صراع «الكراسي» سيخلق سودانا جديدا الغلبة فيه للأقوى… والفناء يهدد الأغلبية.. وزوال إسرائيل أسرع مما يتوقع أعداؤها

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: يتخوف الكثيرون من أن سودانا آخر يتشكل الآن، ولأن شمال الوادي يشارك جنوبه السراء والضراء، تركت الحرب التي اندلعت قبل أيام ظلالها على تجمعات المصريين والسودانيين في القاهرة، فيما حذر مراقبون من تداعيات الأحداث، التي قد تسفر عن تدفق مئات الآلاف من السودانيين إلى الحدود المصرية حال استمرار الحرب وعدم استتباب الأمن، وقد اهتمت صحف أمس الاثنين 17 أبريل/نيسان بتطورات الأوضاع والمواجهات المستمرة في وطننا الثاني الذي نال الكثير من الدعاء على ألسنة أئمة المساجد، الذين اجتهدوا في العشر الأواخر من الشهر الكريم بالدعاء المأثور “اللهم أحقن دماء المسلمين”.
ومن أخبار مؤسسة الرئاسة: صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قرار عودة العمل بنظام التوقيت الصيفي، اعتبارا من الجمعة الأخيرة من شهر أبريل، والتوقيت المتبع مقدم بمقدار ستين دقيقة. ومن أخبار مهنة البحث عن المتاعب: تقدم خالد البلشي نقيب الصحافيين ببلاغين إلى الـنائب العام المستشار حماده الصاوي ضد كيانات غير شرعية تقوم بإيهام بعض المواطنين الحالمين بالعمل في المجال الصحافي وخداعهم والنصب عليهم واستخراج كارنيهات غير رسمية لهم، والادعاء بتغيير بطاقة الرقم القومي إلى مراسل، أو محرر، أو مصور صحافي، أو محرر إعلامي، مقابل مبالغ مالية.. ومن أخبار قناة السويس: تفقد الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة أعمال بناء القاطرات الجديدة، على هامش زيارته لترسانة بورسعيد البحرية، يرافقه عدد من أعضاء مجلس إدارة الهيئة وقياداتها، في ضوء المتابعة الدورية لسير العمل. واطلع رئيس الهيئة على مستجدات أعمال بناء القاطرات الجديدة، حيث بلغت نسبة إنجاز أعمال البناء والأعمال الميكانيكية والكهربائية في القاطرة “محمد نجم” 48% و29% للقاطرة “محمد الغمري”، فيما بلغت نسبة الإنجاز في القاطرة “جلال الديب” 17%. ومن أخبار الحوادث: نشب حريق هائل أسفر عن تفحم سبعة سيارات داخل مخزن في منطقة شارع شبرا، وعلى الفور انتقلت الأجهزة الأمنية في القاهرة لمكافحة النيران والسيطرة عليها.. ومن أخبار حوادث العاصمة كذلك: استغل عامل قرب الاحتفال بعيد الفطر، وقام بتصنيع الألعاب النارية، لترويجها خلال العيد، لتحقيق مكاسب مالية كبيرة، وتمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم عقب تصنيع مئة ألف صاروخ ناري.
سبب الكارثة

