الناصرة-“القدس العربي”:يقول المؤرخ الإسرائيلي ميرون بينبينشتي، في محاضراته الأخيرة، أن أكبر ضرر يمكن لإسرائيل إلحاقه بالشعب الفلسطيني منذ النكبة هو تجزئته إلى “خمسة شعوب” أو جماعات في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات. منوها إلى أن الهدف الحقيقي للحصار المضروب على غزة لا علاقة له بالأمن بقدر ما هو جزء من استراتيجية التجزئة والتفتيت حتى تسهل السيطرة على الفلسطينيين وتبديد قضيتهم الوطنية. من جهته يوضح رئيس كتلة التجمع الوطني الديمقراطي داخل أراضي 48 دكتور جمال زحالقة، إن بوسع إسرائيل أن ترتاح ولا تقلق حيال مستقبل مشروعها الاستعماري لأن حركتي فتح وحماس تقومان بالدور المطلوب من حيث لا تدريان خلال صراعهما على سلطة باتت حاجزا حقيقيا أمام دولة فلسطينية. وينوه زحالقة لخطورة الانقسام إلى كونه جغرافيا أيضا علاوة على كونه سياسيا فصائليا أيديولوجيا. وزحالقة وبينبينشتي لهما شركاء كثر في هذه المقولة بل يتندر بعض المراقبين الفلسطينيين على الواقع الفلسطيني المأساوي الراهن بالقول على طريقة النكتة السوداء إن فتح وحماس تتصارعان على سلطة وهمية هي الآن برأسين الأول في رام الله والثاني في غزة لكن كليهما بلا عقل…لأن الرابح الوحيد هو الاحتلال. والمفارقة أن الاحتلال يتعامل معهما على مبدأ “فرق تسد” فيضرب إحداهما تارة وينسق مع الآخر أو يعطيها وينزع شرعية الآخر وفي كل الأحوال يواظب على إضعافهما وتكريس الانقسام بينهما حتى باتت حماس وعباس سواء تجمعهما صفة “الإرهاب” ومع ذلك يواصل الأشقاء فعل ما يقوم به عادة الأعداء. ويسود انقسام فلسطيني بين فتح وحماس منذ عام 2007 ورغم توقيع عدة اتفاقات صلح على الورق ظل الخلاف على الأرض قائما آخرها اتفاق وقعته الحركتان في 12 تشرين الأول/أكتوبر2017 لكنه لم يُطبق نتيجة خلافات حول عدة أمور منها تمكين الحكومة في غزة، وملف موظفي غزة الذين عينتهم “حماس” أثناء حكمها للقطاع. كما فشلت مصر في تقريب وجهات النظر ووضع حد للانقسام رغم جهودها المعلنة لترتيب هذا الملف ويقال لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي في سيناء والتفرغ له. ومع بداية العام الجديد وكما في مطلع الأعوام الأخيرة يتجدد الخلاف والتراشق حول فعاليات إحياء ذكرى انطلاقة “فتح”. ومن القاهرة حمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشدة على حركة حماس، مهددا بإجراءات عقابيّة جديدة ضد أهالي قطاع غزّة المحاصر من إسرائيل بالفعل. وأشار عبّاس إلى أن وعد بلفور “هو الذي ينفذ الآن من خلال حكم ذاتي في الضفة الغربية وإمبراطورية في قطاع غزة”، وهذا الذي يجري الآن، وأضاف “لن نسمح إطلاقا بمرور هذا المشروع أو أن ينفذ وعد بلفور عام 1917 برعاية أمريكية وبتوقيع بريطاني”. جاء ذلك عقب منع حركة حماس إحياء ذكرى انطلاقة فتح في غزة لعدم تنسيق الأمر مع الجهات المعنية فيما تزعم قيادات في السلطة الفلسطينية ان فتح لا تطلب إذنا من أحد كما قال الوزير حسين الشيخ، في تصريحات إعلامية معلنا انتهاء الحوار مع حماس واصفا نهجها بغير الأخلاقي واللاوطني، لكن منتديات التواصل شهدت تراشقا هوجم فيه الشيخ أيضا لتنسيقه مع الاحتلال ورفضه التنسيق مع حماس. وفي هذا السياق قال عباس “كما تعلمون أن هناك قرارا بتكليف مصر من الجامعة العربية عام 2007 بالعمل على إنهاء الانقلاب الذي نفذته حركة حماس على المؤسسات الشرعية في قطاع غزة وإنهاء هذه الصفحة وإعادة الوحدة الوطنية، وحصلت جلسات واتفاقيات عديدة معهم وبرعاية دول عربية على مدار الفترة السابقة”. وحول قراره بحل المجلس التشريعي لفقدانه الشرعية التي يتهم هو أيضا بفقدانها كرئيس لم ينتخبه أحد منذ سنوات تابع “قررت المحكمة الدستورية مؤخرا حل المجلس التشريعي الذي لا يعمل أي شيء منذ 12 عاما ويأخذ رواتب كبيرة، حيث أنه يتم صرف مليون دولار شهريا للمجلس الذي لا يعمل بين رواتب ونثريات، كما قررت الدستورية أيضا إجراء انتخابات خلال ستة أشهر”. موضحا أنه إذا لم تحصل انتخابات في القدس فلن يقبل أي انتخابات، وأضاف “نحن بصدد اتخاذ أي إجراء آخر إذا لم يسيروا وينفذوا هذا القرار، فأنا غير مستعد أن أدفع شهريا 96 مليون دولار”. وحمّل عباس حركة حماس مسؤولية الاعتداء على مقرّ تلفزيون “فلسطين” في قطاع غزّة، أمس الأول، موضحا أنه كان متوقعا أن تفعل حركة حماس ذلك. وقال إن فتح طلبت منهم في ذكرى انطلاقتها الـ 54 أن توقد الشعلة وهم رفضوا، وتابع مهددا بخطوات اعتبرتها حماس وجهات أخرى انتقامية “لكن شبابنا في قطاع غزة أصروا أن يوقدوها بالقوة وما حصل اليوم هو انتقام لما حصل” مضيفا أنه “طالما لا توجد مصالحة بيننا وبينهم سنلغي كل شيء بيننا وبينهم، وسوف لن نستمر بدفع 96 مليون شهريا، حيث أنهم يجبون مستحقات الكهرباء حتى الآن ويقومون ببيع الدواء الذي نرسله لهم”. يشار أن الناطق بلسان حركة فتح في غزة، عاطف أبو سيف قد أوضح أن الحركة قررت “إغلاق كافة مكاتبها ومقار عملها في القطاع، تحسبًا لأي اعتداءات عليها”، بعد الاعتداء على مقرّ تلفزيون “فلسطين” الرسمي وهو الهجوم الذي أدانته حركة حماس.
وقال أبو سيف في تصريح خاص لوكالة “الأناضول” إنّ الحركة قررت إغلاق كافة مكاتبها بغزة، حتى إشعار آخر، تحسبًا لأي اعتداءات عليها، وأضاف أنّ حركة فتح تتعرض لـ”فوضى مقصودة” بغزة، ولاعتقالات من قبل الأجهزة الأمنية في غزة. واستنكرت حركة حماس التي تحكم غزة، منذ عام 2007، في بيان لها، الاعتداء الذي طال التلفزيون، وطالبت الأجهزة الأمنية بملاحقة فاعليه. في ظل كل هذه الفوضى يتبادر السؤال هل تتمكن كتلة اليسار الجديدة التي تضم أحزاب اليسار الفلسطينية أن تنهض وتطرح بديلا أو طريقا ثالثا لحركتي حماس وفتح في انتخابات ربما تتم على الأرض إذا لم يمنعها الانقسام المأساوي بين رام الله وغزة؟