في ساعة كتابة هذه الكلمات أمس، لم يكن بني غانتس قد ألقى خطابه المنشود بعد والذي يفترض أن يعرض فيه مواقفه وأهدافه. ولكن الكامنين له ولا سيما مؤيدي نتنياهو، تكفيهم كلمتان ونصف خرجت من فمه هنا وهناك كي يفتحوا عليه ناراً تتلظى. ويخيل أنه لو كان قال مجرد «صباح الخير» أو «كيف الحال؟» علناً لكانوا ينقضون عليه. أما بعد خطابه أمس ـ وأنا أخاطر بالنبوءة ـ فسيبدأ ضجيج ثقيل ضده. عندها ستختبر أيضاً قوته في الوقوف أمام مثل هذه الهجمات، التي سيكون بعضها على الأقل مدحوضة وغير نزيهة. في نظر اليمين بشكل عام والليكود بشكل خاص، فإن غانتس هو الخطر الأساس على استمرار حكم نتنياهو ويجب تصفية هذا الخطر بينما هو في مهده. صحيح أن الفارق في الاستطلاعات بينه وبين رئيس الوزراء لا يزال كبيراً في صالح الأخير، ولكن الخطر هو أن تتحد خلف غانتس أحزاب أخرى وبقوة مشتركة من الوسط ـ اليسار ينجحون في إسقاط نتنياهو. ليس مهماً أن يكون هذا الاحتمال طفيفاً جداً ـ فهو يكفي لأن يحطم لغانتس وجهه.
احتمال طفيف جداً بسبب مشاكل الأنا ـ من يقف على الرأس؟ فهل يرى أحد ما لبيد، الذي يرشح نفسه منذ سنوات لرئاسة الوزراء، يوافق على أن يتنازل عن الصدارة؟ لعل آفي غباي فقط، الذي تتنبأ له الاستطلاعات بهزيمة نكراء، كان مستعدًا لذلك. في الماضي نشر أنه أعرب عن الاستعداد لأن يخلي غانتس الصدارة كي ينقذ العمل وينقذ نفسه من مهانة المقاعد من منزلة واحدة تتنبأ له بها الاستطلاعات.
«من على الرأس» يعيدني إلى أيام بعيدة حين أقيمت مملكة إسرائيل. فبعد وفاة الملك شلومو خلفه ابنه رحبعام. وقد رفض مطلب أبناء الشعب تسهيل عبء الضرائب عليهم، وألقى في وجوههم الجملة الشهيرة: «أبي عذبكم بالسياط وأنا سأعذبكم بالعقارب». ولهذا السبب فقد تمردت عليه قبائل إسرائيل في شمال البلاد وأقامت مملكة إسرائيل وملكوا عليهم يربعام بن نبت.
يربعام، الذي خاف من أنه إذا واصل الشعب في مملكته الصعود لذبح الذبائح في بيت المقدس الذي في القدس ـ «وعاد قلب الشعب هذا إلى أسيادهم إلى رحبعام ملك يهودا وقتلوني، أقام موقعين للعبادة، في دان وفي بيت إيل. نصب هناك عجلين من الذهب وقال للشعب: «ها هو إلهكم إسرائيل، الذي سار بكم من بلاد مصر. وهذا تكرار لعجل الذهب الذي أقامه بنو إسرائيل في صحراء سيناء عند خروجهم من مصر ـ ويقضي المكرا: ويكون هذا الأمر خطيئة. والآن نعود إلى «من على الرأس» الذي تحدثنا عنه. يقول التلمود: «امسك القدس تبارك له ليربعام بلباسه وقال له: «تراجع وأنا وأنت وبن يشاي نتنزه في جنة عدن. قال له (يربعام) من على الرأس؟ قال له: بن يشاي على الرأس. «إذا كان كذلك فلا أريد»، أجاب يربعام. يا سادتي، هاكم ترون أن التاريخ يكرر نفسه حقاً.
وبعد كل هذا ينبغي القول إن ما يجري أمام ناظرينا هو في واقع الأمر المعركة على احتلال وزارة الدفاع. نتنياهو سيكون رئيس الوزراء التالي، إذا لم يحصل شيء ما مفاجئ. ثمة احتمالات طيبة لأن يكون غانتس هو وزير الدفاع أكثر من أن يكون رئيس الوزراء. بينيت الذي يهاجم غانتس بشدة يريد أن يضمن لنفسه الدفاع في الطريق إلى رئاسة الوزراء. ونتنياهو وقع في حب هذه الحقيبة ويحلم في أن يكون رئيس الوزراء ووزير الدفاع حتى بعد الانتخابات. فماذا، هل مسموح لبن غوريون وليس مسموحاً له؟
ابراهام تيروش
معاريف 30/1/2019