يرى سليمان جودة في “المصري اليوم”، أن عمر البشير السبب الأول في هذا المشهد المأساوي الذي يتابعه العالم في أنحاء السودان. كان قد استلم الحكم في 1989، وكانت البلاد بلدا واحدا من الخرطوم في شمالها إلى جوبا في جنوبها، ولكنه تركها بلدين بعاصمتين؛ ففقدت نصفها على يديه الكريمتين، رغم أن جون قرنق نفسه الذي تزعم الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، يراهن من موقعه في الجنوب على السودان الموحد للجميع، وكان يرغب في أن يكون كل السودانيين سواء في الحقوق وفي الواجبات، وقد قضى حياته يدعو إلى ذلك ويتمسك به، ولكن هذه مسألة لم تكن على بال البشير، لأن انشغاله كان بالبقاء في السلطة إلى أطول مدى ممكن، ولم يكن يهمه أن يتمزق البلد أو ينقسم بلدين.. ولم يشأ أن يتوقف عند حدود تقسيم بلده إلى بلدين، ولكنه ذهب إلى أن يكون للنصف المتبقى تحت سلطته جيشان، أحدهما الجيش النظامي للبلد، والثاني هو ما سماه قوات الدعم السريع.. فكأنه لم يشأ أن يغادر مصحوبا باللعنات، إلا بعد أن يترك وراءه خنجرا في خصر السودان. وكان هذا الخنجر هو قوات الدعم السريع، التي صارت وكأنها جيش آخر يتوازى مع الجيش النظامي الحقيقي.. ولأنه من المستحيل أن يعيش أي بلد بجيشين على أرضه، فإن ما حدث كان لا بد أن يحدث، وكان لا بد أن يكون السودانيون هُم الضحية، وهُم الذين يدفعون الثمن فادحا من استقرار بلدهم، ومن أمنه، ومن قدرته على أن يتماسك، ثم من قدرته على أن يوفر الحد الأدنى من الضرورات لآحاد المواطنين. كانت المشكلة في مرحلة ما بعد رحيله أن يتوافق المدنيون مع العسكريين على صيغة للحكم، وقد انقضت ثلاث سنوات إلى أن توافق الطرفان بالكاد، ولكن الاتفاق بينهما ما كاد يدخل حيز التنفيذ، حتى انفجر الخلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتحولت المشكلة إلى معضلة في أرجاء البلد الطيب. سوف يظل البشير نموذجا للحاكم الذي لا يكون عبئا على مواطنيه في وجوده فقط، ولكنه بعد رحيله أيضا وقد كان يحلو له أن يخرج على الناس راقصا بالعصا، ولم يكن أحد يدري أنه كان يرقص على أشلاء السودان.

انقذوه لأجلكم

دعونا نعترف بما انتهى إليه أسامة شرشر في “مصراوي”: إن الاتفاقيات بين المؤسسة العسكرية في السودان، وقوات الدعم السريع كانت هشة وأن الصراع على السلطة بين البرهان وحميدتي كان متوقعا، خاصة بعد رفض المشاركة في الورشة الأخيرة مع المجتمع المدني السوداني. فقوات الدعم السريع كانت تخطط وتدبر من خلال حميدتي أن تنقض على السلطة لإبعاد البرهان، ولكن أن يصل الموقف إلى مواجهة عسكرية بالطائرات والأسلحة الثقيلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، فأخشى ولا أتمنى أن يتحول هذا الصدام العسكري بين الطرفين إلى حرب أهلية في السودان، في ظل الظروف التي يعيشها الشعب السوداني. فالصورة غير واضحة حتى الآن بعد قيام الجيش السوداني بقصف مواقع الدعم السريع (المترددين حسب وصف الجيش) للسيطرة على الأماكن المهمة والاستراتيجية الخاصة بالمؤسسة العسكرية في السودان، وإعلان تدمير أكثر من 80 سيارة خاصة بالدعم السريع. هذه المواجهة المتوقعة تعطي مؤشرات خطيرة في ظل غياب صوت الحكماء في السودان وصمت المجتمع الدولي الذي كان يشارك في الحوار وأعتقد أن الأمور ستصل للأسف الشديد إلى مواجهة دموية بين قوات الدعم السريع الممولة من جهات داخلية وخارجية، وقوات الجيش الوطني السوداني، وهذا مؤشر يجعل الموقف في السودان على حافة بركان قد يقضى على الأخضر واليابس. لا بد من أن يكون هناك تدخل عربي وليس خارجيا بكل الطرق المشروعة لوقف نزيف الدماء في شهر رمضان الكريم، خاصة أن المسائل تتطور وتشتعل لأن قوات الدعم السريع تحاول أن تسيطر على السلطة، وكما قيل إن البرهان في مكان آمن ويتابع العملية العسكرية. رفقا ورحمة بالشعب السوداني الذي يدفع ثمن الصراع على السلطة داخل السودان.

