صراع النفط والسياسة وسراب الاستقرار في ليبيا

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

تستحوذ ليبيا على أكبر احتياطي للنفط في أفريقيا

للنفط أهمية عظيمة في حياة ليبيا الحديثة والليبيين. ويمكن القول بلا تردد إن النفط هو السياسة وأن السياسة هي النفط. الأمر كذلك أيضا بالنسبة للقوى الخارجية المتصارعة على النفوذ في شرق البحر المتوسط، خصوصا بعد أن بشّرَت عمليات التنقيب عن النفط والغاز في العقدين الأخيرين بوجود مخزون ضخم من الغاز الطبيعي. وتستحوذ ليبيا وحدها على أكبر احتياطي للنفط في أفريقيا، يقترب حسب التقديرات الأخيرة من 50 مليار برميل تمثل نحو 3 في المئة من الاحتياطي العالمي المؤكد، على الرغم من أن أنشطة الاستكشاف ما تزال أقل بكثير من المعتاد، بسبب الظروف السياسية منذ فترة طويلة. وتعتبر الايرادات النفطية أهم مصادر تمويل الميزانية الحكومية، بنسبة تزيد على 95 في المئة، كما يسهم النفط بنحو أربعة أخماس حصيلة الصادرات، وما يقرب من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي.

وتعتبر ليبيا واحدة من أهم مصادر الطاقة الآمنة لدول جنوب أوروبا، خصوصا إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، نظرا لقربها الجغرافي، وللنفوذ السياسي الذي تملكه هذه الدول داخل ليبيا سواء في الوقت الحاضر أو في مرحلة حكم العقيد معمر القذافي. وعندما وضع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين استراتيجيته لاستعادة المكانة الدولية لروسيا منذ أوائل القرن الحالي، فإن ليبيا وسوريا كانتا من أوائل الدول التي وضع عينيه عليها، وبدا ذلك واضحا في زيارته لليبيا عام 2008 التي دشنت عصرا جديدا من العلاقات بين البلدين، تنازلت فيه روسيا عن مستحقاتها من الديون لدى ليبيا، حوالي 5 مليارات دولار، في مقابل امتيازات نفطية ضخمة، وعقود بمليارات الدولارات في مشاريع البنية الأساسية. ومنذ ذلك الوقت حصلت شركات النفط الروسية على مكانة متميزة في قطاع النفط الليبي، استمرت حتى الآن، وهو ما يفسر جانبا واحدا من جوانب أهمية ليبيا في الاستراتيجية الروسية، وحرص روسيا على أن تظل لاعبا رئيسيا في الصراع الداخلي على الحكم، سواء من خلال دورها الرسمي، أو من خلال استخدام حلفائها وشركاتها النفطية والأمنية، خصوصا شركة الخدمات الأمنية “فاغنر” المملوكة لأحد المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذه الشركة تلعب الآن دورا عسكريا محوريا في قطاع النفط الليبي، على حساب قوات حرس المنشآت النفطية الرسمية، وتنتشر معسكراتها في حقول وموانئ النفط الرئيسية في شرق ليبيا وغربها، وتعمل لصالح قوات الجنرال خليفة حفتر.

وقد أثبتت جولات الصراع السابقة أن مصراته خط أحمر لا يجب أن تتجاوزه قوات حفتر إلى طرابلس، وأن سرت هي خط أحمر لا يجب أن تتجاوزه قوات حكومة طرابلس إلى بنغازي. هذا الخط الأحمر يقسم ليبيا فعليا بين إدارتين وجيشين وقوتين للشرطة وبنكين مركزيين ومؤسستين للنفط. وقد أدى احتلال المنشآت النفطية وإغلاقها إلى إصابة القطاع النفطي بالشلل، فلا إدارة الشرق غنمت ولا إدارة الغرب غلبت؛ مما فتح الباب لضرورة التفاوض بين الطرفين. وتمثل المفاوضات هذه المرة استجابة واضحة لاحتياجات البقاء لكل من السلطتين المتنازعتين، بعد أن أدى توقف إنتاج وتصدير النفط إلى شحة الإيرادات المالية، وإلى توقف إمدادات الطاقة إلى محطات توليد الكهرباء، ومحطات بيع الوقود للسيارات والشاحنات، فانفجرت الاحتجاجات في الشرق والغرب على السواء في ايلول/سبتمبر الماضي، مطالبة بضرورة تحسين الأحوال المعيشية ووضع حد للصراع المسلح بين الفريقين، وهو ما ساعد على تحريك المياه الراكدة في بحيرة السياسة. وتمثل الكهرباء ووقود السيارات عصب الحياة العصرية في ليبيا، وتعتمد محطات توليد الكهرباء على الوقود الذي توفره مصافي النفط الليبية للاستهلاك المحلي وعلى الغاز الطببعي، فإذا توقف إنتاج النفط والغاز، توقفت الامدادات لمصافي التكرير، وتوقفت محطات الكهرباء عن العمل. وتبلغ طاقة مصافي النفط المحلية 380 ألف برميل يوميا، منها حوالي 220 ألف برميل من المشتقات للتصدير من مصفاة رأس لانوف. وقد أدى إغلاق المنشآت النفطية إلى عجز حاد في إنتاج الكهرباء، كان أحد محركات احتجاجات طرابلس وبنغازي، التي أسفرت عمليا عن تراجع المكانة السياسية لكل من خليفة حفتر وفائز السراج.

لكن معادلة النفط والحكم في ليبيا تبدو أكبر بكثير من قدرات الطرفين المتنازعين على السلطة؛ فالنزاع بين حكومتي شرق ليبيا وغربها تغذية مصالح إقليمية ودولية متناقضة، كما أن مصيره مربوط بعدد من العُقَد السياسية – العسكرية الأخرى في المنطقة، خصوصا في سوريا ولبنان والقرن الأفريقي واليمن. ومع أن أطرافا إقليمية ودولية ساعدت على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، ومن قبله اتفاق فك الحصار عن المنشآت النفطية، إلا أن الوصول إلى “اتفاق دائم لوقف القتال” أو “اتفاق دائم لتشغيل قطاع النفط ” يحتاج إلى توافق صعب بين جميع الأطراف المتورطة حاليا في تعميق الجرح الليبي.

خريطة المصالح النفطية

ما أسهل الاتفاق محليا على تقسيم عائدات النفط، وتنظيم إدارة الحقول والأنابيب ومصافي وموانئ التصدير، وقد برز ذلك في اتفاق منتصف ايلول/سبتمبر الماضي الخاص برفع الحصار عن المنشآت النفطية وإعادة تشغيلها، وهو الاتفاق الذي توسطت فيه روسيا. لكن تنفيذ هذا الاتفاق لا يتم إلا بتوفير ظروف سياسية ملائمة تسهل التوصل إلى اتفاقات تفصيلية لتوزيع الإيرادات، وكيفية تمويل البنية الأساسية المشتركة والإنفاق العام، وتشغيل الأجهزة الحكومية. ومن هنا تأتي أهمية الاتفاق الدائم لوقف إطلاق النار الذي تم التمهيد له بمباحثات في المغرب ومصر وتونس حتى بلغ مداه بوساطة أممية في جنيف.

وتبدو خريطة المصالح النفطية موزعة مناصفة تقريبا بين الشركات الدولية العاملة في ليبيا وبين الإدارتين القائمتين في كل من طرابلس وبنغازي. وتضم الشركات الدولية كونوكو فيليبس الأمريكية وشركة هيس المستقلة، وإيني الإيطالية، وتوتال الفرنسية، وبي بي البريطانية، وريبسول الإسبانية وشركة ونترشال دي الألمانية، وشركة “أو إم في” النمساوية، وشركة إكوينور النرويجية. كما تشمل الشركات الروسية الرئيسية روسنفط، وغاز بروم، وتاتنفط ، بينما تمثل مؤسسة النفط الوطنية الجانب الليبي بنسب تتراوح بين 40 إلى 60 في المئة. وعلى الرغم من أن الإدارة الرسمية للمؤسسة تتخذ من طرابلس مقرا لها وتحاول أن تلعب دورا وظيفيا محايدا بين السلطتين المتنازعتين، وتنادي بإبعاد النفط عن السياسة، وأن تتولى قوة محايدة حراسة المنشآت النفطية، إلا أن حكومة بنغازي أقامت هيكلا موازيا في شرق ليبيا تخضع له أنشطة المؤسسة في المناطق التي تسيطر عليها قوات خليفة حفتر.

وبعد توقيع الاتفاق التركي – الليبي بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين في البحر المتوسط، أصبحت تركيا عمليا جزءا من معادلة النفط والغاز والسياسة في ليبيا، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع روسيا التي تدعم قوات خليفة حفتر، بينما تركيا تدعم حكومة السراج. وبسبب تداخل المصالح الإستراتبجية لكل من الدولتين في سوريا وليبيا، فإن روسيا تعمل على توفير قنوات للتنسيق عسكريا عن قرب مع تركيا، والسعي إلى إنشاء لجنة دائمة مشتركة لضمان وقف القتال بين الأطراف المتصارعة، وذلك على غرار التنسيق القائم بينهما في سوريا.

وينص الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار في ليبيا برعاية الأمم المتحدة على رحيل القوات الأجنبية خلال ثلاثة أشهر. ومن الصعب جدا تصور تحقيق ذلك نظرا للدروس المستفادة من تجربة وجود القوات الأجنبية في سوريا، وفشل محاولات إخراجها خلال السنوات الماضية على الرغم من المناداة بذلك، وكذلك نظرا للأهمية الاستراتيجية للوجود العسكري في ليبيا بالنسبة للأطراف الراعية للحرب في ليبيا، ومنها قوات الأمن الروسية الخاصة “فاغنر” التي تحتفظ لنفسها بمعسكرات مهمة في منشآت نفطية رئيسية مثل ميناء السدر وحقل الشرارة، وكذلك تركيا التي تحتفظ بقوات في ميناء طرابلس، إضافة إلى مرتزقة من سوريا والسودان وغيرهما يعملون لصالح الأطراف المختلفة. ولا يتوقف التداخل في مصالح النفط والسياسة على روسيا وتركيا فقط، وانما يتسع لأطراف أخرى دولية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وكذلك لأطراف إقليمية تلعب دورا بالوكالة لصالح أي من القوى العالمية الرئيسية.

ومع أن اتفاق جنيف الأخير بشأن وقف القتال، واتفاق سوتشي الذي سبقه بشهر تقريبا بشأن إنهاء إغلاق قطاع النفط واستئناف الإنتاج والتصدير يفتحان الباب لإحلال الدبلوماسية محل الحرب، فإن إمكانية تحقيق اختراق سياسي حقيقي تتوقف على إرادة القوى الرئيسية الخارجية التي تمارس دورها بقوة على أرض الملعب الليبي. هذه القوى، خصوصا صاحبة الوجود العسكري المباشر، والموردة للسلاح هي صاحبة القرار الحقيقي في تحقيق تقارب بين سلطتي الشرق والغرب، بعد ثبوت استحالة قضاء أي منهما على الآخر، وإعادة التشغيل “الدائم” للقطاع النفطي، وتحقيق الوقف “الدائم” للقتال بين الطرفين؛ فقوانين الحرب، وغنائم مرحلة ما بعدها، وقلاقل شرق المتوسط المستمرة، التي لم تصل إلى نقطة توازن حتى الآن، تجعل من تحقيق الاستقرار “الدائم” في ليبيا مجرد سراب في بحر الصحراء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية