دمشق – «القدس العربي»: فتحت التوترات المتزايدة بين حليفي الولايات المتحدة شمالي سوريا جبهة جديدة من الصراع بعد اعلان واشنطن موافقتها على انشاء منطقة آمنة على الحدود السورية – التركية التي تنتشر فيها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بقيادة الوحدات الكردية، حيث أعلنت الأخيرة في بيان لها أمس قدرتها على تأمين الدعم والمساعدة اللازمة للمنطقة يتم الحديث عنها، الامر وجاء الرد من وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، قائلًا «إن فكرة المنطقة الآمنة التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هي في الأساس مطروحة من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ بداية الأزمة السورية».
وخلال مؤتمر صحافي مشترك عقده تشاووش أوغلو، الخميس، مع نظيره المقدوني نيكولا ديميتروف، في العاصمة التركية أنقرة أشار الى أن المباحثات ستحدد ما إذا كان هناك تطابق أو اختلاف بين تركيا والولايات المتحدة بشأن طبيعة المنطقة الآمنة، حيث جرت أول مباحثات في هذا الصدد الأربعاء خلال اجتماع رئيسي هيئة الأركان في البلدين في العاصمة البلجيكية بروكسل. واستطرد أوغلو بالقول ان هذه المنطقة الآمنة التي يدافع عنها الرئيس أردوغان منذ البداية، مهمة بالنسبة إلى استقرار المنطقة الشمالية لسوريا، ومهمة لعودة السوريين وفي مقدمتهم الأكراد فضلًا عن مكافحة الإرهاب، مشدداً على أن بلاده ستواصل مناقشة هذا الموضوع مع الولايات المتحدة.
«قسد»
وقالت «قسد»، في بيانها انها ستقدم «كل الدعم والمساعدة اللازمة لتشكيل المنطقة الآمنة التي يتم تداولها حول شمال وشمال شرقي سوريا، بما يضمن حماية كل الإثنيات والأعراق المتعايشة من مخاطر الإبادة، وذلك بضمانات دولية، تؤكد حماية مكونات المنطقة وترسخ عوامل الأمان والاستقرار فيها، ومنع التدخل الخارجي بها». ويرى مسؤول العلاقات الخارجية لـ»حركة المجتمع الديمقراطي»، ألدار خليل، في تصريحه لوكالة «فرانس برس»، إنه «يمكن رسم خط فاصل بين تركيا وشمالي سوريا عبر استقدام قوات تابعة للأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلام، أو الضغط على تركيا لعدم مهاجمة مناطقنا» رافضاً الحديث عن اقامة «منطقة آمنة»، واعتبرها «تمس سيادة سوريا وسيادة إدارتنا الذاتية».
وبطبيعة الحال، معلوم أن واشنطن توازن مصالحها وتعمل دائماً على خلق نوع من الاسترضاء لحليفيها المحلي والدولي، حيث تظهر حمايتها الدائمة للميليشيات الكردية بالتوازي مع تطميناتها المتسمرة لانقرة، وكان آخرها خلال اجتماع عقده رئيسا الأركان التركي يشار غولر، والأمريكي جوزيف دانفورد، في بروكسل، حيث أكد تشاووش أوغلو في هذا الصدد «إن اجتماع غولر ودانفورد هو لقاء لبحث المنطقة الآمنة حيث تناولا بالدرجة الأولى سبل تنسيق البلدين لقرار انسحاب الولايات المتحدة في سوريا» وقال: «سنواصل مباحثاتنا مع الجانب الأمريكي، بين عسكريينا ومؤسساتنا الأخرى، وبالطبع على مستوى وزراء الخارجية أيضًا».
نقاط خلاف
المحلل السياسي التركي فراس اوغلو قال لـ «القدس العربي» إن اجتماع بروكسل قائم لبحث مسألة الانسحاب الامريكي وتوزع الجنود الامريكيين شمال شرقي سوريا والحركات اللوجستية والطيران الامريكي المتواجد في المنطقة كونه يدخل في الاجواء التركية ويخرج منها اضافة الى ملفات عسكرية اخرى ربما تكون سرية، وأضاف ان اجتماعات بروكسل تدل على فاعلية حلف الناتو القائم بين قوى عظمى كتركيا والولايات المتحدة اضافة الى الدول الاخرى مثل بريطانيا وفرنسا وغيرها.
واعتبر ان نقاط الاختلاف بين الولايات المتحدة وانقرة موجودة بالفعل حيال المنطقة الآمنة، «لكنها أقل بكثير من نقاط الاتفاق» معتبراً أهمها العقيدة السياسية للوحدات الكردية وأماكن توزعها وإمكانية ادخال أحزاب كردية أخرى الى هيكليتها، قائلاً «اهم محاور الاختلاف قائمة حول العناصر الإرهابية المسجلة في لوائح الارهاب لدى تركيا والموزعة بموجب الشركة الأمنية مع الاتحاد الاوروبي وأمريكا اضافة الى الخلاف حول العقيدة السياسية لحزب الوحدات الكردية الذي لابد ان يغير من مسيرته الحزبية ولا يمكن قبوله على أنه الممثل الوحيد لكرد سوريا إضافة إلى السلاح الموجود معهم وكيف يمكن حل هذا الملف الشائك». مشيراً الى نقاط خلافية أخرى تبحث آلية «ادخال الاحزاب الكردية الاخرى المتواجدة في تركيا، وهم ايضاً معارضون ومعارضون للوحدات في الوقت نفسه وكيف سيكون دخولهم في العملية السياسية المقبلة في سوريا؟».
إدارة المنطقة الآمنة
وعن محاذير انقرة قال المحلل السياسي التركي لـ«القدس العربي» انها تتمثل في منع دخول الميليشيات الايرانية والعناصر الكردية الارهابية مرجحاً ايجاد صيغة لإدارة المنطقة اهم خياراتها «ادخال عناصر كردية غير ارهابية مع الجيشين السوري الحر والتركي» او مع احتمال الحديث عن تقسيم المنطقة «كي يكون الشمال بقيادة مشتركة تركية – امريكية بدون وجود عناصر كردية وابعاد الميليشيات الكردية الى منطقة أخرى».
وعلى الرغم من أنه من المبكر الحديث عن ادارة المنطقة الامنة، لكن من وجهة نظر تركية، لا بد ان تكون انقرة هي العنصر الاساسي في حوكمة المنطقة، حيث قال فراس أوغلو إن الولايات المتحدة الامريكية تعلم ان مثل هذه المناطق تحتاج الى تركيا التي صنعت المنطقة الآمنة مع واشنطن شمال العراق، وفي حرب البوسنة والهرسك، إضافة الى باع انقرة الطويل في هذا الشأن فهي تمتلك قوى عسكرية هائلة، في ظل الحديث عن منطقة آمنة على حدودها لذلك «فهي صاحبة الفعل ونتوقع انه لن تكون الادارة بيد الوحدات» مرجحاً تكوين إدارة مدنية تضم كرداً وعرباً وتركماناً تحت اشراف دولي – امريكي – تركي، عسكرياً واستخباراتياً عبر الطائرات والاقمار الصناعية، ورجح اوغلو، ان تناط ادارة المنطقة الآمنة بالجيش التركي براً، والولايات المتحدة الامريكية جواً.
وعلى الرغم من التفاهمات الأولية خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى مؤخراً بين الرئيسين ترامب وأردوغان حول ضرورة إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، إلا أن ترجمة هذه التفاهمات إلى حقائق على الأرض تحتاج إلى مباحثات عديدة بين مسؤولي البلدين، وعلى رأسهم مسؤولو الخارجية والدفاع والأمن القومي الأمريكي. وكل ما ينشر حول المنطقة الآمنة في الصحف التركية من تفاصيل تتعلق بالمساحة والمسافة والمناطق المستهدفة عبارة عن قراءة أنقرة لمتطلبات المنطقة الآمنة في شمال سوريا، برأي الباحث السياسي عبد الرحمن عبارة، حيث رأى انه «لا يوجد بند واحد مما نُشر في الإعلام التركي متفق عليه بصورة نهائية بين أنقرة وواشنطن». وأكد عبارة لـ«القدس العربي» أهمية العناوين العريضة المتفق عليها بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، والتي لا يمكن إغفالها، وهي بحسب المتحدث «أولاً محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم داعش؛ ثانياً وجود تفّهم أمريكي للمطالب التركية المتمثلة في منع قيام كيان سياسي في شمال سوريا يهدد وحدة سوريا ويشكل تهديداً للأمن القومي التركي والمصالح التركية في المنطقة». لكن تطابق وجهات نظر البلدين حول تلك العناوين لا يعني بحال عدم وجود نقاط اختلاف، وفي مقدمها عدم سماح واشنطن لأنقرة بالمساس بالتنظيمات الكردية الحليفة لواشنطن شمال سوريا.