مبتلى بقياداته

قال اللواء تامر الشهاوي ضابط الاستخبارات العسكرية المصري، وعضو مجلس النواب ولجنه الدفاع والأمن القومي السابق في تصريحات خاصة لـ”المشهد” إن الأزمة السودانية الحالية ليست وليدة اليوم، ولكنها للأسف نتاج عدم رؤية للقيادات السياسية المتعاقبة في السودان. ووفقا لبسمة رمضان في “المشهد” أكد الشهاوي أن الخلاف الواقع بين الجماعة الوطنية في السودان كان يجب أن يتداول على مائدة المفاوضات، وليس من خلال تبادل طلقات النيران. واستطرد قائلا: ثبت باليقين أن الجيوش لا تصنع أو تتشكل للحفاظ على الوطن ضد التهديدات الخارجية فقط ولكنها تصنع وتتشكل للحفاظ على هوية الدول، وأظهرت الأزمة السودانية الخطورة الداهمة على الدول من العصبيات والقبلية والأيديولوجيات وتغلغلها في مفاصل الدول، حتى تفكيك الدولة وقال: رغم أن السودان وقع اتفاقيات تعاون مع تركيا وإيران وإسرائيل، إلا أن الأزمة أثبتت أن تماسك الجبهات الداخلية للدول ووضوح رؤيتها الاستراتيجية، وإصرارها على النجاح هو الفيصل في نجاح أي دولة وعبورها للازمات. وأشار إلى أنه عندما تقرر دولة ما تكوين ميلشيات مسلحة بشكل رسمي لتحقيق هدف سياسي داخلي فعليها أن تتحمل تبعات ذلك، ولنا في ليبيا ولبنان واليمن والعراق دروسا مستفادة في تشكيل ميليشيات مسلحة، رغم وجود جيش رسمي للدولة. وأكد أن قوات الدعم السريع هي ميليشيات شبه عسكرية مشكلة ومكونة من ميليشيات الجنجويد، التي كانت تقاتل نيابة عن الحكومة السودانية خلال الحرب في دارفور. وتتمّ إدارة قوات الدعم السريع من قِبل جهاز المخابرات والأمن الوطني، وهذا الأخير يقبع تحت قيادة القوات المسلحة السودانية وتأتمرُ قوات الدعم السريع بأمرِ محمد حمدان دقلو المعروف أيضا باسمِ حميدتي الذي برزَ بعدَ سقوط نظام البشير وصارَ في وقتٍ لاحقٍ نائب رئيس المجلس العسكري الذي يقود البلاد في الفترة الانتقاليّة وبعدَ سقوط نظام البشير صارَ لقوات الدعم السريع صلاحيات أكبر.

أهداف خبيثة

أوضح تامر الشهاوي أن الشعب السوداني هو من سيدفع الثمن نتيجة صراع الطرفين، فضلا عن تدخل أجهزه استخبارات دول وجماعات لنشر الفوضى، مشددا على أن ما يحدث صراع مسلح للوصول إلى الحكم في السودان بين طرفين مسلحين أحدهما الجيش النظامي، والآخر ميليشيا صنعتها الدولة، وأشار إلى أن القوات المصرية الموجودة في السودان تتمركز في قاعده مروي شمالي السودان، وكانت تجري تدريبات مشتركة دورية مع الجيش السوداني، وقد قامت قوات ميليشيات الدعم السريع بمهاجمة الجيش السوداني المتمركز في القاعدة ذاتها والقوات المصرية، والجميع بخير، ووفق البيان الذي أصدره الدعم السريع، أن جميع العناصر المصرية في أمان ولا علاقه لهم بالخلاف الواقع مع الجيش السوداني، كما أصدر المتحدث العسكري المصري بيانا للتأكيد على متابعة الموقف لتأمين القوة المصرية. وقال: لقد اعتذر محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع على المشاهد والفيديوهات التي انتشرت، وأكد أن القوات المصرية في مكان آمن ويتلقون معاملة محترمة معتذرا للقيادة السياسية والشعب المصري عما صُدر من بعض “الصغار”، حسبما وصف. وأوضح أن هناك اتصالات مصرية على أعلى مستوى تتم بين مؤسسات الدولة والجهات المعنية في السودان والدول الإقليمية والأطراف الدولية لإعادة الهدوء للسودان مرة أخرى، ولتأمين عودة القوات المصرية من السودان. وشدد على الجميع أن يكونوا على قدر المسؤولية والوعي وألا ينساقوا وراء الأهداف الخبيثة من الصور والفيديوهات الخاصة بوجود عناصر من القوات المصرية في السودان بغرض التدريب العسكري المشترك.

محنة للجميع

في الصدام العسكري الذي يشهده السودان الشقيق بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع آثرت القوى المدنية السودانية، كما أوضح عبد القادر شهيب في “فيتو”، أن تتخذ موقف الحياد وألا تنحاز لأي من القوتين المتصارعتين.. بعض هذه القوى المدنية التزم الصمت، ومن أعرب عن موقف اختار مناشدة القوتين المتصارعتين وقف الاقتتال.. ولم يتحدث أحد عن الوضع العسكري السوداني الذي سمح بوجود السلاح خارج يد القوات المسلحة، ووجود قوة مسلحة أخرى موازية لها وتقاتلا الآن.. حدث ذلك رغم أن القوى المدنية السودانية تعرف أن قوات الدعم السريع أنشأها البشير مكافأة لقيادتها، لما قامت به في دارفور ولكي تكون حاضرة في مواجهة الجيش السوداني حتى لا ينقلب عليه.. ورغم أيضا أن هذه القوى المدنية سبق أن حملت قائد الدعم السريع مسؤولية استخدام العنف في مواجهة المتظاهرين. والأغلب أن القوى المدنية التزمت بهذا الموقف المحايد لأكثر من سبب.. منها أنها أو البعض منها اقترب مؤخرا من قيادة قوات الدعم السريع، بعد إعلانه تأييد الاتفاق الإداري الذي يمهد لنقل السلطة لها.. وربما خشية أن تكون مستهدفة من القوتين المتصارعتين، في ما بعد. وهكذا المصالح غلبت المبادئ، التي جعلت القوى المدنية تضمّن الاتفاق الإطاري بندا خاصا بتوحيد القوات المسلحة وإدماج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، لأنه يتعين أن تكون للدولة قوات مسلحة واحدة، ويحظر حمل السلاح واستخدامه من أي جماعات وتنظيمات وميليشيات، وهذا ما يعاني منه بلد مثل ليبيا وعطل حصولها على الاستقرار. على كل حال أن أي حل لأزمة السودان الشقيق يبدأ من وقف الاقتتال الحالي لآن السودان يخسر الكثير بسببه.

اكتشاف متأخر

يعد عبد الله السناوي من السعداء بالكشف الأخير الذي اهتم بتسليط الضوء عليه في “الشروق”: في الوثائق البريطانية، التي أزيح الستار عنها مؤخرا، تأكدت الحقائق الأساسية في أزمة السويس عام (1956). لم يكن تأميم قناة السويس عملا متهورا افتقد صوابه في لحظة طيش، ولا العدوان الثلاثي على مصر جرت وقائعه بردة فعل في لحظة غضب. على مدى عقود من التشهير المنهجى المتواصل للانتقاص من تأميم قناة السويس أعلنت الحقائق عن نفسها مجددا، باعتراف موثق من الجانب الآخر أنه لم يكن واردا على أي نحو ولا بأي قدر تسليم القناة لمصر عام (1968) بعد انتهاء عقد الامتياز عليها. لم يكن ذلك غائبا عن جمال عبدالناصر، ولا كانت النوايا خافية. قبل التأميم كشفت صحيفة هندية النوايا البريطانية، اطلع عبدالناصر عليها عبر فتحى رضوان، أحد أبرز رموز العمل الوطني في مصر قبل ثورة يوليو/تموز، الذي تولى وزارة الإرشاد القومي (الإعلام) بعدها. في فيلم «ناصر 56» سجل السيناريست الراحل محفوظ عبدالرحمن تلك الواقعة الموحية، بما سوف يحدث تاليا من عدوان على مصر، إذا ما أقدمت على تأميم قناة السويس. حسبما هو مؤكد في الأوراق والمستندات والشهادات، أخذ قرار التأميم وقته في الدراسة وجمع المعلومات، والتحضير لإدارتها بعد تأميمها. أعادت مصر اكتشاف نفسها في أزمة السويس. رغم الادعاءات، التاريخ هو التاريخ في النهاية. قيل وتردد على نطاق واسع أن قناة السويس كانت ستعود لمصر بعد اثني عشر عاما، دون تأميم، أو صدام، أو حرب، وأنه لم يكن من الحكمة استفزاز القوى الكبرى إلى حافة الحرب. كان ذلك وهما سياسيا كاملا أقرب إلى الهراء قصد به الطعن في تأميم قناة السويس أعظم إنجازات الوطنية المصرية في العصور الحديثة.

دفاعا عن الكرامة

وفق الوثائق، التي نشرتها «بي. بي. سي» واهتم بها عبد الله السناوي بحث خبراء بريطانيون البدائل الممكنة حتى لا تتسلم مصر قناة السويس. الأول، إضافة نص يتعلق بقناة السويس وشركتها في أي تسوية بين مصر وبريطانيا أثناء مفاوضات الجلاء. كان مستحيلا أن يتقبل القادة الجدد في مصر مثل هذا الاقتراح، حسب تصريح لعبدالناصر في (17) نوفمبر/تشرين الثاني (1954)، سجلت صدمته الوثائق البريطانية نفسها: «إننا نريد تجنب أخطاء الماضي، ففي الماضي كانت مصر تنتمي للقناة، لكنه من الآن فصاعدا سوف تنتمي القناة لمصر». الثاني، إنشاء تحالف عسكري في الشرق الأوسط لحماية القناة والشركة العالمية التي تتحكم فيها القوى الغربية بالكامل. لم يكن ذلك ممكنا بالسهولة التي فكر فيها الخبراء البريطانيون، فالعالم تغير بعد الحرب العالمية الثانية ومعادلات القوى اختلفت. بعد فشل العدوان على مصر والهزيمة الاستراتيجية التي لحقت بالإمبراطوريتين السابقتين البريطانية والفرنسية، كان مثيرا أن تعاود الولايات المتحدة، التي آلت إليها قيادة التحالف الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، طرح الفكرة نفسها على نطاق أوسع تحت اسم «حلف بغداد» بذريعة ملء الفراغ. وكان مثيرا بالقدر ذاته أن الرجل الذي خرج منتصرا في حرب السويس تولى بنفسه قيادة العالم العربي لإسقاط ذلك الحلف. الثالث، تدخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» بصورة أو أخرى لتوفير الحماية اللازمة لتمديد امتياز قناة السويس. كانت تلك قراءة خاطئة لحقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية شاملة بروز الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى جديدة تنازع الولايات المتحدة على قيادة العالم. الرابع، فصل منطقة القناة عن مصر. هكذا بكل سفور. كان ذلك استضعافا لمصر المستقلة حديثا واستفزازا لإرثها الوطني، الذي دعا مواطنيها للقتال في بورسعيد ضد قوات الغزو. قيل إن مصر هزمت في حرب السويس. لم يكن ذلك كلاما جديرا بأي نقاش، فالحروب تقاس بنتائجها السياسية. وقد خرجت مصر بعد الحرب قوة كبرى في محيطها وعالمها. الخامس، وضع القناة تحت سيطرة الأمم المتحدة. كان تقدير الخبراء أنفسهم أن مثل هذا السيناريو غير قابل للتطبيق “لأنه يمس كرامة المصريين وسمعتهم» و«لصعوبة إقناع دول العالم الأخرى بتأييده”.

تأكل نفسها

الدول لا تصير دولا بحق وفق ما يرى الدكتور عبد المنعم سعيد في “الأهرام”، ما لم تستقر على هويتها أولا في ذاتها وجوهرها، وثانيا في علاقتها بإقليمها؛ وفي كلتيهما فإن إسرائيل منقسمة وغير مستقرة. قبل أسابيع عاشت إسرائيل في انقسام تاريخي، ليس المعتاد على أسس إثنية بين اليهود والعرب الفلسطينيين، أو بين الأشكناز والسفارديم؛ أو سياسية بين اليسار واليمين. أصبح الانقسام على الأصول التاريخية للدولة، وهل هي قوانينها الأساسية ساعة التأسيس، التي استقرت على نوع من العلمانية السياسية والاجتماعية بين اليهود على الأقل؛ أم أنها سوف تكون محكومة بالشريعة اليهودية التوراتية. وهذه المرة نما الانقسام إلى صدام، واشتعلت النيران في إطارات السيارات، وغادرالأطباء المستشفيات وأغلق مطار بن غوريون الرئيسي في إسرائيل، واجتاحت إسرائيل احتجاجات وإضرابات غير مسبوقة، في ذروة شهور المعارضة على خطط الحكومة لتجريد القضاة الإسرائيليين من السلطة. وعندما ظهر نتنياهو أخيرا على التلفزيون اختار تشبيه موقعه بقصة عن الملك سليمان. تماما كما كان على الملك التوراتي أن يحكم على أي من امرأتين متنافستين كانت الأم المحبة الحقيقية لطفل هي التي رفضت القسمة مطالبا بحوار وتسوية. لم يتغير الموقف كثيرا عندما جاءت أيام قليلة ماضية جرى فيها ما جرى من اعتداءات مستمرة على المسجد الأقصى، تضاف إلى الاستيطان المزمن وكل ذلك على أسس توراتية لم يرد ذكرها في أي من اتفاقيات السلام التي أجرتها إسرائيل مع جيرانها وإقليمها. القصة تبدأ دائما باعتداء على المكان المقدس، ويكون رد الفعل بصواريخ تهبط على إسرائيل، سواء من غزة أو من لبنان، فيكون فعل إسرائيل مظلة دمار كبرى على الفلسطينيين تستخدم فيها الصواريخ والطائرات. مغادرة إسرائيل لاتفاقيات السلام إقليمية كانت أو إبراهيمية تضع المنطقة كلها في حرج بالغ لأنها وقد نفت عن نفسها الصفة العلمانية تأخذ الصراع بأكمله إلى الساحة الدينية، حيث لا يكسب أحد ولا يقبل طرف بهزيمة. فرصة إسرائيل في الوجود السلمي في الشرق الأوسط تضيع.

التمسوها في ما يلي

عن الليلة التي يترقبها كل مسلم أوضح عبد الوهاب عدس في “الجمهورية” ما يلي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت قد خرجت لأخبركم بليلة القدر، إلا أنه تشاجر (تلاحم) فلان وفلان في المسجد.. فأخفي عني معرفة توقيتها.. فالتمسوها في العشر الأواخر.. وكأن الله يريد أن يخبرنا بأن التشاجر هو ميدان للشيطان.. ميدان لمعارك الشر، وأن ذلك يمنع الخير.. تخيلوا مجرد مشاجرة بين اثنين منعتنا من أن نعرف ليلة القدر.. ومنع عنا خيرها.. هل نتذكر دائما أن التشاجر والتطاحن والعداء وأيضا الخصام يمنع الخير، لعل أعظم درس ليلة القدر، أن التشاجر والعداء والخصام تمنع الخير.. وأي خير.. خير ليلة أفضل من ألف شهر اختارها الله سبحانه لخير الدنيا كلها، فهي ليلة سلام وأمن.. تذكرنا بالقرآن.. كلام الله سبحانه، الذي يذهب عنا الخوف والهم والحزن. يقول فضيلة الإمام الشيخ متولي الشعراوي في حديثه عن ليلة القدر، إن القرآن الكريم.. نزل في ليلة القدر “إنا انزلناه في ليلة القدر”، أي أخرجناه من اللوح المحفوظ من عالم الغيب الذي كان مستورا فيه، ليباشر مهمته في الوجود.. أنزله إلى السماء الدنيا، وتنزيل القرآن منسوب إلى الله سبحانه وتعالى مصداقا لقوله: “وبالحق أنزلناه وبالحق نزل”.. والإنزال ليس للبلاغ فقط.. إنما لمباشرة مهمته.. ويضيف الشعراوي: أن أول نزول للقرآن.. كان في ليلة القدر، إنا أنزلناه في ليلة القدر.. يدل على أن معنى الإنزال ابتداء، مباشرة القرآن مهمته في الوجود بإفعل ولا تفعل.. وذلك بأن ينزل إلى السماء الدنيا دفعة واحدة.. ثم ينزل به جبريل بعد ذلك حسب الحوادث.. إذن فالذي أنزل القرآن هو الله.. والمنزل هو القرآن والوقت الذي تنزل فيه هو ليلة القدر.. وحين يخص الله زمنا من الأزمان بالاختيار.. وهو الخالق يختار ما يشاء.. يصطفي من الملائكة رسلا.. ويصطفي من البشر رسلا.. ويصطفى من الأرض مكانا.. ويصطفى من الزمان زمانا.. إنه أعلم بما خلق.

بفضل القرآن

شاب صغير حرك مشاعر الملايين في الشارع الجزائري، الشاب الذي اهتم بحاله فاروق جويدة في “الأهرام” هو قارئ القرآن الكريم عبد العزيز سحيم.. انطلق صوته في مساجد وشوارع وقرى الجزائر شلالا من الإحساس والصدق والبراءة، وهو يقرأ آيات الله فاهتزت القلوب وحلقت المشاعر مع الصوت الشجي والإحساس المتدفق.. الشاب الصغير حرك القلوب والشعب الجزائري يعتز بدينه وقرآنه رغم أنه عانى كثيرا من ويلات الاحتلال الفرنسي الذي استهدف دينه ولغته وثوابته.. وقد خاض الراحل الكبير الرئيس هواري بومدين معركة ضارية لإعادة اللغة العربية إلى الشارع الجزائري تعليما وحديثا وقرآنا، وحقق إنجازات كبيرة في ذلك وعادت اللغة العربية إلى حياة الناس، ومعها عاد الوعي الديني بين الأجيال الجديدة.. لقد قامت المقاومة الجزائرية ضد فرنسا على يد المناضل الكبير عبد القادر الجزائري.. كانت فرحة الشعب الجزائري في رمضان هذا العام غير الأعوام السابقة بسبب ظهور القارئ الشاب عبد العزيز سحيم وقد شهدت صلاة التراويح خلفه أكبر تجمع تشهده الجزائر.. إن الشعب الجزائري يعتز بدينه منذ مئات السنين وينبغي أن لا ننسى أن حضارة المسلمين في الأندلس قامت على دول شمال افريقيا.. وما زلت أذكر ترحيب الشعب الجزائري بمسرحية الوزير العاشق، وكيف استقبل الفنان القدير عبدالله غيث والقديرة سميحة أيوب في أوبرا الجزائر.. هناك أحداث في الحياة يمكن أن تغير أشياء كثيرة، وكان ظهور قارئ شاب للقرآن الكريم حدثا كبيرا حرك مشاعر الملايين من أبناء الشعب الجزائري، الذي يعتز دائما بدينه.. ما أحوج شبابنا إلى مثل هذه النماذج الرفيعة التي تعطي للحياة معنى وقد يكون درس هذا القارئ الشاب طوق نجاة للملايين من شبابنا الذي يفتقد القدوة في كل شيء.. احتفاء الشعب الجزائري بمقرئه الشاب سلوك ديني وحضاري وإنساني راق وجميل.. لقد احتشدت الجموع في شوارع الجزائر تحيي أحد أبنائها وقد حفظ القرآن الكريم وأجاد تلاوته بصوت رائع، إنه قدوة لشباب أحب دينه وقرآنه ولغته.

كعك الغربة

دينيا والكلام لسهام ذهني في “المصري اليوم” من المستحب إظهار البهجة بالعيد، كجزء من الفرحة بتوفيق الله لنا في إتمام فريضة الصيام. وبالطبع فإن تناول «الكحك» هو من أبرز مظاهر الفرحة في عيد الفطر. محلات الحلويات معمورة الآن بأهرامات من الكحك والغُريّبة والبسكويت، بعد أن أصبح معتادا شراء الكحك الجاهز. لكن لا يمكن إنكار أن عمل الكحك في البيت كان يشيع حالة من الفرحة أكبر من مجرد تناول الكحك الجاهز. هذه الفكرة أيقظها في داخلي فيديو على الإنترنت للكاتب أيمن حويرة ومعه زوجته الكاتبة نهى عودة. ما علاقة كاتب وكاتبة بعمل الكحك؟ العلاقة هي فكرة جذابة من الصحافي إسلام وهبان، الذي اعتاد أن يقدم أفكارا مبتكرة ومتجددة عبر (الجروب)؛ فتضمنت صفحة الجروب في رمضان يوميا فقرة لايف من مطبخ أحد الكُتاب وصُناع المحتوى الثقافي، يظهر عبرها للقارئ جانبا إنسانيا للمثقفين داخل بيوتهم، مع الإجابة عن أسئلة المشاهدين. فإذا بالفقرة التي قدمتها الكاتبة نهى عودة وزوجها الكاتب أيمن حويرة، المقيمان في أستراليا، تتضمن تجهيز الزوج للسحور، وقيام الزوجة بعمل كحك العيد. نعم، كحك العيد عبر بث مباشر من بيت مصري في أستراليا يبث الفرحة من خلال التمسك بالتقاليد. لم تتحدث نهى عودة أو أيمن حويرة عبر “اللايف” عن اشتياقهما لأجواء رمضان في مصر، أو عن وجع الغربة، لكن تحدثت بالنيابة عنهما نقوش الخيامية باللون الأحمر التي زينت إطار الستائر، وفانوس رمضان الذي يتصدر مائدة الطعام، والعلبة التي يعلوها هلال ومكتوب عليها «رمضان كريم» التي احتوت على الكحك، وقبل كل هذا تحدثت طقوس عمل الكحك عن الحنين، ما جعلني أقع أنا أيضا في حالة من الحنين، لكنه حنين إلى زمن انقضى.

إبعاد الأنين

على طريقة بيت الشعر الشهير لمحمود درويش «أحن إلى خبز أمي»، وجدت سهام ذهني روحها كأنها تردد «أحن إلى كحك أمي». أحن إلى اللمة التي كانت في وجود أمي الله يرحمها كأحد ملامح عمل الكحك، فلا أبالغ وأنا أقول إن الدقيق الذي كان يتم شراؤه في العيد كانت كميته بـ«الشوال» وليست بالكيلو، لأن الفرحة تتضمن توزيع علب من الكحك على الجيران والأقارب والأصحاب. كان صوت نهى عودة يُنبه المشاهدين الذين يريدون إعداد الكحك في البيت إلى ضرورة الحرص على الانتباه عند صب السمن المقدوح فوق الدقيق نظرا لحرارته الشديدة، ثم عملت ما يشبه الحفرة في وسط الدقيق كي تقوم بإنزال السمن المقدوح فيها، فتذكرت بشدة صوت ماما وهي تنبه السيدة التي تساعدها في البيت إلى تجنب هذه السخونة الشديدة، حيث لا بد من أن يرافق إنزالها هي للسمن المقدوح قيام هذه السيدة الله يرحمها بتقليب الدقيق في السمن باستخدام «مقصوصة» طويلة، كي يتداخل السمن جيدا في الدقيق، وبعد التقليب المتتابع، يصبح من الضروري أن «تبس» الدقيق بين راحتي اليد قبل أن يبرد السمن تماما من أجل الحصول على كحك ناعم يذوب في فم من يتناوله. استعدت المشهد بأكمله من الذاكرة بينما نهى عودة بعد تقليب السمن في الدقيق بملعقة طويلة تدخل كفيها إلى الدقيق و«تبسه»، ثم عندما حان وقت تقطيع ونقش الكحك استخدمت المنقاش التقليدي، وأشارت إلى أنها لا تميل إلى استخدام القوالب الصغيرة المجهزة لنقش العجينة، وهو الأمر نفسه الذي كانت تؤكد عليه ماما الله يرحمها، حيث يحمل الكحك جمال النقش اليدوي الذي يميز المشغولات اليدوية، فتبدو كل كحكة وكأن لها شخصية مستقلة بعد استقرار لون السكر الناعم الأبيض داخل النقوش. كل هذا كان يجعل الكحك ليس مجرد حلوى نشتريها ونأكلها، بل فرحة بطقوس وعادات وتقاليد كانت أمهاتنا تحرص عليها، ثم إذا بى اليوم عند مشاهدتي لممارسة تلك الطقوس عبر الشاشة يغمرني الحنين إلى أمي، وكالمعتاد لا بد من إبعاد الأنين.

متلازمة رمضان

ها هو رمضان يلملم ما تبقى من أيامه ولياليه، ويستعد للرحيل، وأُصاب بأعراض اكتئاب أطلق عليها في “الأخبار”علاء عبد الهادي “متلازمة ما بعد رمضان”، فما أن تنقضي أيام العيد حتى تطفأ الفوانيس التي يعلقها الشباب في الشوارع، وترفع الزينة التي نستقبل بها هذا الشهر الكريم، وتطفأ الأنوار ويعود الناس مبكرا إلى بيوتهم.. أفتقد مظاهر البهجة والفرح التي نستقبل بها نحن المصريين أفضل أيام الله.. كانت سعادتي مضاعفة بمظاهر الإفطار الجماعي الذي نُظم في حي المطرية.. مظهر ينتصر للحياة ولقيم المودة والتراحم والجيرة الطيبة.. أكاد أجزم أن أي جار في الشارع الذي احتضن المائدة المليونية سوف يتردد كثيرا مستقبلا في أن يسلك سلوكا يؤذي جاره، على الأقل سوف يتردد ويستحي أن يفعل فعلته. تابع الكاتب: لم تكن رؤية الهلال عندي تمثل وحدها دليل حلول رمضان المعظم.. بل تتحقق بعدة مظاهر، أعيش في خريف العمر أسيرا لها.. كنا نتحلق حول شاشة التلفزيون الخشبي الجوانب ماركة تليمصر في صالة بيتنا في البر الشرقي لمدينة شبين الكوم.. الليلة استطلاع رؤية هلال شهر رمضان المعظم «أنا ابن جيل لا نقول رمضان من غير أن نصفه بالمعظم». ويجلس والدي كعادته يكاد يكون ملتصقا بالجهة اليمنى لشاشة التلفزيون وكأنه يطل من شرفة البيت يتابع المارة في الشارع، وأنا وأخوتي نتوزع على الكنب وعلى أرضية الصالة قبالة الشاشة التي لم تكن الألوان قد عرفت طريقا لها بعد.. نجلس ونحن نحبس أنفاسنا، يا ويلة من يتحدث، حتى همسا، سيجد العقاب الفوري من أبي الحليم في مجمل أموره إلا من يعكر صفو متابعته لأحاديث الشيخ متولي الشعراوي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية