح إلى السيادة أيضا لتتحكم فيمن هو أضعف منها، وتلك هي اللذة الوحيدة الباقية لها فلا تتخلى عنها» .
لقد نقلنا نيتشه من الإيمان بهدم الميتافيزيقا بمطرقته إلى الاعتقاد في حمايتها للروح من الانهيار في هذا الزمن الضائع، حيث لم تعد للأسئلة العميقة تلك السلطة، هكذا انزلقت الحياة في الشهوات والتقنية، وتسللت الكينونة إلى العدم، ومن المؤسف أنها لم تكن متسلحة بإرادة القوة، نظرا لكراهيتها للميتافيزيقا: «إذ ليس من محكوم في الحياة سوى من لا قبل له باطاعة نفسه. تلك هي عادة كل خاضع منحط».
لحظات ويعترف الفيلسوف بسر الحياة، الذي تسلمه من الميتافيزيقا، ولعل نيتشه هو الفيلسوف الوحيد الذي اعترف بهذا السر قائلا: «لقد أودعتني الحياة سرها قائلة: لقد تحتم علي أن أتفوق أبدا على ذاتي، وإنكم لتحسبون هذا الاندفاع إرادة إبداع.. في حين ليس هناك إلا سر واحد، وإنني لأفضل العدم على التحول عن هذه الوحدة من أجل إرادة القوة الكامنة حتى في مجال التضحية والخدمة المتبادلة وبين نظرات العاشقين».

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية