أمير المفرجي قد تبدو خلافات الساسة العراقيين وطريقة استماتتهم للحفاظ بكرسي السلطة لأول وهلة على إنها خلافات سياسية عادية لا تختلف في طبيعتها مع ما يحصل بين ساسة الدول الديمقراطية، التي قطعت أشواطا متقدمة في هذه التجربة. إذ ان الاختلاف في طريقة الحكم والتباين في الرأي هو حق دستوري وحضاري تضمنه الموضوعية الوطنية ووعي النخبة السياسية في السيطرة على الخلافات ومن ثم الرجوع إلى التوافق والتضامن في حالة بلوغها الحد الأقصى الذي قد يهدد سيادة وأمن الدولة القومي والاقتصادي.بيد ان ما يحصل بين ساسة العراق في صراعهم على كرسي الحكم وثروات البلد قد تعكس انطباعاً أخراً لا يدخل ضمن أسس اللعبة الديمقراطية والأهداف التي تسعى المجتمـــــعات في تحقيقها. فتحالفات الأحزاب العراقية لم تأتِ للحكم نتيجـــة لتوافق سياسي بقــــدر ما كانت محصلة اصطفاف مذهبي – عرقي تعــــدى بسلبياته إطار اللعبة الديمقراطية المتعامل بها بصورة عامة في هذا ألمجال. كما ان خلافات الساسة العراقيين، هي خـــلافات شخصية ليس لها أي علاقة بمشاكل وهموم الإنسان العراقي. فثمة مؤشرات ومعطيات تتفق عليها أغلبية مكونات الشعب العراقي، وهي إن هذه الخلافات بين المالكي والبرزاني وعلاوي من جهة، ومابين المالكي والصدر من جهة أخرى، ليست إلا صراعات مذهبية وعرقية ليس لمصلحة الدولة ولا لمواطنيها فيها ناقة ولا جمل، في بلد غني تتعدى ميزانيته السنوية المائة مليار دولار.لا شك ان الأحزاب الكردية الحاكمة لإقليم كردستان العراقي ونظام حزب الدعوة الحاكم في بغــداد، هما وجهان لعملة واحدة فيما يتعلق بطريقة تفكيرهما وتعاملهما مع مفهوم السيادة للدولة العراقية. على الرغم من الاختلاف في الرؤى والثقافة المحلية والتطبيق، بعد نجاح نموذج الإدارة الناجحة لإقليم كردستان، والذي أصبح مثالا يحتذى في الأمن والعمران والخدمات، مقارنة بما وصلت إليه حكومة المركز من فساد وفقدان للخدمات في إداراتها لبغـداد والمحافظات الجنوبية الأخرى.ان ما يطمح به القادة الأكراد هو دولة لا تشبه العراق بعلمها وجيشها وحدودها، يكون لها القدرة في عقد الصفقات النفطية، واستغلال خيرات البلاد، انطلاقاً من مفهوم قوانين الدستور في اقتسام الغنائم الذي فرضته اللعبة الأمريكية ونظامها التحاصصي السيئ الصيت، التي جاء بها نفس هذا الدستورالمُلغم. أما بالنسبة لأهداف حكومة حزب الدعوة، فأن ما يطمح اليه قادتها هو إعادة بناء دولة جديدة على أساس طائفي، يـُتاح لهم من خلالها الفرصة في حكم البلاد ووضع اليد على الثروات، وبتواجد مرجعية مذهبية واحدة ترتبط مع إيران من خلال مشروع الهلال الشيعي في المنطقة .من هذا المنطق يمكننا القول بأن الأزمة التي يمر بها المشهد السياسي العراقي بين المركز والإقليم ليست ألا حلقة من حلقات مسلسل التواطؤ في تفتيت العراق، وفشل آليات لعبة تقاسم السلطة واقتسام الغنائم التي جاء بها الدستور. إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم وخطورة استراتيجية النظام المذهبي في حكومة المركز القائمة على دفع سياسة (الطائفية الوطنية) وجعلها كدستور جديد يـُعتمد عليه في حكم وتسييس الدولة في الجيش والشرطة ومن ثم دمجها بثقافة تبعية انفصالية تصب في النهاية لمصالح ونوايا إيران على حساب استقلالية العراق ودوره التاريخي في المنطقة. وهذه ما يتلاقى ويتشابه إلى حد ما مع الإستراتيجية القومية الانفصالية للأحزاب الكردية في الإقليم.ان ما يدفع نوري المالكي ومسعود البارازني في صراعهما ليس له صلة وارتباط بالسيادة وحقوق العراق والعراقيين إنما هي الانانية والغرور في القرار وروح الدكتاتورية العالقة في شخصيتهما. حيث ان ما يدفع نوري المالكي في حربه المعلنة فيما يتعلق بمدينة كركوك الغنية بالنفط عن طريق استمالة مكونات العرب السنة والتركمان وغيرها من الكائنات المهمشة إلى جانبه في مواجهته الأخيرة مع حكومة البارازاني، هو الحلم في تتويج نفسه كزعيم ودكتاتور للعراق بالرغم من فشله من أن يكون رئيسا لكل العراقيين بعد اعتباره سمة المذهب كأداة تفضيل في قيادة مؤسسات الدولة للتستر على الفساد ومكافأة السراق والمجرمين ومساعدتهم في الافلات من العقوبات، في الوقت الذي تهان المكونات الأخرى وتعامل على إنها طبقات ثانوية لا تدخل ضمن الواجهة المذهبية الحاكمة.لقد كان لفشل تطبيق أليات وبنود الدستور كالمادة 140 في ما يتعلق بـ المناطق المتنازع عليها، وطمع الجانب الكردي في ضم كركوك الغنية بالنفط والمتعددة المكونات إلى إقليم كردستان، ومن ثم جعلها عاصمة اقتصادية في ألمستقبل، الأثر الكبير في رفع نوري المالكي لرايات المواطنة والعروبة لاستمالة هذه المكونات العراقية الوطنية إلى جانبه في مواجهته الأخيرة مع حكومة البارازاني. بعد ان عمد هذا الأخير على تغيير تركيبة المدينة السكانية بجلب مئات الآلاف من الأكراد اليها، وعلى حساب المكونات الأخرى المتعايشة في كركوك مثل العرب والتركمان والكلدان .أما من يدفع مسعود البارازاني فهو تحصيل حاصل لهذا الفساد والفوضى والتفرد بالسلطة وغياب الدولة ورجالها والرغبة في استغلال الفرص، بعد انعدام القانون والسيادة في عراق فاسد برجاله وسياسيه وكما يراه شخصياً النائب الكردي المستقل محمود عثمان حين قال ان ‘الدولة لم تعد موجودة بعد ان همشت الكتل السياسية البرلمان والدستور’ وأن الوقت قد حان لكي يتوقفوا عن التصرف كقادة أحزاب وفئات، وأن يتعاملوا كرجال دولة، وان يحسموا أمرهم نحو أي اتجاه يريدون دفع البلاد’. لقد عاني العراق والعراقيون من مسلسل صراعات حكومة المالكي والأحزاب الكردية والتي بدأت فصولها عشية انسحاب قوات الاحتلال الامريكي من العراق. ان بقاء أزمة المصالح الحزبية والفئوية والطائفية والعنصرية بين الحكومة والأكراد قد لا تنذر بسقوط الحكومة المركزية فقط، وانما بزوال مشروع ما تبقى من الدولة العراقية. وهذا يعني ان خلافات المالكي والبارازني قد تدخل مرحلة خطيرة، تقود إلى تداعيات أقل ما يقال عنها انها مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، قد تتحول في النهاية إلى صراع شيعي ـ كردي في ظل وضع اقليمي ودولي يساعد على ذلك.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي